الثلاثاء 14-فبراير-1989
تستضيف مجلة المجتمع في هذا المنتدى (الانتفاضة واستشراف آفاق المستقبل (مجموعة أخرى من المهتمين والراصدين للقضية الفلسطينية؛ حيث تفضل هؤلاء الإخوة بالإجابة على الأسئلة التي طرحتها عليهم المجتمع.... وضيوف هذا المنتدى هم:
1- الأستاذ يوسف العظم... النائب في البرلمان الأردني المنحل، وأحد رموز الحركة الإسلامية في الأردن.
2- الدكتور أحمد نوفل... الأستاذ في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية.
3- المهندس زياد أبو غنيمة... كاتب وباحث إسلامي متخصص في القضية الفلسطينية.
كل استثمار أو تجيير سياسي للانتفاضة يدور في نطاق التخلي عن جزء من ديار الإسلام. يعتبر مخالفًا للنصوص الشرعية والقرآنية
المجتمع: هل تتوقعون استمرارية الانتفاضة؟ وما هي العوامل التي على ضوئها يمكن التوقع باستمراريتها من عدمه؟
محاصرة حماس لا جدوى منه!
يوسف العظم: القول باستمرارية الانتفاضة أو توقفها ضرب من التخمين إذا قطعنا هذا القول عن الدوافع والأسباب والمعطيات التي تؤدي إليه، والصواب أن للانتفاضة من عوامل الدعم ما يمكن أن يؤدي إلى استمراريتها وتناميها.
وأول هذه العوامل مدى قناعة الناس بأهدافها والعمل لبلوغها والوصول إليها وأهدافها، كما نعلم ذات أبعاد شتى، منها كسر حاجز الخوف الذي كان يملأ بعض النفوس ويسيطر عليها. وقد نجحت الانتفاضة في هذا إلى حد بعيد؛ حيث صار الطفل والشاب والشيخ والعجوز والرجل والمرأة في مستوى رائع من الثبات والقدرة على مواجهة العدو بالسلاح البدائي الفعال الذي يملكون.
وثاني أبعاد الاستمرارية أن تنال من الدعم ما هي جديرة به، وقد لقيت من الدعم الكثير لكنه دون مستواها بكثير، ودون مستوى من يقدم روحًا تزهق وبيتًا يهدم وأسرة تشرد.
وثالث أبعاد أهداف الانتفاضة أن تكون واضحة لا خلاف عليها، وهذه تحتاج إلى وقفة تأمل، ففي الوقت الذي يرى فريق أن من أهداف الانتفاضة أن يوقف اليهود التعامل السيئ والممارسات الدنيئة الشرسة ضد إخواننا في الأرض المحتلة، وأن يعترف اليهود «بالدولة الفلسطينية» شريكة مع «الدولة الإسرائيلية» على ثرى أرض الإسراء والمعراج والوطن السليب، فينال كل حظه من الأرض لإقامة الدولة التي تلائمه عليها؛ يرى فريق كبير وفعاليات ضخمة من الناس وزخم جماهيري حاشد وقيادات شعبية ذات جهود أصيلة وأبعاد عميقة أن هدف الانتفاضة الاستمرارية والمضي في طريق الجهاد، حتى بلوغ الهدف الأسمى وهو التحرير الشامل وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل التراب الفلسطيني.
وهنا يقع الخلاف بين «التحرير» الجزئي المتوقع من قبل بعض الفعاليات الفلسطينية الوطنية، وفي مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية و«التحرير» الكلي المأمول الذي تدعو له «حماس» والجماهير المسلمة الكبيرة التي تؤمن بخطها وتحمل دعوتها، الأمر الذي يشير إلى محاولات تجري إعلامية ومالية وعملية لوقف حماس «حماس»، والانقضاض من حولها بطرق شتى، يلتقي عليها كثير من الرسميين العاملين على الساحة الفلسطينية والعربية والدولية.
