; أضواء على أوضاع الصين الجديدة | مجلة المجتمع

العنوان أضواء على أوضاع الصين الجديدة

الكاتب إحسان السيد

تاريخ النشر الثلاثاء 19-فبراير-1980

مشاهدات 71

نشر في العدد 470

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 19-فبراير-1980

ستة ملايين طالب تقدموا للجامعات.. قبل منهم أقل من نصف مليون.

حملة في الصين تندد بعبادة الشخصية.

لنابليون بونابرت عبارة شهيرة يقول فيها: «ويل للعالم، إذا استفاق العملاق الأصفر من غفلته»! 

والعملاق الأصفر، هو الصين التي وصل عدد سكانها إلى ألف مليون نسمة..!

فما قصة الصين؟ وكيف حال الشيوعية بعد ثلاثين سنة من تطبيقها؟ وما أخبار المسلمين الصينيين الذين يشكلون 5% من السكان؟ وأين تقف الصين بين أمريكا وروسيا؟ وما احتمالات ومجالات تعاون المسلمين معها؟

هذه بعض التساؤلات، التي سنحاول الإجابة عنها في هذه الدراسة العاجلة للصين.

البداية:

في عام 1949م تسلم الشيوعيون الحكم في الصين، وقامت جمهورية الصين الشعبية، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية أولى الدول التي أزعجها ذلك، ففرضت حصارًا شديدًا، بهدف إسقاط النظام الجديد فيها، إلى درجة أنها كانت ترفض بيع القمح إلى أي دولة تقيم علاقات تجارية مع الصين.

وظل الحال كذلك إلى أن جاءت المبادرة التاريخية للرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيکسون بزيارة الصين، فتحولت العلاقات الأمريكية- الصينية، من مرحلة الصراع السافر إلى مرحلة التعايش السلمي، الذي انتهى باعتراف أمريكا بالصين، التي أصبحت عضوًا في هيئة الأمم المتحدة.

وكانت هناك عدة أسباب وراء تراجع الولايات المتحدة عن حصارها للصين ثم اعترافها بها، وأهمها:

  • تمثل الصين سوقًا ضخمة تشكل مجالًا واسعًا لتحرك الاقتصاد الأمريكي.
  • تزايد انفراد الدوائر الاقتصادية الغربية في أوروبا بالإتجار مع الصين.
  • معاهدة السلام والصداقة الصينية- اليابانية التي وقعت في 12 أغسطس «آب» أي قبل الاعتراف الأمريكي بأشهر قليلة. 
  • دعم مركز الصين في صراعها مع الاتحاد السوفيتي، وجعلها شبه حليف للولايات المتحدة.

الصين بعد 30 سنة من الشيوعية:

ونأتي إلى سؤالنا الثاني عن حال الشيوعية في الصين بعد ثلاثين سنة من تطبيقها، وهل نجحت في تأمين الحياة الرغدة الهانئة للشعب؟

قبل حوالي عام، وبالتحديد في شهر كانون الثاني- يناير عام 1979م، حاول فلاحون صينيون متظاهرون، اقتحام مقر الرئيس الصيني «هواكو فينغ» في بكين، وهم يهتفون: «يسقط الاضطهاد».. «ضقنا ذرعًا بالجوع». وقد منعهم الحرس العسكري، إضافة إلى عشرات المخبرين غير المسلحين من اقتحام المبنى.

وكان هؤلاء الفلاحون قد ساروا في مظاهرة انضم إليها حوالي ألف صيني في بكين. وقد رفعوا لافتات تحمل شعارات تقول: «المضطهدون في كل مكان» و«نريد الديمقراطية وحقوق الإنسان».

وذكر أحد الفلاحين أنه قطع على قدميه مسافة 1500 كيلو متر من قريته إلى بكين حتى يشكو للمسؤولين من سوء أوضاعه. 

وقال آخر: إننا لن نرحل من هنا حتى نقابل «هوا»، كي يتم اتخاذ قرار بشأن حالتنا، وإذا كان القرار طيبًا فسوف نرحل. وإذا لم يحدث ذلك فسوف نبقى.

وفتح أحد الفلاحين بانفعال سترته لكي يظهر ما يرتديه من ثياب رثة، وحقيبة صغيرة مصنوعة من الكتان، وذكر أن هذا هو كل ما يملكه.

