العنوان أفغانستان وسنوات الجمر الست
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-ديسمبر-1985
مشاهدات 69
نشر في العدد 747
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 24-ديسمبر-1985
• المجاهدون يكتسبون خبرات وقدرات عسكرية عالية نتيجة المعارك المتواصلة.
• المجاهدون يفرضون الحصار على كثير من المواقع الروسية بعد أن كان الروس هم الذين يشنون الهجمات.
• وحدات المجاهدين تتطور ... إلى مرحلة الوحدات النظامية.
• الحلول الاستسلامية تعطي صبغة شرعية لهجوم الروس على أفغانستان.
• فتحت الجريمة الروسية في أفغانستان الباب على مصراعيه للصليبية التي بدأت نشاطها منذ اليوم الأول للغزو الروسي.
• التعليم في أفغانستان ينعطف نحو طريق خطرة وأبناء أفغانستان يساقون إلى المجهول بأيدي الشيوعيين والنصارى.
• في آسيا الوسطى كان الروس يربُّون أطفال المسلمين ويدربونهم ليعودوا ضباطًا وجنودًا يقاتلون آباءهم المسلمين.
• هل تتكرر المأساة عن طريق الأطفال الأفغانيين الذين تأخذهم روسيا لتربيهم وتدربهم؟!
• في عام 1979 كان عدد أعضاء الحزب الشيوعي خمسة آلاف ... واليوم أصبحوا أربعين ألفًا ...
• مائة ألف شاب أفغاني دربتهم موسكو خلال السنوات الأربع الماضية ليكونوا كوادر شيوعية وإدارات الحكم.
• اللجنة السويدية بدأت بتقديم خدمات طبية ... ثم انتقلت إلى التعليم لنشر الإقليمية والعلمانية.
• «الإنترايد» أخفقت إخفاقًا ذريعًا لتنصيرها العلني داخل أفغانستان.
• الخطر الأكبر يكمن في الغزو السياسي الاجتماعي.
• الروس يعملون على إيجاد جيل أفغاني جديد يأملون أن يقدم لهم ما يريدون بعد عمليات غسيل الدماغ المعمول بها.
• إرسال أبناء الأفغان إلى الاتحاد السوفييتي يقابَل باشمئزاز وهذا مؤشر لفشل سياسة الغزاة.
مأساة أفغانستان الإسلامية تدخل في نهاية هذا الأسبوع عامًا سابعًا ... أفغانستان البطولة ما زالت على الرغم من السنوات العجاف الماضية تواجه بإيمان أبنائها واحدة من أكبر القوى الحاقدة في الأرض ...
وشعب أفغانستان الذي ضرب أروع الأمثلة لهذا العالم في مواجهة الأعداء ما زال مصمِّمًا على تحرير بلده ...
وفي هذا الملف سنقف مع قادتنا على الجوانب المختلفة للمسألة الأفغانية ... عسكريًّا ... وسياسيًّا ... واجتماعيًّا ... وثقافيًّا.
الجانب العسكري:
بماذا يقاتل المجاهدون ... وكيف يعتدي المعتدون الروس؟ أما المجاهدون فمعروف أنهم حققوا الكثير الكثير بالسلاح القليل الذي لا يوضع في أي نسبة أمام جبروت السلاح الذي يستخدمه الروس... ومع ذلك فإن المجاهدين حققوا انتصارات أدهشت عدوهم وأدهشت كل المراقبين في العالم.
الوضع العسكري للمجاهدين:
خمسة أمور أكدت صلابة الموقف العسكري للمجاهدين الأفغان بعد ست سنوات من الاحتلال الروسي لأفغانستان، هذه الأمور الخمسة عرض لها المحلل العسكري في صحيفة كريستيان ساينس مونيتور وظهرت آثارها واضحة في ميدان القتال، كما سنرى في التقرير الذي بعث به مراسل لجنة الدعوة الإسلامية في أفغانستان.
أما الأمور الخمسة فهي:
1- اكتسب المجاهدون خبرات وقدرات قتالية عالية في حربهم ضد قوات الاحتلال الروسية، فالمجاهدون يستخدمون الهجمات العسكرية المتواصلة لرفع تكلفة الحرب بالنسبة إلى الروس... سواء من ناحية الخسائر البشرية أو المادية.