والذي أراه هو أن محاصرة حماس وخططها والإيقاع بها لا جدوى منه، ولا خير فيه، ولا يجوز أن يفتى به ويدعى له؛ لأن دعوتها هي الأصح، وصوتها هو الأقوى، وخطها هو الأقوم، مع تحفظات على بعض المواقف والأخطاء التي لا يبرأ منها كل من لم يؤت العصمة في هذا الزمن الأغبر، ولكن سعى البعض للأذى يوقعه ببعض المخلصين، فإنه سيندم على ذلك؛ لأنه سيخلي الساحة إن قدر من العاملين بقوة وإخلاص وحماس، وعندها تشكر إسرائيل لكل وعد وإن لم تقطع وعدًا بعد، وتتخلى أمريكا حتى عن شكليات ادعاء الاعتدال، وما موقفها من منع رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية من دخول الولايات المتحدة عنا ببعيد.
إن استمرارية الانتفاضة تقوم على تفاهم الأمة قبل كل شيء على أهدافها، فإن التقت الأمة أو معظمها على تلك الأهداف؛ فإن الانتفاضة ستبقى مستمرة، وإن حوصرت لا سمح الله؛ فإنها لن تموت، ولكنها ستبقى جذوة تحت الرماد، لا تلبث أن تشتغل من جديد، كلما أتاحت لها الظروف ذلك، وسمحت به المعطيات.
د. أحمد نوفل: فقد دار الزمن دورته، واستكملت الانتفاضة الجهادية المباركة عامها الأول، والتوقع أن تستمر، وذلك على ضوء أكثر من حقيقة وأكثر من عامل وسبب.. منها أنه قد ثبت لشعبنا بالتجربة وما لا يقبل مجالًا للشك أن الحقوق لا تحق ولا تحصل إلا بالتضحية والجهد والجهاد والدم. واليهود في فلسطين لم يعتمدوا على بلفور ووعده في إقامة دولتهم في فلسطين، ولكنهم قاموا بالتدريب والنسف والتخريب والقتل والحروب والعدوان؛ حتى أقاموا كيانهم.
واليهود لن يتنازلوا.. لا أقول عن شبر من الأرض، وإنما عن ذرة من التراب إلا ينزف دمائهم وتمزق أشلائهم... وإن درس لبنان الأوضح من أن يمارى فيه، فقد انسحب اليهود بغير قيد ولا شرط صاغرين داخرين.
وها هو درس آخر نتلقاه من إخواننا في أفغانستان، لقد لقنوا أقوى قوة عسكرية في العالم درسًا لا ينسى، وأعطوا الشعوب أملًا لا تنطفأ جذوته في الدفاع عن حقوقها، وأن العاقبة للمتقين والصابرين على حقوقهم والمدافعين دونها بدمائهم.
ومن ناحية أخرى فإن الانتفاضة أعطت الأمة تجربة في الجهاد وتذوق حلاوة مقارعة العدو، ورؤية اليهود لأول مرة يرتكبون ويحبطون، ولا تجدي كل وسائلهم، وتهتز صورتهم في كل الدنيا، ولا يملكون دفعًا لذلك أو تحويلًا.
ولقد ترسبت مع الزمن خبرات، وتراكمت معارف ميدانية وتجارب رسخت الأقدام، وزادت الأقدام، وقربت الشقة بين الناس، ووحدت الصفوف، وأنهضت العزائم، كل ذلك التغيير النفسي تحقق، وهو الشرط القرآني لتغيير الأحوال العامة:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).
لقد انتهت إلى حد بعيد حالة الوهن والغثائية وعدم الفعالية وخلخلة الصفوف؛ ليحل محلها نقائضها، وهذا يجعل الاستمرار ممكنًا.
