; أعمدة المجتمع (العدد 409) | مجلة المجتمع

العنوان أعمدة المجتمع (العدد 409)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-أغسطس-1978

مشاهدات 77

نشر في العدد 409

نشر في الصفحة 27

الثلاثاء 22-أغسطس-1978

عندما حل شهر رمضان توقعت أن يزورني صديقي الذي غاب عني فترة غير قصيرة، ذلك الصديق الذي غاب عني فترة غير قصيرة، ذلك الصديق الذي تعود أن يأتي ويدير الحوار بيني وبينه في مسائل كثيرة تشغل بال الشباب، وتضع أفكارهم في دائرة الحيرة، ويحاول أن يبعث معي عن وسائل النجاة، فقد ضاقت الدائرة وصارت في مأزق يدفع الشباب إلى ما يشبه الطريق المسدود.

بعد أن فرغت من طعامي وشرابي، نهضت إلى صلاة المغرب، ثم بدلت ملابسي وذهبت إلى المسجد القريب من الدار لأقيم صلاة العشاء هناك مع أهل الحي، ونقيم صلاة التراويح في جو يكثف الإحساس بقوة الإيمان بالله، ولما فرغت

من الصلاة لمحت صديقي بين المصلين، فقمت إليه أسأله:

- أصليت معنا العشاء؟

- قال وقد وقف: نعم وصليت التراويح أيضًا ذهبت إلى دارك فقيل لي إنك هنا فجئت مسرعًا ولحقت بالصلاة معكم.

- قلت وأنا أصحبه إلى خارج المسجد: إذن نذهب معًا إلى الدار توقعت زيارتك لي بعد هذا الغياب الطويل واشتقت إلى حديثك. لهتنا الحياة بهمومها، ولكن رمضان الشهر الكريم يجعلنا نثوب إلى رشدنا ونتنبه إلى وجودنا، ونفيق من النوم الثقيل دخلنا إحدى الحجرات وجلسنا، وقلت بعد أن استويت فوق مقعدي: حقًا الناس نيام، ولكن هل نظن أن كل الناس تستيقظ في رمضان من نومهم في حضن الدنيا؟

- قال الصديق رقد لمع في عينيه بريق الفكر: لا...لا أظن مع أن أغلب الناس تصوم

- هل أفهم من كلامك أن بعض الناس لا تصوم.

- قال وهو يضغط على الحروف: نعم ونسبة هؤلاء الذين لا يصومون ليست قليلة رغم أنهم مسلمون ويعلمون أن الصيام مكتوب عليهم غير أنهم يعصون ربهم في الخفاء.

جلست في استرخاء كان الأمر يحتاج مني إلى أن أبحث عن موضوع غيره إذا كان هؤلاء الذين لا يصومون يعرفون أنهم يعصون ربهم، فما بال هؤلاء الذين يصومون بالفعل، ويحرمون أنفسهم من الطعام والشراب طوال النهار، ويقدرون على ذلك، ولكنهم لا يقدرون على طاعة الله الكاملة فيأكلون الحديث أكلا، ويتحدثون عن هذا وذاك بما حرم الله. هل هؤلاء لا يعرفون أنهم امتنعوا عن الطعام وعذبوا أنفسهم دون أجر أو ثواب قلت لصديقي: - بعض الصائمين ليسوا بصائمين. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «من لم يدع قول الزور والعمل به – فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه- وإذا صمت فليصم سمعك ولسانك».

- قال صديقي بصوت خافت:

-عليه الصلاة والسلام- أصبحت أحاديث النبي تروى. أما العمل بها فلا أحد يعمل إلا القليل أتصدق أن شابًا همس في أذني أمس بأنه لا يستطيع أن يصوم، ولما سألته عن السبب كانت أجابته غاية في العجب. قال إنه حين يمتنع عن الطعام يصاب باضطراب في المعدة ويحس بحلقه قد جف من شدة الحر فيضطر إلى أن يبل ريقه ويقذف بقليل من الطعام إلى معدته لتعمل بدلًا من ذلك الاضطراب ثم بعد ذلك يسألني أيغفر الله للمضطر مثله؟

 نظرت إليه بدهشة ورأيته يتمتع بصحة وقوة يحسده عليها الجمل يتجلى المظهر الحسن من ملابسه مما يؤكد اهتمامه بنفسه إلى حد بعيد، وفي الحقيقة لم أرد عليه وتركت سؤاله معلقًا في الهواء الفاسد الذي يتنفس منه. قلت بعد أن عدت إلى التفكير من جديد:

- من حقه عليك أن تنصحه.

- أمثاله يسخرون من النصيحة ما أن شعر بشيء في معدته حتى أسرع يأكل ولم يصبر على حلقه الذي جف شاب كالحديد، ولكن لا إرادة له.

- أمر محير بعض الناس تعصى الله وتفطر وبعض الناس تصوم عن الأكل ولا تصوم عن الكلام الذي يفسد الصيام وقليل من الناس هم الذين يعرفون كيف يصومون وكيف يحبون الله والرسول ويقبلون على الإسلام بقلوب عامرة بالإيمان، وبعقول فاهمة الحدود، وبإرادة صلبة كالحديد هم قلة في هذا الزمن.

نهض صديقي قائلًا:

فلا نصرف قبل أن يفلت لساني. الإسلام غريب ودعته عند الباب، خرج يمشي وكأنه يجري وراء فكرة، اختفى عن بصري كما تختفي شمعة كانت مضيئة ثم انطفأت.

 دخلت أجلس في مكاني داخل الحجرة ووضعت المصحف أمامي وبدأت التلاوة في أحسن الحديث.

ابن المجتمع

الرابط المختصر :