; أفريقيا في معترك الصراع.. نحو الهاوية | مجلة المجتمع

العنوان أفريقيا في معترك الصراع.. نحو الهاوية

الكاتب صادق أمين

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أبريل-1977

مشاهدات 61

نشر في العدد 345

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 12-أبريل-1977

في أعقاب مؤتمر القمة الأفريقي العربي الذي عقد بالقاهرة في الشهر الماضي، بدأ تحرك خاطف من القادة الشيوعيين، نحو أفريقيا، وكأنه رد مباشر على النتائج الطيبة التي حققها ذلك المؤتمر. وقد اتخذ هذا التحرك الشيوعي طريق الزيارة كأسلوب جديد في الاستراتيجية الشيوعية، وهي بالقطع ليست من نوع الزيارات المألوفة التي يصدر بشأنها وفي أعقابها بيان مشترك، كثيرًا ما يتضمن بعض العبارات الخالية من المحتوى، ولكن الجديد والخطير فيها، هو أنها رحلة عمل مخطط لها، وبداية ساخنة لتحرك ميداني يستهدف ترسيخ أقدام الفكر الماركسي في دول القارة الأفريقية، وربط هذه الدول ربطًا مباشرًا بالاتحاد السوفيتي، لتصبح واحدة من الأجرام الدائرة في فلكه.

ولم تكن مصادفة، أن تبدأ رحلة الرئيس الكوبي فیدل کاسترو لشمال أفريقيا، ثم تنتقل فجأة إلى مجموعة من دول شرق أفريقيا، لتلتقي في وقت واحد مع أول زيارة يقوم بها بودغورني إلى تلك الدول نفسها!! ولكن التخطيط الدقيق والتوقيت المحدد لهذه الزيارة وتلك، وبالصورة التي تمت بها، وما صحب ذلك من توافق غريب في عودتهما إلى موسكو بفارق زمني لا يتجاوز بضع ساعات.. كل هذا وغيره، لا يعني آخر الأمر إلا أن أفريقيا قد أصبحت اليوم هدفًا مباشرًا للاتحاد السوفيتي، وإن أجزاء منها ذات أهمية بالغة قد وقعت بالفعل تحت قبضتها وأنها تنذر بالمصير الذي ينتظر البقية الباقية، إذا ما ظل هذا السكوت القاتل الذي يخيم على الساحة العربية الأفريقية، مهيمنًا على جو العلاقات فيما بينها. 

فما هو المطلوب في هذا الجو المتفجر المشحون بالاحتمالات الخطيرة؟ والإجابة على هذا السؤال تكمن في طيات الردود العملية على الأسئلة التالية:

- ما هو إذن موقف الدول العربية مما يجرى الآن في أفريقيا؟

- ما موقفها مما يجرى الآن في جنوب لبنان الممزق وهو جزء عزيز من الوطن العربي؟

- وهل يكفي أن تظل أبصار القادة العرب كلها مشدودة نحو أمريكا ترقب نتائج المحادثات الدائرة بشأن الشرق الأوسط وحدها؟ والعدو يطرق أبواب أفريقيا بغير هوادة، ويقتحم البلاد وفقًا لمخطط ماکر مدروس؟

- ثم، ماذا بعد مؤتمر القمة العربي الأفريقي؟! ماذا بعد مليارات الدولارات التي تدفقت في سخاء وإخاء في قاعة المؤتمر؟ ماذا كان أثرها وفعلها في الواقع السياسي والاجتماعي بتلك الدول التي اختصها بودغورني وكاسترو بزيارتهما «الودية»!!؟

- ثم ماذا عن الصومال، وقد كان إلى وقت قريب يقف بجانب «خط السلامة» لو أن إحدى الدول العربية مدت إليه يدها تشده إليها، حتى بادرته الزيارة الخفية السرية يقوم بها كاسترو فيشده إليه بعد لقاء غامض سريع؟!

- وماذا عن إريتريا الثورة؟ ما هي الخطة العربية الموحدة نحوها، وقد دخلت إسرائيل الآن علانية إلى جانب إثيوبيا في محاولة لإجهاض ثورة لم يبق بينها وبين النصر إلا خطوات ينقصها المزيد من الدعم المادي- مالًا وسلاحًا- فإذا إريتريا الحرة المستقلة، العربية المسلمة، تقف شامخة في الصف العربي، بكل امتداد حدودها على البحر الأحمر الذي سيمثل قمة الصراع الدولي في المرحلة القريبة القادمة! ما الذي يمنع العطاء الجزل الذي يحسم ثورة قد بلغت الآن من العمر ستة عشر عامًا؟!

