العنوان أفغانستان: بين المقدسي وسياف
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-أكتوبر-1999
مشاهدات 78
نشر في العدد 1371
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 12-أكتوبر-1999
" في أفغانستان مارس المسلمون أخوة العقيدة بشكل عملي فتجمعت الجهود والخبرات واختلطت دماء المسلمين في كل البلدان"
يا أستاذ سياف، إذا كان من واجبنا الدعم والمناصرة، فإن من حقنا أن نعرف وبكل وضوح وصراحة ماذا يحدث عندكم... إن إخفاء الحقائق يحرم المسلمين من حقهم في أخذ العبرة من الأخطاء التي وقعت.
قرأت الرسائل التي تبادلها الأخوان الكريمان الأستاذ عبد رب الرسول سياف والأخ أبو أويس المقدسي على صفحات المجتمع، حيث أبدى كل منهما بعض الملاحظات حول القضية الأفغانية ماضيها وحاضرها، وبداية نقول إنه مما يثلج الصدور ويسر النفوس أن تناقش القضية الأفغانية بين أبناء الأمة من الأفغان وغير الأفغان، فإن مشاركة أبناء المسلمين من غير الأفغان في الجهاد قد جسد الشعور بأن المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، وعسى أن يتجسد ذلك الشعور فينا مرة أخرى فتتضافر الجهود وتخلص النوايا كما يحب الله ويرضى.
وأحب أن أذكر بعض الملاحظات حول نقطتين وردتا في رسالتي الأخوين وقد اختلفت وجهتا النظر بينهما حول هاتين النقطتين وهما:
1. الإنجازات التي حققها الجهاد الأفغاني.
2. الأحداث الجارية الآن على الساحة الأفغانية، حيث اعتذر الأستاذ سياف عن التكلم بصراحة ووضوح وشفافية عنها، وكان المقدسي قد طالبه بالتوضيح والبيان الشافي.
وأبدأ بالنقطة الأولى، فالأخ المقدسي في رسالته «أين الجهاد وأين المجاهدون؟»، أبدى تعجبه من تكرار الأستاذ سياف لإنجازات الجهاد الأفغاني، حيث وصفها المقدسي بأنها إنجازات لا تخدم صالح المسلمين لا في داخل أفغانستان ولا في خارجها، ثم بدأ يذكر بعض الأخطاء التي حصلت في فتح كابل وتساءل مستنكرًا عن تلك الأخطاء إن كانت من الإنجازات التي تكلم عنها الأستاذ سياف.
فأقول للأخ المقدسي: بداية نحن نتفق معك ونشاطرك الآلام والامتعاض من الأحداث السلبية التي حصلت وما زالت ترتكب بعد نزول النصر في كابل والله المستعان، ولكن دعني أختلف معك في مسألة الإنجازات التي ذكرها الأستاذ سياف. فلعلّك نظرت إليها من زاوية بينما نظر إليها هو من زاوية أخرى. على كل حال أذكرك ببعضها والتي ترتبط ببعض هذه الإنجازات التي يحاول سياف تذكيرنا بها:
أولًا: قوة الجهاد: فعندما يذكر سياف التغييرات التي حصلت في دول كافرة كانت ترزح تحت الاحتلال الروسي، فإنه يشير إلى القوة التي كانت تمتلكها روسيا البائدة بحيث إن تلك الدول الكافرة لم تسلم هي أيضًا من الاستعمار الروسي. وبالتالي فإن الجهد الذي بُذل في أفغانستان والذي أدى إلى تحطيم قوة روسيا هناك لابد أنه كان جهدًا ضخمًا وكبيرًا، وبالتالي فإن باذليه لابد أنهم يستحقون كل تقدير واحترام.
ثانيًا: ليس ذنب الأفغان: إن عدم استقلال الدول الأخرى التي ذكرتها والتي يشكل المسلمون غالبية السكان فيها والتي ما زال الروس يسيطرون عليها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، أقول إن عدم استقلالها لا يمكن أن نعزوه إلى قصور في الجهاد الأفغاني. فأعداء الإسلام قد أفادوا من النتيجة التي حققها الجهاد الأفغاني، وهي تحجيم القوة الروسية، فسارعوا إلى مد يد العون لإخوانهم في الكفر والعقيدة ومساعدتهم في نيل الاستقلال، بينما للأسف تخاذل معظم المسلمين تجاه إخوانهم في الدول التي ذكرتها حتى بقيت روسيا الهزيلة تسيطر عليها عن طريق حكومة عميلة أو غير ذلك. وحتى أعداء روسيا الغربيين يؤيدونها ويساندونها في إبقاء تلك الدول تابعة لروسيا، فالذنب ليس ذنب الأفغان.