وبعد ثلاثة أشهر من هذا التاريخ، نشر من بكين أن اضطرابات وقعت في الصين بسبب وجود أربعة ملايين عاطل عن العمل في الصين. وقالت وكالة الأسيوشيتدبرس أن أعدادًا كبيرة من خريجي الجامعات الصينية عاطلون عن العمل، أو يرسلون للعمل في المزارع.

وقد ذكر أن ستة ملايين طالب، تقدموا إلى الجامعات الصينية، غير أنه لم يقبل منهم إلا 400,000 طالب بسبب عدم وجود شواغر. وأشار مسؤول صيني إلى أنه لا جدوى من إيجاد شواغر للطلبة الجدد في الجامعات، طالما أنه لا توجد إمكانية لاستيعابهم في وظائف عند التخرج، ولذا يخطط التربيون الصينيون لمد فترة الدراسة الابتدائية والثانوية من عشر سنوات إلى اثنتي عشرة سنة.

العودة:

هذا هو حال الصين بعد ثلاثين سنة من تطبيق الشيوعية. ولعل هذا أيضًا هو الذي دفع الصين لمراجعة تجربتها الشيوعية وإجراء بعض الانفتاح، وباعتبار «ماوتسي تونغ» يمثل التطرف في تطبيق الشيوعية، فقد كان أول الأشياء التي اختفت.. الحروف السوداء من صحيفة «الشعب» في بكين والتي كانت مخصصة لتعاليم «ماو»، ثم أقوال الزعيم الراحل التي كانت تظهر يوميًا في أعلى الصفحة الأولى داخل إطار خاص، وشمل إلغاء الماوية جميع الرموز والصور التي نقلت ليلًا من المباني العامة في شنغهاي وبكين ومدن أخرى إلى أماكن لا يمكن للجمهور رؤيتها. وكذلك حظر على كوادر الحزب رفع كتيبات تعاليم ماو في الأماكن العامة، وبدأت في الصين حملة تندد بعبادة الشخصية، ووصفت «ماو» بأنه خرافة إقطاعية، وبأنه هاوٍ في الاقتصاد، فقد اعترف في حديث له عام 1962م أن «هناك قضايا اقتصادية كثيرة لا أستطيع فهمها» ولم ينشر حديثه هذا إلا الآن.

ونصل الآن إلى السؤال الثالث الذي طرحناه وهو: ما أخبار المسلمين الصينين الذين يشكلون نسبة 5% من السكان؟

إجابة عن هذا السؤال ننشر نص ما نشرته جريدة لوموند الفرنسية في 20 يناير 1980م، وقام بترجمته قسم الترجمة في المجتمع.

المقالة نشرت تحت عنوان «المسلمون في الصين»، وهذا نصها:

المسلمون في الصين

يعيش في الصين على الحدود السوفيتية أقلية إسلامية كبيرة من سكان شنغهاي، وكذلك الحال بالنسبة للاتحاد السوفيتي. فإلى متى ستبقى هذه الأقليات تحت الاحتلال؟

دعاية السلطات الصينية:

يدعي المسؤولون الصينيون في كل مناسبة بأن إقليم شنغهاي كان دائمًا جزءًا أساسيًا من الصين، سواء في زمن الوحدة الوطنية، أم في زمن الانفصالات الرجعية، وأن علاقات سكان شنغهاي كانت دائمًا وطيدة مع سكان منطقة وسط الصين. لكن تلك التأكيدات والادعاءات لا تستطيع أن تستر الحقيقة، لأن المراقبة الشديدة التي تفرضها سلطات بكين على هذا الإقليم ليست إلا استعمارًا كما كانت فرنسا تستعمر الجزائر منذ زمن قريب.

حدود مغلقة:

في الحقيقة يختلف سكان شنغهاي عن الشعب الصيني من الناحية التاريخية والثقافية والعرقية أكثر من اختلاف الشعب الفرنسي عن العرب في هذه النواحي. فسكان شنغهاي على اختلاف أجناسهم ينتمون إلى شعوب الشرق الأوسط والأتراك من حيث الدين واللغة، ولا تزال النساء في بعض قبائل هذه المنطقة يتمسكون بالزي الإسلامي. وبالرغم من العلاقات القديمة بين شعب شنغهاي والشعب الصيني، وبالرغم من التغييرات الاجتماعية التي فرضتها السلطات الشيوعية على شعب شنغهاي منذ سنة 1949م، فإن هذا الشعب ما زال يحتفظ بشخصيته المميزة، مع أن الحكومة الصينية بذلت كل ما في وسعها من جهد لتفصل هذا الشعب عن جذوره التاريخية والثقافية، حيث أغلقت هذه السلطات الحدود بين شنغهاي وبين كل من تركستان والاتحاد السوفيتي وأفغانستان وباكستان، مع العلم بأن الطرق التجارية القديمة بين أسيا الشرقية والشرق الأوسط شبه معطلة. 

