; المجتمع الثقافي العدد 17919 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي العدد 17919

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 16-سبتمبر-2006

مشاهدات 56

نشر في العدد 1719

نشر في الصفحة 60

السبت 16-سبتمبر-2006

 

أطلس الفتوحات الإسلامية..  تصوير خرائطي لأحداث التاريخ الإسلامي

مصطفى عاشور :

يعرف الكثير عن الإخوان المسلمين أن لهم نشاطًا سياسيًا ودعويًا واجتماعيًا، لكن يغيب عن هؤلاء النشاط والدور العلمي الكبير الذي قام به بعض النابهين من الإخوان في مجالات علمية عديدة وإثرائهم المكتبة العربية والإسلامية بالعديد من الكتب والمؤلفات المتميزة.

ويأتي في مقدمة هؤلاء الاستاذ أحمد عادل كمال من مواليد (1926م)، ومن الجيل الأول لجماعة الإخوان، وصاحب الكتب المتميزة في الفتوح الإسلامية، فهو صاحب مشروع متميز شغله ما يقرب من نصف قرن، يمكن تلخيصه في دراسة استراتيجية الفتوح وأصدر خلاله مجموعة من الكتب منها: «الطريق إلى المدائن» و«الطريق إلى دمشق» وسلسلة «أعلام الصحابة المحاربين».

وقد تميز أحمد عادل كمال بكتابين مهمين الأول هو «أطلس تاريخ القاهرة» الذي استغرق تأليفه ما يقرب من (17) عامًا، واحتوى الكتاب على مئات الخرائط والصور عن مدينة القاهرة منذ نشأتها الأولى وحتى الوقت الحاضر.

أما الكتاب الثاني فهو «أطلس الفتوحات الإسلامية» الذي استغرق سنوات طويلة من المؤلف، ويقع هذا الكتاب في (312) صفحة من القطع الكبير ويحتوي على (134) خريطة للفتوح منذ صدر الإسلام وحتى الدولة العثمانية، إضافة إلى عشرات الصور الملونة لبعض المعارك، وتراجم لبعض قادة الحروب، وجداول وفهارس غاية في الإتقان، كما تميز هذا الأطلس بثوبه القشيب الذي خرج فيه وألوانه المتميزة وورقه المصقول، وصدرت الطبعة الأولى للكتاب في عام (2005م).

تصوير خرائطي

هناك فارق بين الأطلس التاريخي وكتاب التاريخ، فالأطلس هو تصوير خرائطي لأحداث التاريخ، ومن ثم فهو كتاب للمعاونة في دراسة التاريخ، ولذا فهو خرائط تشرحها عبارة موجزة لا تحرص على الإسهاب، أما كتاب التاريخ فهو يستعين بالخرائط في عرض المادة التاريخية.

والواقع أن لجوء العالم إلى الخريطة شكل تطورًا حضاريًا في المسيرة الإنسانية، حيث عرف العالم خرائط بدائية، وساهم المسلمون في تطويرها بجهد كبير، لكن ثقافة استخدام الخريطة -رغم جهود بعض العلماء المسلمين- لم تأخذ حظها في كتابات المؤرخين والجغرافيين المسلمين الذين ألفوا كتبًا عن البلدان والرحلات، وانعكس ذلك على استخدام الأجيال التالية للخرائط فقلما تجد من يستطيع استخدام الخريطة أو فهمها أو اللجوء إليها.

وقد بذل أحمد كمال في كتابه هذا جهدًا كبيرًا لإخراج الخرائط وتحديد أماكن المعارك ومسار الجيوش بعناية فائقة، ومن يطالع الــ (134) خريطة التي أوردها في الأطلس سيلحظ ذلك ويدرك أيضًا تأثير الجغرافيا على المعركة، والقدرات التي تمتع بها المسلمون الأوائل في تطويع الجغرافيا لخدمة أغراضهم الحربية والعسكرية، وجعلها عاملًا مساعدًا في تحقيق النصر، وهذا من الصعب على الكلمة الواردة في المصادر التاريخية رصده أو تصويره بسهولة، لكن الخريطة تخلق صورة بانورامية وذهنية ترسم خريطة للمعركة وتحفر معالمها في الوجدان.