ثالثًا: حماية المسلمين: أيقن العالم كله أن الجهاد الأفغاني قد نجح بفضل الله في إيقاف الزحف الروسي نحو البلاد التي تلي أفغانستان وهي حسب المخطط الخليج وباكستان، ولك أن تتصور كم ستكون النتيجة أليمة ووخيمة لو نجح هذا المخطط، لكن الله سخر هذا الجهاد المبارك والذي دحر الدب الروسي، وعاد مخذولًا مكسورًا.
رابعًا: ممارسة أخوة العقيدة عمليًا: وهذه أهم إنجازات الجهاد الأفغاني، فبعد أن كان المسلمون لا يعرفون من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَة﴾ «الحجرات: ١٠» إلا التلاوة وأحكام التجويد، فقد فسح الجهاد الأفغاني المجال أمام المسلمين ليطبقوا هذا المفهوم عمليًا فتجمعت الجهود والخبرات في دعم الجهاد الأفغاني واختلطت دماء المسلمين، كل يقدم حسب استطاعته، بدءًا من الدعوة ونشر اللغة العربية، مرورًا بالنصرة في ميادين الصحة والإغاثة والتعليم والدعاء بظاهر الغيب والمصابرة والرباط. وهذا لم يتحقق للمسلمين فيما أعلم منذ عام ۱۹۲۳م، إلا في أفغانستان. ولا ننسى من نال الشهادة من غير الأفغان، وأنت أيها المقدسي في بنجشير، وأنت عربي يحمل اسمك اسم مدينة القدس، وهذا دليل على أنك مارست أخوة الإسلام ممارسة عملية ورسالتك تؤيد أنك مع القضية الأفغانية، وتحمل للأفغان حبًا كبيرًا وآلامًا مما يحدث لهم، أليس هذا من إنجازات الجهاد الأفغاني الذي مكن لك ولغيرك من المحروقين على كوارث المسلمين فرصة أن ينالوا أجر النصرة؟
خامسًا: كشف مدى خوف الكفر من قيام دولة إسلامية: الجهاد الإسلامي في أفغانستان وبعد أن أطاح بالإمبراطورية الحمراء أزاح اللثام عن الحقد العالمي على الإسلام، ومدى حرص الكفر بكل ملله ونحله على الحيلولة دون وصول أي حركة إسلامية إلى سدة الحكم في أي بقعة من بقاع الأرض، كما أظهر دأب الدول غير المسلمة وبخاصة العظمى منها على بث روح التفرقة والفرقة بين أبناء المسلمين وخصوصًا أثناء أي حركة جهادية. وكانوا في أفغانستان، كما تعلم ويعلم كل من عايش القضية الأفغانية، يصفون المتطوعين بالمرتزقة وغيرها من الأوصاف، ويحيون القوميات البشتونية والطاجيكية والأوزبكية بين الأفغان، بل كشف عن استعداد تلك الدول المتربصة لملاحقة وتصفية أي عناصر وحدوية تحاول إصلاح ذات البين.
هذه بعض الأمور التي نعتبرها نتائج إيجابية أفرزها الجهاد الأفغاني، وندرك تمامًا أبعاد التكرار. لذكرها من قبل الأستاذ سياف ولكني من باب الإنصاف في مداخلتي، أتوجه بعتاب لطيف إلى الأستاذ سياف، وذلك في رفضه التفصيل في دقائق الأمور التي حدثت وما زالت تحدث في أفغانستان، فقد طالبه المقدسي بفتح الملف كاملًا واضحًا شافيًا وافيًا، وعلل الأستاذ سياف عدم التفصيل بأنه سيثير داء جديدًا، وهذا ما أخالف فيه الشيخ الفاضل، فأقول وبالله التوفيق.