لقد منعت السلطات الصينية ممارسة الدين في هذا الإقليم الذي يدين جميع سكانه بالإسلام، كما منعت تداول القرآن الكريم، وأغلقت المساجد وبقيت مقفولة حتى نهاية سلطة عصابة الأربعة، وكذلك قامت الحكومة الصينية بتعديل حروف الكتابة بالنسبة لبعض لغات شنغهاي. فاللغتان الأورغورية والكازاخية مثلًا تكتبان عادة بالحروف العربية، ولكن قبل تحرير الصين وحتى بداية توتر العلاقات الصينية السوفيتية في أوائل الستينيات عدل سكان شنغهاي عن الحروف العربية ليستعملوا الحروف التي كان يستعملها إخوانهم الذين يعيشون داخل الحدود السوفيتية، لكن بعدما توترت العلاقات الصينية السوفيتية عمدت السلطات الصينية إلى تعديل طريقة كتابة هذه اللغات، لكي تكتب أخيرًا بالحروف اللاتينية. وتركت هذه التعديلات المتتالية آثارها السيئة على استعمال هذه اللغات في الكتابة والتأليف.

أرض الهجرة:

اتخذ الصينيون إقليم شنغهاي أرضًا للهجرة، فقبل تحرير الصين كان عدد سكان شنغهاي خمسة ملايين نسمة، لم يكن هذا العدد يتضمن إلا على ثلاثمئة ألف نسمة من أصل صيني. لكن هذا الوضع قد تغير كثيرًا في الوقت الحاضر، فسكان شنغهاي يبلغ تعداده الإجمالي حاليًا أحد عشر مليون نسمة، ويحتوي هذا العدد على أربعة ملايين نسمة من أصل صيني. وقد كثرت هجرة الصينيين الأصليين إلى إقليم شنغهاي لعاملين أساسيين: أولهما وجود عدد كبير من الجنود الصينيين الذين يعملون في المزارع الحكومية بالإقليم. وثانيهما ما قامت به الحكومة الصينية من استيطان بعض الشبان الصينيين المثقفين في شنغهاي منذ عام 1958م بعد أن نزحوا من مناطق صحراوية داخل الصين وهاجروا إلى شنغهاي بدعوى المساهمة في تطوير الإقليم. 

لكن بالرغم من الهجرة الصينية المكثفة إلى شنغهاي يفيد بعض المصادر الأجنبية بأن السلطات الصينية منعت الزواج بين سكان شنغهاي الأصليين وبين الصينيين الأصليين الذين نزحوا إلى هذا الإقليم، خشية أن تنتقل ثقافات شعب شنغهاي الإسلامية إلى سكان الإقليم من أصل صيني، لأن هذه السلطات مقتنعة من أنه لو تزوج شخصان أحدهما من أصل صيني والآخر من شعب شنغهاي الأصليين، فإن الصيني الأصل هو الذي سيضطر إلى اعتناق الدين الإسلامي وليس العكس، لذلك لا يوجد اختلاط بين سكان شنغهاي الأصليين وبين المهاجرين من الأصل الصيني. 

في الحقيقة إن كل ما تردده أبواق الدعاية الصينية من أن النظام الجديد قد حرر الأقليات العرقية من العبودية والرجعية ما هي إلا دعاية، مثلما كان الفرنسيون يرددون أن الاستعمار هو الذي حمل الحضارة إلى السود والعرب. فالسلطات الصينية احتلت سكان شنغهاي وأغلقت عليهم الحدود، وكانت زيارة هذا الإقليم ممنوعة على أي أجنبي حتى العام الماضي فقط.