إن الإيمان هو وقود الاحتمال والصبر، ولقد تفجرت ينابيع الإيمان تروي الصحراء الظمأى في سنوات العرب العجاف، وتملأ النفوس بالخصب وروح الاستشهاد والعطاء والإقدام، لقد مارس شعبنا التقشف والشظف ألوانًا، وذاق المسغبة والمخمصة والتكسير والتهجير والاعتقال والجراح والشهادة، وكان يستقبل ذلك بروح عالية لا تكاد توصف.
أضف إلى هذه العوامل إن ثارات تراكمت لنا عند اليهود، ولن تهدأ الخواطر إلا بالأخذ بالثأر والانتقام، وكيف يهدأ من قتل أخوه أو ولده أو من اعتقل أو من قلع شجره أو هدمت داره أو كسرت أطرافه...
وأن ما يراه شعبنا من آثار إيجابية في نفوس إخوانه العرب والمسلمين عامل مساعد لا شك على الاستمرار، ولقد كان موقف الشعب العربي طيبًا متفاعلًا على الرغم من كل الظروف.
أضف إلى ذلك أن العالم سمع صوتنا لأول مرة.... لقد فهمنا اللغة التي يفهمها العالم وكلمناه به فاستمع وهو شهيد... لكل صوت جريح منا وشهيد.
الصراع مع العدو ماض ومستمر
زياد أبو غنيمة: الأمر الذي أستطيع أن أجزم به، منطلقًا من إيمان عميق بمنطق القرآن العظيم، أن الصراع مع العدو اليهودي وحلفائه الظاهرين والمستترين سیستمر، بل وأكاد أقول إن نيران هذا الصراع ستتأجج بشكل متصاعد إلى أن تبلغ ذروتها في تحقيق وعد الله ووعيده في بني إسرائيل هزيمةً واندحارًا وتتبيرًا لما علوا من شواهق البناء على أرض فلسطين المسلمة، وعودة لشعب فلسطين، كل شعب فلسطين، إلى أرض فلسطين، كل أرض فلسطين، تحت راية الإسلام العظيم. أما بالنسبة للانتفاضة المباركة، أو لنسمِّ الأسماء بأشيائها، فنسميها بثورة المساجد المباركة، فإنني أتوقع لها التصاعد والاستمرار في مقارعة العدو الصهيوني، وإذا كنت أخشى على الانتفاضة أن تتوقف لا سمح الله، فإنني لست أخشى أن يكون توقفها «لا سمح الله» على أيدي بني صهيون وحلفائهم من أمريكان وغير أمريكان، فهؤلاء هم الأعداء الظاهرون الذين أصبحت ثورة المساجد المباركة تعرف كيف تتصدى لمكائدهم ومكرهم، وإنما أخشى على ثورة المساجد من أعدائها المستترين الذين يمكرون بها سرًّا ومن وراء شعارات براقة، ظاهرها فيه التحرير المزعوم، وباطنه من قبله السم الزعاف من اعتراف بشرعية الاغتصاب الصهيوني للجزء الأكبر من ثرى فلسطين المسلمة.
أما العوامل التي أتوقع على ضوئها استمرار الانتفاضة، فأوجزها فيما يلي: أولًا: ما تشهده من إصرار أهلنا في فلسطين المسلمة على المضي قدمًا في طريق الجهاد والاستشهاد الذي مهدت له ثورة المساجد المباركة، والتزمت به طريقا وحيدًا للتحرير تحت راية الإسلام العظيم.
ثانيًا: تعنت بني إسرائيل، وهو تعنت أكاد أجزم من منطلق فهمي لمنطق القرآن العظيم، أنه تعنت يسوقهم الله عز وجل إليه سوقًا قسريًّا؛ لتكتمل فيهم شروط ومواصفات نفاذ وعد الله ووعيده فيهم بإذن الله، فهذا التعنت اليهودي المتمثل بتصاعد المد الديني المتطرف في الشارع اليهودي، سيؤجج في نفوس أهلنا في فلسطين أحقادهم ضد بني إسرائيل من جهة، وسيشدهم شدًّا للعودة إلى الإسلام العظيم وإلى الحل الإسلامي الجهادي الاستشهادي كطريق وحيد لكبح جماح التعنت اليهودي، ومن ثم كطريق وحيد لتحرير فلسطين، كل فلسطين من دنس بني إسرائيل.