وحركة الفتوح الإسلامية، رغم أهميتها التاريخية والعسكرية، لم تحظ بالاهتمام المناسب، حيث نظرت إليها بعض الكتابات على أنها حكايات للبطولة والفداء، أو مواعظ تستخدم في الحث على التضحية، وأن الصيحات التي كان يطلقها المسلمون في الحروب كانت هي مفتاح النصر، غير أن هذا الفهم القاصر لحركة الفتوح الإسلامية عطل الكثير من إمكانية الاستفادة من تلك الفتوح.

ويشهد التاريخ أن المسلمين انتصروا لأنهم الأتقى، وكذلك لأنهم الأكثر استعدادًا للمعركة، والأكثر لجوءًا إلى أساليب مبتكرة للقتال، والأكثر توظيفًا للجغرافيا في المعارك، والأكثر تدريبًا، والأفضل على مستوى جمع المعلومات والاستخبارات، حيث كانت معارك المسلمين سيمفونية رائعة من العمل العسكري والاستراتيجي استطاعوا خلال ما يقرب من عشرين عامًا محاربة أكبر دولتين في المعمورة آنذاك «الفرس والروم» والسيطرة على الكثير من أراضيهم.

ويؤكد «أحمد كمال» أن حركة الفتوح الإسلامية حدث لم يتكرر في التاريخ، حيث تفرد بسرعة الإنجاز إذ لم يتجاوز مداه الزمني أكثر من عشرين عامًا، وتم على مرحلتين:

الأولى: منذ نهاية عهد أبي بكر الصديق إلى نهاية عهد عمر -رضي الله عنهما- «12 هــ حتى 23 هــ» حيث تم في هذه المرحلة فتح العراق بأكمله وبلاد فارس ومصر والشام.

الثانية: فترة خلافة الوليد بن عبد الملك «86 هــ حتى 96» وفيها تم فتح الشمال الأفريقي والأندلس، وآسيا الوسطى وإقليم السند، وتمثل هذه الفتوح التي امتدت شرقًا وغربًا أكثر من سبعين خطًا من خطوط الطول.

وقد انفرد هذا الفتح الإسلامي بدوام الأثر وعمق التأثير، فلم يخرج من الأراضي التي فتحها المسلمون عبر تاريخهم فيما بين المحيطين الأطلسي والهادي سوى مناطق محدودة أبرزها الأندلس، لكن ظلت بقية المناطق تدين بالإسلام حتى وقتنا الحاضر.

وقد تناول الأطلس حركة الفتوح في ثلاثة أقسام رئيسة، مسبوقة بفصل تمهيدي تناول شبه الجزيرة العربية من حيث الجغرافيا، والقبائل العربية وحروب الردة ونتائجها.

المرحلة الأولى: من (12 هــ) حتى (23 هــ)

وتناولها الأطلس في خمسة فصول هي:

الأول: الحملات الأولى على العراق وعرض فيها معارك الفتوح وأبرزها معارك الحيرة والبويب والولجة والجسر.

الثاني: وتناول معارك القادسية والمدائن التي تعتبر أكبر المعارك في تلك الفترة وما تخللهما من معارك صغيرة.

الثالث: الانسياح في بلاد فارس: وفيه معارك المسلمين في فارس «إيران» والتي أجهزت على الإمبراطورية الفارسية، وأبرز معاركها جلولاء، وفتح أذربيحان وأرمينيا والسند.

الرابع: فتح الشام وفيه وقائع ومعارك الشام وأبرزها معركة فحل بيسان ومعركة اليرموك.

الخامس: فتح مصر: وفيها فتح الإسكندرية ومعركة هليوبوليس.