2- صعَّد المجاهدون حربهم ضد القوات الغازية بفرض الحصار على كثير من المواقع الروسية، بينما كانت العادة قبل ذلك أن يكون الروس هم الذين يقومون بشن هجمات واسعة النطاق ضد المجاهدين.
3- يرى المراقبون العسكريون أن المجاهدين أتقنوا تمامًا استخدام القذائف الصاروخية التي حصلوا عليها ... وكذلك القذائف المضادة للدروع ... بل إن المجاهدين يملكون عدة دبابات استولوا عليها من الروس ويستخدمونها كمدفعية متحركة مركزة في عدة مواقع جبلية.
4- التطور الأهم الذي طرأ على حياة المجاهدين ونشاطهم يكمن في وجود قيادة أفضل وأكثر خبرة ... فقد برز في الفترة الأخيرة مجموعة من القادة العسكريين الشباب الذين يديرون - وبكفاءة ملحوظة- نشاط جماعاتهم في أنحاء أفغانستان.
5- تبقى الإشارة إلى أن الوحدات المقاتلة الأفغانية تطورت من حيث العدد والعدة بحيث أضحت أشبه ما يكون بوحدات نظامية.
وفيما يلي نص التقرير العسكري الأخير عن عمليات المجاهدين خلال الشهرين الأخيرين داخل أفغانستان، وفيه بيان واضح بصلابة موقفهم:
• أفادنا أمر معسكر بدر للمجاهدين «قيادة منطقة جاجي» بأن العدو الملحد قام بإتمام استحكامات حول قلعة جاجي المحاصرة «تشاوني»، وذلك بعد معمارك العيد الفائت وتتمثل هذه الاستحكامات بإتمام الخندق الممتد من داخل القلعة ومن تحت الأرض إلى حوالي القلعة من الخارج وجعله يحوي على موضع دبابة ومدفع هاون ومدفع شلكة ومدافع متوسطة أخرى، وكذلك يحمل (800) رجل، كما أعاد العدو رجال الحراسة إلى أبراج الترصد حوالي القلعة، ومن المعلوم مسبقًا أن هناك (3000) لغم شخصي مزروعة حوالي القلعة منها (1500) تتفجر بالضغط عليها و(1500) لغم تتفجر بواسطة أجهزة تفجير من داخل القلعة.
كما تبين لنا واضحًا جليًّا أن هناك أوامر لقوة القلعة بالرد بالمثل على نيران المجاهدين مهما كلف الأمر من جهد وخسارة، حيث إن العدو يعاني من انخفاض بالروح المعنوية لدى مقاتليه، وخصوصًا وإن في القلعة مستشارين روس مع عوائلهم وكذلك الضباط الأفغان مع بعض عوائلهم.
ومن جانب آخر فإن المجاهدين وبعد معارك ومطاردة القوات الغازية قاموا بوضع مراكز ثابتة تحيط بالقلعة وتقدر بخمسة مراكز ذات تسليح جيد جدًّا، وتقوم قوة هذه المراكز برصد كل تحرك لرجال القلعة سواء كانوا في الخندق أم داخل القلعة وهم يستطيعون أن يروا الجندي يتحرك رأي العين بواسطة النواظير البسيطة فيصبون عليهم نيران بكل أنواع أسلحتهم، وهناك أيضًا عمليات ليلية ونهارية للتقدم قرب القلعة وتوجيه ضربات موجعة لقوته ثم ينسحبون، ويذكر أحد المجاهدين أن أقصى مسافة وصلوها قرب تشاوني هي 50 مترًا ومن المجاهدين من اقتحم الخندق إلا أنه فقد إحدى قدميه بانفجار فوق الخندق وهي عمليات جريئة جدًّا، حيث إن الهدف منها هو إلقاء الرعب في قلوبهم وإضعاف الروح المعنوية لدى العدو، والعدو بذلك يحاول بشتَّى الوسائل أن يتفادى هذه الهجمات فيحاول في بعض الأحيان وبالليل أن ينير المنطقة بقنابل التنوير خوفًا من تقدم الأسود الذين فاقت شجاعتهم كل أوصاف الشجاعة.
- في ليلة 1985/11/12م كان أحد المجاهدين ضمن جماعة هجوم على القلعة يحاول فك صاعق لغم شخصي رغم تماطر القذائف عليهم ليحاول التقدم أكثر، إلا أن كثرة القذائف القريبة منه جعلته يرمي باللغم ففقد أصبعين من أصابعه بانفجار قريب منه.