إن الوضع العربي الأفريقي الآن بحاجة قصوى لتحرك سريع تبادر فيه إحدى الدول العربية بالدعوة إلى لقاء بينها جديد، فعامل الزمن له آثاره ونتائجه، والمبادرة أضحت اليوم في عالم السياسة خطوة مضمونة العواقب في كسب المودات، وفي تبديد الغيوم الدولية، وتخفيف آثار التوتر الظاهر والمستتر في العلاقات المختلفة.

ولا ريب في أن اللقاء العربي الأفريقي الذي تم بالقاهرة في الشهر الماضي، قد فتح نافذة جديدة أمام الدول العربية، ورتب عليها في ذات الوقت التزامات جديدة تفرض- في بسط مدلولاتها- على الرؤساء العرب، واجب التحرك السريع في القيام بزيارات متعاقبة، ومتقاربة، تستهدف المزيد من التقارب الفكري، والمساعدات التي تقيم الجسور القوية فيما بينها.

إن مؤتمرات القمة وحدها لا تكفي لتحقيق هذا التمازج في صورته المثلى.. إنها لقاءات تتم في جو من الرسميات، كثيرًا ما لا تتحقق فيه النتائج التي تحققها الزيارات المتتابعة والمتبادلة.

فكم من الرؤساء العرب خرجوا من بلادهم ليقوموا بزيارات لإخوانهم الأفارقة؟ كم منهم قام بزيارة موزمبيق وأنجولا؟ ومن منهم قام بزيارة الصومال أو أفريقيا الوسطى وزائير؟ كم منهم زار اليمن شماله وجنوبه، أو حط رحاله في أثيوبيا: وكيف لهؤلاء الرؤساء جميعًا أن يضمهم لقاء تاريخي عربي أفريقي كالذي تم في مارس الماضي، ثم تقوم فيما بينهم الحدود والفوارق التي تحول بينهم وبين القدرة أو الرغبة الحقيقية في تبادل الزيارات لا بين الرؤساء وحدهم، بل حتى بين المؤسسات والهيئات التي تمثل شعوب تلك البلاد؟

إن دعوة الرؤساء الأفارقة - بناء على خطة عربية مدروسة، واستراتيجية- متفق عليها- لزيارة البلاد العربية كلها والوقوف على طبيعتها وعلى حقيقة مشاعر شعوبها نحوهم، أمر بالغ الأهمية بعيد الأثر.. ذلك أن العزلة التامة عن العالم العربي والتي يعيشها الرؤساء الأفارقة هي التي تجعلهم ينجذبون في سهولة نحو المعسكرات الدولية المختلفة، فتزيد من ارتباطهم بها في سهولة لا يدركها إلا الذين يعرفون طبيعة البساطة التي تتميز بها القارة الأفريقية وشعوبها.. ولعل الزيارة الأخيرة التي قام بها فيدل كاسترو وبودغورني لتلك الدول هي أبلغ دليل على هذه الحقيقة.. 

إن أفريقيا اليوم، تمر بمرحلة خطيرة بعد أن ألقى الاتحاد السوفياتي بثقله عليها. وهذه الخطورة لا تقف عند حدودها وحدها، إنما تتجاوزها بلا ريب إلى كل البلاد العربية المجاورة بعد أن أصبح «أمن» البحر الأحمر نفسه مهددًا، وبعد أن وجدت فيه إسرائيل مواقع حصينة لوجودها في الجزر الإرتيرية وفي مداخله عند باب المندب.

إن الرؤساء العرب بحاجة إلى صيغة جديدة في لقاءاتهم.. صيغة بعيدة عن مفهوم «مؤتمر القمة» و«لقاء الذروة» و«قمة الرؤساء» وغيرها من الصيغ التي فقدت مضمونها الأساسي.. إنهم بحاجة إلى صيغة تجعل كل القنوات والمسالك بينهم مفتوحة دائمًا.. وتجعلهم في حالة اجتماع مفتوح، أشبه بإعلان حالة الطوارئ، ينطوي فيه عامل الزمن، وتنتهز فيه كل الفرص، وتطرح فيه الآراء والحلول، مما يستجد خلال هذه الفترة الحرجة المملوءة بالمفاجآت، سواء على الصعيد المحلى أو الدولي.

إننا نرقب في يقين أن يتغير أسلوبنا في حل المشاكل ودراستها.. وأن تتبدل نظرتنا القريبة لما يجرى على الساحة الدولية والأفريقية بوجه خاص، إلى نظرة بعيدة دقيقة فاحصة وأن نتحرك نحو الأحداث فور وقوعها، قبل أن تتحرك هي نحونا، والفرق بين الحالين فرق كبير أبعد من كل تصور وتقدير !! 

(صادق)

الرابط المختصر :