شعب بلا دولة:

إن تمسك شعب شنغهاي بعاداته الإسلامية نوع من مقاومة الاحتلال الصيني لأراضيه، فالقرآن الكريم لا يزال هو الكتاب الشعبي في شنغهاي يتعلمه الشباب والكبار حتى الآن، كما أن المساجد تنتشر في جميع أنحاء الإقليم، والزائر لهذه المنطقة يرى غالبًا جماعات يتدارسون القرآن الكريم في الشوارع، أو رجلًا يصلي على سجادته أو يقرأ القرآن الكريم بالرغم من شدة البرد.

إن هذه الظاهرة إن دلت على شيء فإنها تدل على أن شعب شنغهاي الذي يعيش تحت الاحتلال الصيني وشعب تركستان الذي يحتله الاتحاد السوفيتي سوف يأتي يوم يقولان فيه «لا» للاحتلال الذي يفرضه عليهما جيرانهما على الحدود الشرقية أو الغربية. ولعل الصين أدركت هذه الحقيقة فأسرعت إلى تعديل سياستها تجاه الدين وتجاه ثقافات الأقليات العرقية، لكن مركزية السلطة في الصين وأيديولوجية سياستها للحزب الشيوعي الصيني ستقفان عقبة كأداء أمام أي انفتاح حقيقي. فهل تسمح سلطات بكين مثلًا في المستقبل القريب بانتشار المدارس الإسلامية ومصاحف القرآن الكريم في شنغهاي؟ إن الدلائل تشير إلى أن بكين لن تذهب بعيدًا في هذا المجال.

مجالات التعاون:

ويبقى السؤال الأخير.. ما احتمالات ومجالات تعاون المسلمين مع الصين؟

إن أشد ما يغيظ الاتحاد السوفيتي اليوم، هو تقارب الولايات المتحدة من الصين، ولقد ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية في عددها الأخير أن بريجنيف هوى بقبضتي يده على الطاولة أمام ضيفه الفرنسي جاك شابان دالماس، رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية، وقال: «صدقوني أنه بعد أن نتمكن من تحطيم المجمعات النووية الصينية بواسطة صواريخنا، لن يتوفر للولايات المتحدة الأمريكية الوقت الكافي للدفاع عن حليفتها الصين وقبول التعايش معها».

وكان «دالماس» قد حضر إلى موسكو لمناقشة المسؤولين السوفييت بالأسباب التي دفعت الاتحاد السوفيتي إلى غزو أفغانستان.

وكلنا يعلم أن الولايات المتحدة التي حاصرت الصين، لا تحبها ولا تقيم هذه العلاقات معها من أجل سواد عينيها، إنما هي السياسة. والمسلمون، وهم يواجهون اليوم مكر الولايات المتحدة ووحشية الاتحاد السوفيتي، عليهم ألا يكونوا متفرجين، وأن يستفيدوا من الظروف، ويعرفوا حقيقة اللعبة وأبعادها.

ولكن، لماذا يتحالف المسلمون مع الصين دون الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي؟

  • الصين لم تعترف بدولة العدو ولم تقم أية علاقات معها، كما هو الحال مع الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
  • في الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة ملايين اليهود، في حين تخلو الصين لهم. ولهذا فهم يشكلون ثقلًا في هاتين الدولتين، ولا وزن لهم في الصين.
  • الأوضاع الأخيرة في الصين أعطت بعض الحرية للمسلمين في الصين، وقد ظهر هذا جليًا في الترجمة التي نشرناها لصحيفة لوموند، إضافة إلى ما أذاعته وكالة أنباء الصين الجديدة «شنجوا» إثر الغزو الروسي لأفغانستان، وهو بيان للرابطة الصينية الإسلامية دعت فيه المسلمين الصينيين إلى حرب مقدسة ضد الغزو السوفيتي لأفغانستان، ونددت فيه بالغزو وذبح المسلمين، وقمعهم في ذلك البلد المسلم.

ولا شك في أن التعاون مع الصين، وتنسيق العمل معها، وتقوية الروابط التجارية والاقتصادية، سيساعد على إعطاء مزيد من الحرية للمسلمين الصينيين. والموضوع على أية حال مفتوح للحوار والنقاش.

  • ستة ملايين طالب تقدموا للجامعات.. قبل منهم أقل من نصف مليون.
  • حملة في الصين تندد بعبادة الشخصية.
  • لا يزال القرآن في شنغهاي هو الكتاب الذي يتعلمه الكبار والصغار.
الرابط المختصر :