كما أفادنا أحد الاختصاصيين بغرفة القيادة عن غرض العدو من إغاراته الكثيرة بشتَّى أنواع الطائرات، فقال بأن من أهم أهدافهم هو إضعاف وضع المعسكر لأنه منطلق علميات وإمداد ومؤن ومركز قيادة وكذلك يريدون أن يقطعوا طريق قوافل المهاجرين من طريق «ترى منكل» وقد يكون استعدادًا لهجوم جديد لقطع الحدود على المجاهدين.
- في 1985/11/14م وحوالي الرابعة والنصف عصرًا توجَّهنا إلى المراكز القريبة من القلعة لحضور عملية قصف على القلعة وتقييم وضع التحركات العسكرية في المنطقة، إلا أن القصف الشديد المتواصل طيلة وصولنا إلى الطريق المؤدية للقلعة جعل القائد يغير خطته، واتجه بنا نحو قمة جبل اسمه «كل غندي» وكان موقعه ممتازًا، ويشرف على ساحة العمليات، فبلغت قذائف العدو نحونا حوالي (25) قذيفة ثقيلة ثم بدأ المجاهدون بالرد على القلعة بالصواريخ الثقيلة ب م 12 ومدافع 82 ملم والزيك، وياك، والدوشكات، والهاون، والكرينوف ورأينا النيران بعد ذلك تتصاعد من القلعة، ولقد بلغ متوسط قذائف المجاهدين 62 قذيفة من كل الأنواع فسكتت نيران العدو في الساعة 5.12.
- أفادنا آمر منطقة جاجي بأن طائرات العدو أغارت على هذا المعسكر يوم 1985/10/28 فسقط ستة شهداء و(61) جريحًا، وبعد يومين قام المجاهدون بالإغارة على تشاوني وقصفوها بنيران كثيفة، ويعتقد أنه حصلت فيهم مقتلة كبيرة وخسائر بالمعدات، ولذلك جاءت الطائرات على إثر ذلك وقصفت مواقع المجاهدين القريبة من القلعة «بدلًا» فسقط شهيد وجرح اثنان من المجاهدين.
- في 1985/11/14م وصل غرفة القيادة هذا التقرير من أحد مراكز المجاهدين وهو كالآتي: سقطت على القلعة يوم 1985/11/10م من قبل مصادر المجاهدين 36 قذيفة ب م 12 «أرض- أرض» 18 حريقية، و18 تخريبية، وعشرة قذائف 82 ملم، وأسلحة خفيفة أخرى وذلك في الساعة 12.30 فأصاب أحد الصواريخ الحارقة مطبخ القلعة فأشعل فيه النيران وآخر على برج للترصد وأربعة على موضع لمدفع هاون وثلاثة صواريخ تخريبية على موضع مدفع «شلكة» وصاروخان تخريبي وحريقي على موضع مدافع ثقيلة وسقط بعض باقي القذائف على مقر إقامة عوائل الضباط وناديهم وبعضها على خندق القلعة.
وصل غرفة القيادة ما يلي: استشهد نتيجة قصف العدو ليلة 1985/11/14 أحد المجاهدين وجرح آخر.
- يوم 1985/11/15م حضرنا عملية قصف بالصواريخ من مركز خاتم الأنبياء القريب من القلعة وتم ذلك في الساعة الثالثة عصرًا وكانت 16 قذيفة فردت علينا مصادر نيرانهم كالعادة، وابتعد المجاهدون عن مصدر نيرانهم لئلا يصاب أحد ولم يصب أحد بأذى، وتوجهنا بعد ذلك لمركز سيد خان لحضور عملية تقدُّم على القلعة من هذا المركز وتم الهجوم بين الخامسة والسادسة مساء ولم تعرف النتائج.
- يوم 1985/11/16م أغارت طائرات كثيرة بعد الساعة الثانية عشرة ظهرًا واستمرت متقطعة الإغارة حتى 4.12 عصرًا وألقت بعض القذائف إلا أنها لم تصب أحدًا بأذى بسبب نشاط المقاومات الأرضية الجيد.