المرحلة الثانية: من (86 هــ) حتى (96 هــ)

وتناول في هذه المرحلة ثلاثة فصول هي:

  1. فتوح برقة والمغرب: التي خاض فيها المسلمون معارك عظيمة للغاية.

  2. فتوح الأندلس.

  3. غزوات البحر المتوسط: وفيها فتح قبرص ورودس وكريت وصقلية ومالطة وجزر البليار وجزيرة سردينيا.

أما الجزء الثالث من الأطلس فتناول: الفتوحات في عهد الدولة العثمانية:

وتاريخ دولة آل عثمان منذ نشأتهم والمعارك والفتوح التي قاموا بها.

وختم «أحمد كمال» الأطلس بيوميات وحوليات الفتح وأبرز قادته، وترجم لمجموعة من الشخصيات الحربية المهمة منها المثنى بن حارثة، وعمرو بن العاص، وهرقل الأول، والمقوقس، ويزدجرد الثالث، والبطريرك بنيامين.

وما نستطيع تأكيده أن «أطلس الفتوحات الإسلامية» من الأعمال التي تستحق الاقتناء والقراءة والفهم، فالمجهود الذي بذله الكاتب هو حصاد ما يقرب من نصف قرن لخدمة مشروع الفتوح الإسلامية، وهو محاولة اقتراب جديدة من دراسة الفتوح تعمقها العلوم الحديثة المدعومة بالخرائط.

  • الحق أبلج

إن الحق واحد لا يتعدد ولا يتحول إلى باطل إذا جاء على لسان من اعتدنا منه غير الحق، تلك حقيقة يعلمها الورى لكنهم -وكعادتهم- إلا من رحم الله عند التطبيق لا يؤدون مقتضاها، ذلك أنك ربما تجد شبه اتفاق على باطل وانصرافًا عن الحق لا لشيء إلا لأن صاحبه ذو مال أو جاه أو سلطان، ولذا صدق من قال: «إنما يعرف الرجال بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال».

وهذا خير درس نتعلمه من قصة الشيطان الذي جاء سارقًا من زكاة رمضان التي وكل يحفظها أبو هريرة إذ أمسكه وهدده يرفع أمره إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فعرض عليه أن يعلمه كلمات مقابل فك أسره، فلما ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم تلك الكلمات قال: «صدقك وهو كذوب».

إن العداوة المتأصلة التي طالما ذكرها القرآن لم تمنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يقر الحق، ويتبين ذلك لنا إذا سألنا لماذا لم ينهر النبي صلى الله عليه وسلم أبا هريرة قائلًا - مثلًا: لا تتعلم إلا مني أو ممن ينقل لك عني.

تلك هي الخطوة الأولى أن تنظر إلى القول لا لقائله، وإلى العمل لا إلى القائم به، أما الخطوة الأخرى فهي إسقاط ذلك على أرض الواقع حتى لا يكون الأمر مجرد كلام يحبر على الأوراق وتتشدق به الألسنة.

ورحم الله عمر بن الخطاب إذ كان واقفًا على المنبر، وصرح بأنه يريد أن يجعل حدًا للمهور لما رآه من المغالاة، فوقفت امرأة وقالت: إن الله يعطينا بالقنطار إذ يقول: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا﴾ (النساء: 20) ساعتها وبكل شجاعة وقوة قال عمر: «أصابت امرأة وأخطأ عمر».. يا له من موقف ويا له من بطل، على المنبر أمام جمع المسلمين وهو أمير المؤمنين، بإمكانه أن يشير فتسجن المرأة أو على الأقل أن تسكت إلا أن الحق ولزومه يفرضان عليه أن ينزل على رأيها، أذكر بذلك من يرفضون الرجوع إلى الحق حتى لا يقال عنهم تراجعوا أو كذب قولهم أو سفه رأيهم، وتلك هي النفس الأمارة بالسوء وهذا هو دورها، فطوبى لمن قهرها وانتصر عليها وطوبى لك يا بن الخطاب!.

  • أبو علاء الرحماني

الرابط المختصر :