إن الجهاد في أفغانستان قد كسر حاجز الوطنية والقومية، فشهداءُه مسلمون من شتى بقاع الدنيا، ومن حق كل بيت مسلم بشر أهله بشهادة ولدهم أن يعرفوا هذه القضية التي ضحى ولدهم من أجلها، فالجهاد في أفغانستان أكل من كل أرض إسلامية زهورًا عديدة ودخل بذلك بوابة العالمية الإسلامية وسيلان الدماء وشلالات الأموال التي تدفقت على الأحزاب والجماعات الأفغانية بحاجة إلى بيان شاف، فمن حق المسلم أن يعرف حقيقة الأمر، فلم تعد أحداث الجهاد الأفغاني علمًا وعملًا وفقهًا وممارسة حكرًا على الأفغان أو من هم في داخل أفغانستان فقط حتى لو تذرع بعض دعاة الوطنية والإقليمية في أفغانستان إرضاءً للغرب بتلك الحجة الواهية، فقضية الجهاد الأفغاني وقف على كل المسلمين، وبخاصة المنصهرون فيها، وكثير منهم أصبح في بلده أفغانيًا، أو هكذا ينظر إليه من حوله. وأظنه فخور بذلك، فمن باب عالمية الجهاد في أفغانستان، وكما هو واجب علينا الدعم والنصرة التي يطالبنا بها الأستاذ سياف، فإنه حق لنا أن نعرف وبكل وضوح وصراحة ماذا يحدث عندكم. فإن الدعم والنصرة في مثل هذه الحالة يمثلان أعظم مبدأ من مبادئ العقيدة الإسلامية، وهو الولاء والبراء اللذان لا يكونان إلا عن وضوح وبيان، هذا من جانب.
ومن جانب آخر، فإننا عندما نقول أحداث الجهاد، فإننا نقصد بذلك الأحداث الجهادية التي حصلت في ثلاث حقب:
- أحداث ما قبل الغزو الروسي لأفغانستان.
- أحداث فترة الغزو الروسي.
- أحداث ما بعد النصر وفتح كابل حتى يومنا هذا.
ذلك أن الحركة الإسلامية في أفغانستان قد غفلت عن نقطة جد مهمة وهي تاريخ أحداث الجهاد وتدوينها، فمن خلالها يمكن للمسلمين الاستفادة والعبرة منها، ولكن لشدة الظروف وقسوة الأحوال وبخاصة في الحقبتين الأوليين من الجهاد لم يتنبه المجاهدون وبخاصة الفئة المثقفة منهم إلى هذا الأمر، فطمس ونسي كثير من هذه الأحداث بآمالها وآلامها وروعتها أيضًا، فهي صورة من صور المواجهة بين الحق والباطل في القرن العشرين. وطالما الأمر كذلك فلتسمع تلك الأحداث من فم أحد رموز الجهاد الأفغاني، فإن الخطأ الذي لم يُدرك في الماضي ويخشى الأستاذ سياف من إظهاره، قد يكون، والله أعلم، مفيدًا في الحيلولة دون أن يستمر هذا المنحى الخطأ، وقد يُعتبر به كل من يسعى للاعتبار. أما إخفاء الحقائق فيحرم المسلمين من حقهم في أخذ العبرة، وبخاصة أن الأخطاء التي تحدث الآن في أفغانستان هي امتداد للأخطاء الماضية.
وإني في هذا المقام، أذكر الأستاذ سياف بحلقات أيام من جمر المحنة في كابل على صفحات البنيان المرصوص، فلتكن مجلة المجتمع الغراء أقوى على الانتشار من غيرها، ووسيلة إسلامية لكشف المستور للعبرة لا للمتعة في عرض وجهة نظره، ولا بد أنها جديرة بالمطالعة، ويطلعنا على أطروحته وتصوراته الخاصة.
وأخيرًا، نستميح الأستاذ سياف عذرًا إن كنا قد طالبنا بشاق أو حملناه ما لا يطاق، ولكن حسبنا منه أنه أهل الحكمة والعقل، وختامًا نقول له ما قاله الشهيد عابد الشيخ، لعلماء الأمة الإسلامية: "عذرًا شيخي".
سلمان القفقاسي
أفغانستان ... بين الرجاء و الخوف:
حاولنا في البداية التزام الصمت.. ولكن الصمت لن ينفع.. بل ستزيد المشكلة تعقيدًا وخطورة، كانت أيدينا على قلوبنا، نحسب دقاتها .. ونعيش بين الخوف والرجاء.. الخوف من تضخم المشكلة.. ومن انتشار نار الفتنة التي اشتعلت بعد سقوط الحكومة الشيوعية عام ۱۹۹۲م.. ومن عدم تمكن قاداتنا من إقامة دولة إسلامية.. كما وعدونا، ووعدوا العالم الإسلامي بإقامتها على ربوع كابل.. وأي كابل الآن... والخوف من اختراق العدو المتربص بنا لصفوفنا .. ومن تهيئة الأجواء لتنفيذ الأعداء مؤامراتهم ومخططاتهم.. هكذا كنا نحس بالخوف والقلق من أخطار كثيرة.