ثالثًا: تصاعد التفاعل الشعبي الإسلامي مع ثورة المساجد، وهذا التفاعل المتصاعد مؤشر إيجابي يرفد ثورة المساجد بزخم معنوي، وآمل أن يتطور هذا التفاعل الوجداني؛ ليصبح في القريب العاجل التحامًا عضويًا بثورة المساجد المباركة في فلسطين المسلمة، بكل ما تعنيه عملية الالتحام العضوي من تبعات جهادية ومالية وإعلامية وغيرها من تبعات.
المجتمع: يرى البعض أن الانتفاضة ينبغي استثمارها وتجييرها سياسيًّا، وإلا لا فائدة من استمراريتها بصورتها الحالية، إلى أي مدى تتفقون مع هذه المقولة، وما هو رأيكم في ذلك؟
مع الحل المؤقت سيبقى مؤقتًا
يوسف العظم: الواضح من السؤال أنه يدور حول الموافقة على بقاء دولة تعترف بها لإسرائيل على جزء من الأرض الفلسطينية، الأمر الذي أراه خارجًا عن أسس العقيدة الإسلامية بالتخلي عن جزء من ديار الإسلام لأعداء الإسلام، وبالتالي فكل استثمار أو تجيير سياسي للانتفاضة يدور في هذا النطاق يعتبر أمرًا مخالفًا للسياسة الشرعية والنصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي لا تبيح لأحد أيًا كان أن يتنازل عن شبر واحد من أرض الجهاد والاستشهاد ومثوى الصحابة والفاتحين الأبرار، والحل الإسلامي الأمثل البعيد المنال اليوم القريب المنال غدًا في عودة ظاهرة للإسلام تتمثل في العودة إلى الله.
وقد يصل بعض دعاة رأي الاعتراف بوجود إسرائيل على أرض فلسطين إلى حل مؤقت مع الدولة الباغية ومن يساندها، ولكن الأمر سيكون مؤقتًا؛ لأن الزمن يحمل في ثناياه بذرة لنبتة، ستنطلق من أعماق الأرض ومن رحم الأمة، تتطاول إلى عنان السماء، لتبدأ معركة جديدة ضد الوجود اليهودي المعتدي على أرض فلسطين، وأرجو أن يكون هذا الأمل هو بداية العمل الجهادي الجاد المثمر ضد الوجود اليهودي في فلسطين.
أفق القيادة السياسية
د. أحمد نوفل: أما عن استثمار الانتفاضة سياسيًّا، فمثلنا في ذلك مثل من يملك رأس مال جيد، فنزل به السوق، فخسرت صفقته... وكان يملك أن يكون أكثر الرابحين وأوفرهم حظًّا لو وجد الحكمة في التصرف.
لقد كنا أكثر تمسكًا قبل الانتفاضة، وكان المفترض أن تجعل الانتفاضة موقفنا أقوى وأرسخ، وصوتنا أعلى وحقنا أجلى... لقد أظهر شعبنا من الصمود والصبر والتضحية ما يجعل قيادته في موقف من يملك زمام الأمور، لكنا تصرفنا تصرف المهزومين.
إذا قلنا باستثمار الانتفاضة سياسيًّا فينبغي أن يكون الاستثمار في مستوى رأس المال لا بالخسارة، وأن يكون في حجم التضحيات وفي مستوى البطولات التي أظهرها شعبنا.
كان ينبغي أن يكون أفق القيادة السياسية أوسع وأرحب، وتطلعها أعلى، وثقتها بشعبها أعظم، فلا تقبل بما هو دون انسحاب إسرائيل من الضفة دون قيد أو شرط، كما انسحبت من لبنان.. وإلا فإن النزف الإسرائيلي سيستمر... ويا قادة... إن اليهود يألمون ولكنهم يكابرون... وإن شعبنا ما شكا ولا سئم، وإن معاناة الكفاح أسمى من معاناة كنا نتحملها بلا ثمن.
إن موقفنا التفاوضي اليوم ليس ينطلق من أرصدتنا، ولكن ينطلق من فراغ ومن ثقة مزعومة بوعود أمريكا التي جربناها في انسحاب بيروت ومجزرة صبرا وشاتيلا، وجربناها في عدم السماح بقول كلمة كانت ستصب في النهاية في مصب الاعتراف، ومع هذا يأبى الحقد إلا أن يسفر عن وجهه الكالح وعن طبيعة عنصرية عدوانية راسخة في القوم.
إن مقولة الاستثمار السياسي قد تختلف مفاهيمها ومصطلحاتها بحسب من يستعملها، ولذلك لا نقرها حتى يحدد الناس مصطلحاتهم، ولا نبقى معهم في ضباب فكري وعدم تحديد ووضوح.. لقد تلاعب الناس معنا بالكلمات ما يكفي.... وإن قرار ٢٤٢ سيء الذكر مثال على تمييع المصطلحات وتعويم الكلمات؛ لتكون عباءة لكل الأذواق والمقاسات.. فإن كان الاستثمار السياسي على النحو الذي أسلفناه فنعما هو، وإلا فإنه التهاون.. والتخذيل.
والمشكل أن سياسيي اليهود يرفعون شعار السلام في وجه العالم، ويمارسون الحرب والعدوان، ونحن نحاول أن يكون موقفنا السياسي الداخلي على نحو لا يستفيد من تجربتنا مع الخصم.. وأذكر أنه بعد اتفاقات الكامب تغيرت في بعض البلاد حتى أناشيد رياض الأطفال، في الوقت الذي لم تزدد فيه التعبئة اليهودية إلا عدوانية وشراسة وشدة.
المهم الإخلاص ونقاء الولاء في التحرك السياسي والتعبئة العسكرية الجهادية دائمًا وعلى كل حال.
ليس عيبًا أو حرامًا.. ولكن
زياد أبو غنيمة: ليس عيبًا ولا حرامًا أن تستثمر ثورة المساجد، وإلا فما الفائدة منها إذا لم تسفر نتائجها عن قطف ثمرة أو ثمرات تعود بالخير على فلسطين وشعب فلسطين.
أجل أنه ليس عيبًا ولا حرامًا أن يتم استثمار ثورة المساجد المباركة، ولكن العيب والحرام أن يتم استثمارها أو تجييرها سياسيًّا لأغراض، أو لأهداف لا تحقق الخير لفلسطين، ويتفاقم العيب، وتشتد الحرمة، حين يكون استثمار هذه الثورة المباركة في مجرى يصب في محصلته النهائية في صالح العدو اليهودي من تنازل له من الجزء الأكبر في فلسطين والاعتراف له بشرعية اغتصابه لهذا الجزء الأكبر من فلسطين.
إن أفضل استثمار لثورة المساجد المباركة في فلسطين المسلمة يكمن في رأيي في جعلها «روح النشادر» الذي ينبغي أن تستنشقه الأمة الإسلامية، ليوقظها من غفوتها، وفي جعلها «دفقة» جديدة من دفقات الدم الإسلامي الجهادي الاستشهادي، تتزود به الأمة الإسلامية؛ لتسري في شرايينها من جديد، شهامة الإسلام، ونخوة الإسلام، فتهب في نفرة إسلامية، جماهيرية جهادية، استشهادية، تقتلع من طريقها كل العوائق، والكمائن، والمكائد التي تحول بينها وبين خوض المعركة الحاسمة مع العدو اليهودي وحلفائه الظاهرين والمستترين، وفي مقدمتهم أمريكا.
المجتمع: ما هي توقعاتكم لدور الحركة الإسلامية المستقبلي على ضوء بروزها الواضح في الانتفاضة الحالية؟ وماذا تنصحون الحركة الإسلامية بهذا الخصوص؟
الحركة الإسلامية ماضية
يوسف العظم: الحركة الإسلامية ماضية في طريقها، لا يفت في عضدها مخذل، ولا يمنعها أذى وتآمر، ولكني أنصح القائمين عليها بالتروي والبناء والتماسك، والبعد من «الانفعال» الذي يلمح أحيانًا في تصريحات بعض القائمين عليها، وأملي كبير أن تتخذ الحركة الإسلامية عددًا من ذوي الخبرة المخلصين العاملين في الحقل السياسي النقي مستشارين متطوعين لها، تستمع إليهم، وتفيد من تجاربهم؛ لأن القوة الضاربة والإخلاص بحاجة ماسة إلى الحكمة والتجربة والقدرة على تحليل المواقف، وأنا لا أنكر أن في حماس والقوى الإسلامية من العقلاء ما يمكن أن يقدم الرأي وأن يفيد بالنصيحة، ولكن الأمر لا يخلو من تسرع أحيانًا أو انفعال يقع قد يؤدي إلى كوارث وسلبيات نحن في غنى عنها؛ لتصح المسيرة، ويستقيم الدرب، وتجني أطيب الثمار.
الزمن يعمل لصالح الحركة
أحمد نوفل: الزمن - بفضل الله - يعمل لصالح الحركة الإسلامية والعمل الإسلامي، وتراكم أخطاء التجارب المختلفة يصب كذلك في مصلحة رصيد الوعي الإسلامي عند الأمة.. ومثلما كانت حرب ٦٧ مفجرًا للوعي، معمقًا للانتماء، رابطًا بالأصالة والجذور، ستكون هذه المرحلة بكل ما فيها من صواب وأخطاء في رصيد الإسلام، إن أحسنا العمل والرؤية والطرح السياسي والفكري الناضج المتقدم السباق، وتعاملنا مع الأحداث منتهى الحكمة، وانطلقت كل خطوة من دراسة شاملة للأبعاد المختلفة.
إن مصداقية العمل الإسلامي التي شكك فيها المشككون من أعداء الأمة، طيلة العقود السابقة ستتساقط مع الاستمرار في العمل، إن شمس العمل ستبده ضباب الشبهات، وإن نور الحقيقة متى سطع تقهقرت الظلمات.
المطلوب الآن تطوير للعمل، وتعميق الصلة مع القاعدة، والتحام مع الجماهير وضمير الأمة ونبض قلوبها المنتمية للإسلام، والثبات مهما قلت التضحيات، وإن النصر مع الصبر.
أما بالنسبة للانتفاضة فقدرنا الاستمرار والجهاد، إن الخطر يكمن في ترك الجهاد لا في التضحيات التي تقترن بالجهاد... وإن التهلكة في القعود لا في المواجهة مع اليهود.
ونذكر مرة أخرى بتجربة أفغانستان التي مرغ فيها الجهاد رؤوس الروس في وحل أفغانستان.. ونذكر بتجربة لبنان، التي غرق فيها أبناء الشيطان في المستنقع اللبناني.
ولتكن فلسطين مستنقعهم، ولتكن بإذن الله الزلزال الذي يصدع دولتهم والطوفان الذي يجرفهم إلى نفايات التاريخ.
اقتراح بتشكيل هيئة إسلامية
زياد أبو غنيمة: أن حركة المقاومة الإسلامية في فلسطين «حماس» قد شرفت نفسها، مثلما شرفت الحركة الإسلامية العالمية، حين أعلنت في ميثاقها أنها تعتبر نفسها جناحًا من أجنحة الحركة الإسلامية العالمية التي تقودها حركة الإخوان المسلمين، ذلك أنه فخر لحماس أن تكون لها عزوة بمثل أصالة حركة الإخوان المسلمين ذات البعد العالمي، مثلما أنه فخر لحركة الإخوان المسلمين أن يكون لها جناح مثل أصالة وطهارة وبسالة حماس في تصديها للاحتلال الصهيوني.
ولئن كانت «حماس» نصرها الله وأيدها قد وضعت آمالها بعد الله عز وجل في الحركة الإسلامية العالمية وطليعتها حركة الإخوان المسلمين، فإن من حقها على الحركة الإسلامية أن تكون عند حسن ظن حماس بها، فتكون لها ظهير حق وصدق، وأنه لينبغي أن تدرك الحركة الإسلامية العالمية، وهي مدركة ذلك إن شاء الله، إن بروز حركة المقاومة الإسلامية في فلسطين «حماس» على ساحة المقاومة والتصدي للاحتلال الصهيوني، وتصاعد التأييد الجماهيري لها في فلسطين، وفي خارج فلسطين فلسطينيًّا وعربيًّا، وإسلاميًّا، إن ذلك يؤكد أن معركتنا مع العدو اليهودي وحلفائه الظاهرين والمستترين قد انعطفت إلى مسارها الصحيح، معركة بين حق يمثله المسلمون، وباطل يمثله بنو إسرائيل وحلفاؤهم من الأمريكان والمشركين والصليبيين والعملاء المستترين.
وحين تدرك الحركة الإسلامية - وهي مدركة ذلك إن شاء الله - أن المعركة التي تخوضها ثورة المساجد في فلسطين وطليعتها حماس، وغيرها من القوى الوطنية التي ما تزال على عهدها الذي قطعته بتحرير كل فلسطين من النهر إلى البحر، إنما هي الواجهة الصدامية الأمامية للمعركة الحتمية بين حق الإسلام، وباطل أهل الكفر وطلائعهم من بني إسرائيل وحلفائهم، فإن على الحركة الإسلامية حينئذ أن تشمر عن سواعد الجد؛ لتلقي بكل أثقالها التنظيمية والمالية والجهادية والجماهيرية والإعلامية لتقتحم خضم المعركة، ولن يكون ذلك بالأمر الصعب إذا صدقت النية، وهي صادقة بإذن الله، وإذا اتخذت الأسباب وهي متوفرة برعاية الله وتأييده، وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله.
وإني لأنصح الحركة الإسلامية العالمية ومن باب إبراء الذمة والوفاء بواجب النصيحة لله ولرسوله ولعامة المسلمين وقادتهم أنصحها بما يلي:
أولًا: أن تجعل قضية فلسطين المسلمة في قمة أولويات اهتماماتها.
ثانيًا: أن تضع الحركة الإسلامية العالمية، وطليعتها حركة الإخوان المسلمين خطة عملية لاستنهاض هم المسلمين في كافة أماكن وجودهم في كل أقطار العالم، واستنارة نخوتهم الإسلامية، وشهامتهم.
ثالثًا: أن توظف الحركة الإسلامية العالمية جميع إمكانياتها الإعلامية المتوافرة، لشن حملات إعلامية متواصل لنصرة قضية فلسطين المسلمة.
رابعًا: وأقترح على الحركة الإسلامية أن تسعى لتشكيل هيئة إسلامية شعبية عالمية، تكون مكرمة لنصرة ثورة المساجد في فلسطين المسلمة وطليعتها حركة المقاومة الإسلامية «حماس».
خامسًا: وأنصح الحركة الإسلامية أن تلتزم بالمنهج الذي اختطه لها إمامها الشهيد حسن البنا في التعامل مع الغير، فتتجنب غيبة الأشخاص، وتجريح الهيئات، فلا تتكلم بحقهم إلا بخير، تأليفًا للقلوب، وحرصًا على وحدة صف المسلمين.