- يوم 1985/11/18م وصلت نتائج قصف المجاهدين من مركز خاتم الأنبياء ليوم 9/11/1985، ففي الساعة 3.40 عصرًا سقطت أربع قذائف ب م 12 على موقع شلكة للملحدين «تخريبية».
أما نتائج قصف يوم السبت 1985/11/11 وفي الساعة 12.30 ظهرًا أصابت إحدى قذائف الـ ب م 12 دبابة داخل القلعة وحطمتها بالكامل وأيضًا انهدم أحد مواضع الخندق بفعل إحدى قذائف ب م وفر الجنود إلى مواضع أخرى.
- يوم 1985/11/19م قامت جميع المراكز حول «تشاوني» بعملية مزدوجة وكنا نراقب الحال من مركز «بدلا» رغم نشاط الجواسيس الملحوظ وقبل دقائق من ساعة التنفيذ عطل للمجاهدين مدفع 82 ملم فاقتصر قصف هذا المركز على الهاون ومدافع الدوشكة، والزيك، وياك، والكرينوف وكان سقوط القذائف نسبيًّا جيدًّا على القلعة إلا أننا لاحظنا أن الرد كان بالمثل من القلعة على جميع الاتجاهات وبصورة نشطة، والحمد لله لم يصب أحد بأذى أو يعطب شيء وكانت القذائف تسقط قريبًا من المجاهدين إلا أنهم كانوا يتوارون عنها لأنهم يسمعون صوت انطلاقها لقربهم من القلعة.
- صباح يوم 1985/11/20م أغارت عشر طائرات على معسكر بدر وفتح ومنطقة سبينيشيغا، وألقت بخمس قذائف على مواضع مضادات أرضية وتجمعات للمجاهدين، وبعد ذلك اتضح لنا أن هناك جريحًا واحدًا إثر هذه القذائف، وفي نفس هذا اليوم حضر إلى معسكر بدر ثلاثة جنود حكوميين فرُّوا من القلعة ليلًا، وبعد مداواتهم من جراح كانت بهم رحلوا إلى مستشفيات داخلية، وقبل رحيلهم أخذنا منهم هذا التقرير السريع: «قال أحدهم: نحن خمسة عشر جنديًّا خططنا للهروب من القلعة مهما كلف الأمر ونحن نعلم أن القلعة محاطة بالألغام، وذلك للوضع اللاإنساني الذي نعيشه في الداخل، وخرجنا في الليل فانفجرت بنا أربعة ألغام، ولكون الوقت ليلًا لم نعرف كما منا جرح وكم منا مات وأين زملاؤنا الآن، وأفادنا آخر: «أن في القلعة (80) ضابطًا وستة مستشارين روس مع بعض عائلاتهم وجنود كثيرون لا نعرف عددهم، وأن القلعة تعاني من تعب شديد بسبب نيران المجاهدين وهجوماتهم وهناك قتلى كثيرون» وأصبحنا ننتظر بعد ذلك قدوم الباقين من الفارين إلا أننا لم نستقبل أحدًا فيعتقد أنهم قتلوا أو سحبوا إلى داخل القلعة مرة ثانية.
في نفس اليوم 11/20 قدم إلى المعسكر جريح من المجاهدين كان قد وقع بكمين للقوات الروسية في ولاية «لوكر».
في نفس اليوم أيضًا 11/20وصل غرفة القيادة تقرير مفاده: استشهاد مجاهد وجرح اثنين إثر قصف من قلعة جاجي «تشاوني» وهم من منطقة «خرجتل».
في نفس اليوم أيضًا أغارت طائرات على معسكر فتح ولكن والحمد لله بدون نتائج وكذلك في ليلة 11/21 وفي الساعة 8.30 مساء، إلا أن مهمتها كانت واضحة وهي كشف مواقع المضادات الأرضية وكذلك في ليلة 11/22 في الساعة 7.25 مساء لنفس الغرض.
وبعد ذلك كله لاحظنا استعدادات كثيرة من قبل المجاهدين لاحتمال زحف جديد.