ولكن في الوقت ذاته كان رجاؤنا في أن قادتنا مثقفون علماء.. مزودون بالعلم الشرعي بالقدر الذي يمكنهم من تخطي هذه الأخطار... بإدراكهم لها أولًا، وبكيفية التصدي لها، وبالتالي الخروج منها ثانيًا.. كان الرجاء في أنهم سيجتازوها قريبًا.. غدًا أو بعد غد.
لكن بعد ذلك الغد المنشود.. وطال الانتظار وكبرت المشكلات.. وأصابنا اليأس، كما أصاب عددًا كبيرًا من المسلمين الغيورين على هذا الجهاد المبارك في شتى أرجاء المعمورة.. فتعقدت الأمور أكثر فأكثر.. وازدادت الفتن ظلمة وظلامًا... حتى أضحت كقطع الليل المظلم.
وانفجرت ثورة الجهل والتجاهل في أجواء أفغانستان، في تنافس شديد مع ثورة المعلومات التي انفجرت في الدول الأخرى المتقدمة.. جهل عامة المجاهدين بأهداف الجهاد العليا.. وجهلهم بحرمة إراقة دماء إخوانهم.. وتجاهل الكبار والقادة للمصلحة العامة للشعب الأفغاني والأمة الإسلامية... فكلما تقدمت البلدان والشعوب الأخرى في ظل الثورة المعلوماتية هرولت أفغانستان نحو الوراء.. نحو الخراب والدمار.. تتأخر وبسرعة عالية في المجالات كافة، إذ تقدمت البلدان والشعوب نحو النماء والازدهار شبرًا .. تأخرت أفغانستان عنها ذراعًا.
فإلى متى نسكت؟ وإلى متى نرجو ثم نبكي أو نتباكى، ونعض أصابع الندم بعد ألا ينفع الندم؟ لا يستطيع كثير من المسلمين الغيورين معرفة حقيقة ما جرى.. وما يجري في أفغانستان بعد سقوط الشيوعيين، ويحاولون إقناع أنفسهم وغيرهم بأنها مؤامرة الشيطان الأكبر ليس إلا.
مقال البروفيسور سياف - حفظه الله - في جَلَّتِنا الموقع العدد ١٣٦١ بتاريخ 3/۸/1999م، كان يجيب - ولو باختصار - عن عدد من الأسئلة المهمة التي كانت تدور في ذهن كل متتبع للقضية، وكان تبيانًا لبعض الحقائق بأسلوب يتميز به شيخنا، وستكشف لنا الأيام الحقائق الأخرى التي نجهلها الآن.. وهناك عدد كبير من التساؤلات لا يزال يطرح نفسه منها:
1. إذا كانت مخططات العدو، والشيطان الأكبر قد أدت بالجهاد الأفغاني وقادته إلى ما أنت إليه.. فلماذا فشل قادتنا في الوقوف أمام تلك المؤامرات؟ ولماذا لم يتمكنوا من استدراك أخطائهم؟
2. ولماذا لا يزالون يخوضون المعارك العسكرية والإعلامية ضد بعضهم البعض إلى هذه اللحظة؟؟
٣- هل يمكن أن يكون مستوى الوعي السياسي لديهم أقل مما كنا نتصوره نحن؟
٤- هل حقيقة نواياهم كانت غير ما عرفناها الظاهر؟
٥- هل حاولوا إرضاء الجهات والدول الكافرة بسخط الله عز وجل، فيسخط الله عليهم ويسخط عليهم الناس؟
٦- هل أصبحوا غير قادرين على الانتصار على أنفسهم وعلى شهواتهم السلطة؟
تساؤلات عدة تطرح نفسها، وتبحث عن المجيب المتجرد الموضوعي، وليس عمن يجيب عنها بطريقة يحقق من خلالها أهدافه الذاتية ويكرر شعاراته القديمة.
وكلمة أخيرة موجهة لكافة علمائنا ومفكرينا في العالم الإسلامي: لماذا اخترتم الصمت؟ ولماذا كل هذا التقاعس تجاه إخوانكم المجاهدين؟ هل اكتفيتم بالمحاولات الأولى، وكأنكم أديتم الواجب؟ أين دوركم في الإصلاح بين الفئتين إذا اقتتلتا؟
سيد أشرف بشار - طالب دراسات عليا – جامعة الإمام – الرياض
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل