; (الافتتاحية)أفغانستان.. حرب العراق وإيران.. ولقاء العملاقين | مجلة المجتمع

العنوان (الافتتاحية)أفغانستان.. حرب العراق وإيران.. ولقاء العملاقين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 31-مايو-1988

مشاهدات 65

نشر في العدد 868

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 31-مايو-1988

بعد قيام الثورة الإيرانية في عام 1979، وسقوط شاه إيران الذي تخلّصت منه أمريكا، قام الاتحاد السوفيتي وفي خطوة مفاجئة باحتلال أفغانستان، وكان واضحًا أن الاتحاد السوفيتي يحاول إعادة التوازن الاستراتيجي، الذي اختل في المنطقة مع سقوط نظام الشاه وقيام دولة آيات الله.

 

والآن وبعد بدء انسحاب القوات السوفيتية من أفغانستان نتساءل: هل عاد التوازن المفقود إلى المنطقة ليتم الانسحاب؟ أم أن هناك صفقة أخرى بين العملاقين أمريكا وروسيا مع لقاء قمة ريغان-غورباتشوف؟

 

قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد من بحث الخلفيات التاريخية.

 

لماذا سقط الشاه؟

بالرغم من القواعد ومحطات التنصت الأمريكية على حدود روسيا، وبالرغم من نشاط وكالة الاستخبارات الأمريكية فيها، فقد بدا واضحًا وجليًا أن شاه إيران كان يتخذ خطوات عملية للانفصال عن العالم الغربي وإقامة إمبراطورية فارسية جديدة في منطقة الخليج.

 

وكان واضحًا من التصريحات الصحفية، في لقاءاته مع ممثلي وسائل الإعلام الغربية، أنه كان يتحدث بلهجة شديدة عن حضارة الغرب وحكوماته، فيما كان يتحدث عن تحويل إيران إلى خامس قوة عالمية في عام 1990. ثم بدأت خطوات عملية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من خلال تنشيط القطاع الصناعي ثم ما أسماه بالثورة الزراعية الخضراء، ومن خلال دعم الجيش بكافة الأسلحة الحديثة والميزانية الضخمة المرصودة لتقوية أجهزة الدفاع والهجوم فيها.

 

وفي الوقت نفسه كان العالم الغربي، وتقف أمريكا في مقدمته، يدرس عناصر قوة الاتحاد السوفيتي لتعمل على تحطيمها، ولم تكن اهتمامات الشاه ترضيها على أية حال، وثبت لدى الولايات المتحدة أن نقطة الضعف في الاتحاد السوفيتي كانت الجمهوريات الإسلامية في الجنوب، فهي مصدر القمح والقطن والبترول في روسيا، كما أن أبناءها سيشكلون أغلبية الجيش السوفيتي في عام 2000 وخاصة مع معدلات النماء والتوالد في جمهوريات كازاخستان وبلاد القوقاز، والتي تفوق كثيرًا مثيلاتها في جمهوريات الشمال الروسي.

 

وكان على أمريكا إذًا أن تضرب عصفورين بحجر، وفي الوقت المناسب قبل أن يتحول صديقها القديم محمد رضا بهلوي إلى عدو لدود وخصم خطر في منطقة نفوذها.

 

وعلى طريقة مظاهرات الشارع التي ابتدعها «كيرمت روزفلت» - خبير المخابرات الأمريكية - لإسقاط مصدق وإعادة الشاه في عام 1951، أخرج الأمريكيون الشاه من إيران بنفس الطريقة عام 1979، وقامت دولة آيات الله لتكون دبوسًا في الخاصرة الشيوعية.

 

ودخل السوفييت أفغانستان:

وكان لا بد للاتحاد السوفيتي من أن يتحرك بسرعة، فلم ينتظر التفاوض مع أمريكا حول لعبتها في إيران، بل دخل بقواته إلى أفغانستان من خلال «طريق الصداقة» والذي مدّه الروس من روسيا إلى كابول دون مقابل (!) وافتُتح رسميًا قبل الغزو بشهور قلائل، وهو الطريق الذي كانت تعده من سنوات سابقة لمثل هذه المناسبات (!).

 

لقد قصد الاتحاد السوفيتي إلى الضغط على أمريكا وتهديد منابع النفط ومضيق هرمز، الذي لا يبعد سوى 600 ميل عن أفغانستان، وكان يمر منه 40% من نفط العالم في ذلك الوقت، في خطوة مضادة للحفاظ على وجوده.

 

لكن احتلال أفغانستان لم يكن مجرد نزهة روسية، وبدا أن الدب الروسي الذي منّى نفسه بالعسل الأفغاني قد آذاه لسع الزنابير من المجاهدين المسلمين الأفغان.

 

واندلعت الحرب:

وما لبثت أمريكا بعد أن تخلصت من «مجلس الستة» الثوري الإيراني وعلى رأسه «بهشتي» في سلسلة الانفجارات التي كانت تهز طهران بين الآونة والأخرى والاغتيالات التي بدأت بـ«مطهري»، ثم أوعزت إلى إيران ببدء سلسلة من المناوشات على الحدود العراقية في منطقة شط العرب، وبذلت المخابرات الأمريكية جهودًا حثيثة عبر بعض الحكومات الأخرى وتقاريرها المزيفة في إشعال أتون الحرب بين البلدين، وكان الهدف هو مضايقة السوفييت في العراق والذي كان في ذلك الحين صديقًا للروس.

 

غير أن استمرار الحرب خدم أمريكا أكثر مما تتوقع، إذ إنه عزز وجودها العسكري والاقتصادي في منطقة الخليج بصورة مباشرة، في وقت قلّلت فيه من اعتمادها على بتروله، بل إنها تركت البترول الخليجي يذهب إلى حلفائها في اليابان وأوروبا الغربية ثم استخدمت حرب العراق وإيران كورقة ضغط على هؤلاء الحلفاء بتهديد مصادر الطاقة لتعطيل نمائها الاقتصادي، وتنشيط صناعاتها واقتصادها على حساب الحلفاء.

 

لكن قواعد اللعبة الأمريكية الروسية تغيرت، وكانت نقطة التحول هي رحيل بريجنيف إلى العالم الآخر وبعده اثنين من عجائز الحزب الشيوعي ليتولى الحكم المحامي البارز غورباتشوف صاحب «البريسترويكا» فيما بعد.

 

والتقى الجبلان:

مع قيام الثورة الثالثة وهي الثورة الإلكترونية وفشل النظامين الاقتصاديين العالميين الشيوعي والرأسمالي في معالجة الاقتصاد العالمي ومشاكل النماء والتطور، ثم الخوف من منافسة دول العالم الثالث ودول الشرق للعالم الغربي، ثم تصاعد القوة التدميرية للأسلحة النووية ومثيلاتها، كل هذا دفع بالعملاقين الروسي والأمريكي لتضييق شقة الخلاف من خلال بحث نقاط الالتقاء!

 

وتم اللقاءان الأول والثاني، ومع كل لقاء يحدث تحول ملموس في سياسة العملاقين. وبعد أقل من عام من لقاء «أيسلندا» وبعد لقاءات مطولة بين جورج شولتز وزير الخارجية الأمريكي ونظيره الروسي «إدوارد شيفرنادزه» الذي حل محل غروميكو العنيد، أعلن الروس عن عزمهم على الانسحاب من أفغانستان وعقدوا مؤتمر جنيف بين روسيا وأفغانستان وباكستان وتمت لفلفة الدخول الروسي إلى أفغانستان في محاولة للفلْفَة الخروج منها.

 

اللقاء الثالث والنتائج:

بناءً على المعطيات السابقة، ومع اقتراب موعد لقاء ريغان-غورباتشوف الثالث وبدء العد التنازلي له، هل سيكون هناك تحولات جديدة في المنطقة تشهد أحداثًا دراماتيكية شبيهة بالانسحاب الروسي من كابول؟

 

إن الإجابة عن ذلك: نعم.

 

إن هناك تصورات متوقعة لسيناريو الأحداث في المنطقة. لعل أهمها توقف الحرب العراقية الإيرانية ولكن ذلك لن يتم بدون مرافقة تحول سياسي مهم في إيران يسفر عن قيام «حكومة رجال أعمال» في إيران وسقوط «الحكومة الحالية» لإعادة تعمير ما خربه الملالي ثم إغراق إيران في الديون الأمريكية والسلع الغربية وتحجيم نفوذها وقوتها في الخليج.

 

ولا شك أن إعادة التعمير في العراق كذلك ستحتاج إلى الكثير من رؤوس أموال المنطقة، مما ينعكس إيجابًا على اقتصادها والاقتصاد العالمي عامة فيؤدي إلى دورة نشاط جزئي يسهم في تخفيف حدة الركود والبطالة والتضخم.

 

ويتفرغ الروس قليلًا لإعادة البناء ومراجعة النهج الاشتراكي، استعدادًا لجولة أخرى مع الرأسمالية، في العقد القادم؟ ربما!

الرابط المختصر :