; أعمدة المجتمع | مجلة المجتمع

العنوان أعمدة المجتمع

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أغسطس-1978

مشاهدات 97

نشر في العدد 410

نشر في الصفحة 13

الثلاثاء 29-أغسطس-1978

دخل صديقي حجرتي كما يدخل الريح مدفوعًا بقوة، ورمى جسمه على أول مقعد، وفي نفس اللحظة نظر ناحيتي ثم أخذ بصره بعيدًا وراح ينفخ عن صدر يحس بضيق.

ولما كنت مشغولًا بكتاب بين يدي، ألقيته جانبًا ومنحت صديقي كل اهتمامي، ولاحظت أنه يعبر عن ضيقه بهذا الهواء الذي ينفخه، وبنظرات عينيه القلقة المتأرجحة بين النافذة والباب. سألته:

  • ما بك.. دخلت كالريح.. وجلست كمن يصرخ؟

التفت إلي وقذفني بشرارة من عينيه، وقال:

  • كأننا لسنا في رمضان.

رجعت بظهري إلى الوراء، وبدا على وجهي أني فهمت، ولكني قلت لأزداد فهمًا:

  • مر من رمضان نصفه.. وأعتقد أن هذا يكفي ليحس الجميع بوجود رمضان.

اقترب من مكاني وصاح:

  • ومع ذلك.. إحدى الصحف تنشر في ملحقها الأسبوعي بعض الصور العارية..

ظهرت على وجهي الدهشة فقال:

  • لم آت لك بالملحق المتهم لأني أعلم أنك تصدقني.

وأنا أصدق.. أصدق للأسف.. وأدهش.. وما يضاعف الدهشة.. أن الملحق نفسه يقدم حديثًا دينيًا بمناسبة رمضان.

كدت أضحك، وكدت أبكي، أضحك من السخرية، وأبكي من الكرب، أي مفهوم للإسلام موجود في عقول هؤلاء أصحاب الأقلام؟ هي بضاعة رائجة، تلك التي تسمى بالملاحق كالمعالق تعطي القارئ شيئًا قليلًا كل أسبوع باسم الفن، ولكن أثرها خطير على العقل والقلب.

قلت بعد أن غرقت في بحيرة من الحيرة والأسى:

  • ثم بعد..
  • لا شيء.. ألا يكفي ما قلت، إني أختنق.
  • أنت تختنق وأنا أحترق.
  • فلأنهض وأنصرف قبل أن أشتعل بالنار مثلك.
  • أنت الذي أوقدت تلك النار بحديثك.. فلا تذهب وتتركني في تلك الحال.. كنت جالسًا مع كتاب يحدثني في هدوء عن العصر الذهبي للإسلام..
  • آسف.. أفسدت عليك هذا الجو.
  • إذن لا تنهض.. كن معي بعض الوقت.
  • ندير الحديث في موضوع آخر بعيد عن الملحق المتهم المشؤوم.. هذا اتفاق بيني وبينك..
  • لا مانع عندي.. ما رأيك أن نتحدث عن العصر الذهبي للإسلام.. فهو العصر الذي يجب أن يحتذى.
  • تقصد العصر العباسي.. فهو العصر الذهبي كما يقولون
  • قيل عن العصر العباسي إنه العصر الذهبي وهذا رأي غير صحيح.. فإن العصر الذهبي حقًا هو عصر النبي عليه السلام والخلفاء الراشدين..
  • متفق معك ومؤيد هذا الرأي.. بعد الخلفاء الراشدين هبت رياح من هنا ومن هناك.. أصابت بعض النفوس بمرض اسمه حب الدنيا.. أما في العصر الذهبي كان الجميع يفضل الآخرة، ويعمل لها وهو خائف من الله.

قال صديقي وهو يضرب كفًا بكف: نحن في رمضان الآن.. شهر التقوى.. وبعض الناس لا تخاف من الله.. وتنشر الصور العارية.

ابتسمت بألم، أتكون الابتسامة معبرة عن ألم، هذا هو ما نطق به وجهي. ربما نتيجة إحساس حقيقي بالحزن اختلط بإحساس الإعجاب بالصديق. 

عاد إلى الكلام عن الصور العارية، ونسي أنه اتفق معي على عدم الكلام في هذا الموضوع، وعادت ثورته وغيرته على حرمة الشهر الفضيل، رأيته يقف ويهم بالخروج فقلت:

  • أتريد أن تذهب؟
  • نعم.. لأنني نقضت الاتفاق.
  • علي أي حال.. كن هادئًا.. واعلم أن المسلمين في محنة.. وأن الإسلام غريب.

استأذن وانصرف وهو يلوح بيده، خرج كما دخل بعنف وقوة.

مددت يدي إلى الكتاب وفتحته وشرعت أطلع على صفحات مضيئة تشع نورًا في نفسي.

ابن المجتمع

الرابط المختصر :