الجانب السياسي:
على الرغم من وضوح موقف المجاهدين على هذا الجانب ... وعلى الرغم من رفضهم لسائر المساوات السياسية بين القوى الكبرى، فإن هناك مشاريع لتصفية القضية الأفغانية تشترك فيها القوى الكبرى بنيَّة إنقاذ العدو الروسي من هزائمه وفشله، وقد استحوذت مسألة التسوية السلمية بعد ست سنوات من الغزو على سائر الجهود السياسية الدولية ونقدم فيما يلي تشخيصًا لهذا الجانب:
التسوية السلمية لقضية أفغانستان:
إن الشعب الأفغاني المسلم الشجاع الذي استطاع بتأييد من الله سبحانه وتعالى وبقوة إيمانه أن يحارب العدو لأكثر من سبع سنوات وأن يسجل صفحة جديدة في تاريخ البشرية وذلك بوقوفه أمام أكبر قوة مادية في العالم وإلحاق الهزيمة في جيشه الأسطوري.
هذا الشعب الأبي استطاع أن يعيد العزة والكرامة ليس في العالم الإسلامي فحسب بل وفي العالم الإنساني بأسره، وأن يعلم الحرية والتحرر للشعوب المضطهدة في العالم، هذا الشعب المؤمن الذي يعتز العالم ويفتخر بعزمه وإرادته وصبره وتضحياته في معاركه البطولية، استطاع أن يوجه أنظار العالم نحو الانقلاب الإسلامي في أفغانستان.
إن الشعب الأفغاني المسلم الواعي أدرك أن العدو المعتدي قد انهزم في ميدان المعركة وفي مؤامراته المتكررة وأن جيشه المدرب والمسلح لم ينجح في كسر وتحطيم مقاومة الشعب الأفغاني المؤمن، كما أن مؤامراته الشيطانية بفضل الوعي وإدراك المجاهدين باءت بالفشل.
إن العدو وبعد أن أحاطه اليأس وخيبة الأمل من جميع الجوانب ووجد طريق القرار أمامهم مسدودًا، بدأ يتوسل إلى مؤامرة أخرى وهي آخر تلك المحاولات اليائسة والمؤامرات الشيطانية وهي مؤامرة ما يسمى -بالحل السلمي- وذلك بالتعاون مع متعهدِيه وأتباعه وشركائه في الجريمة.
إن العدو وبعد أن مُنِي بالهزيمة في ميدان المعركة وأصبح النصر وشيكًا يأمل أن يوقع التردد في عزم شعبنا الراسخ وأن يدعوهم إلى قبول الخزي والعار ويحبسهم في قفص الاستعمار الأحمر بصورة أبدية مثلهم في ذلك مثل المناطق الإسلامية التي احتلها العدو قبل حوالي نصف قرن من الزمن، ويحصل بهذا الطريق على ما لم يحصل عن طريق القتل والتدمير والتشريد.
إن الشعب الأفغاني يعلم جيدًا أن الكلام عن الحل السلمي ما هو إلا خدعة ماكرة استخدمها الروس المكَّار عندما أحس بالعجز عن المقابلة مع الشعوب الصامدة على مر التاريخ، شأنه في ذلك شأن الإمبريالية الإنجليزية في استعمارها القديم للدول الإسلامية والشعوب المستضعفة والإمبريالية الأمريكية في استعمارها الجديد.
هذه المؤامرة الدبلوماسية من دسائس العدو الجديدة، وكما قال أحد قادة المجاهدين: هذا الشيطان الكبير حكم سيطرته على الشعوب تحت ستار السلم والحياة السلمية، والآن يريد أن يغفل شعبنا تحت عنوان الحل السلمي أو على الأقل يحرفهم عن مسير الانقلاب الإسلامي السعيد، مع يقيننا الكامل بأن مثل هذه الدسائس والمؤامرات من قبل الدول الكبرى ليس لها أدنى تأثير في إرادة شعبنا وتصميمه ومع هذا فإننا نعلن بأن هذه المؤامرة ليست إلا مؤامرة شيطانية وأن الشعب الأفغاني المسلم المجاهد لا يمكن أن يلقي سلاحه حتى يطرد آخر جندي من جنود العدو المعتدي، ويقيم حكومة إسلامية على أرضه، لأن هذا الشعب يعرف جيدًا أن عزه وكرامته مرهونان بالنصر النهائي ورفع علم التوحيد على جبال أفغانستان الشامخة، وأن حريته واستقلاله يرتبطان باستمرار الجهاد المسلح ضد المعتدين وأعداء الدين والإنسانية.
وفي غير هذا فإن الحلول الاستسلامية التي تعطي صبغة شرعية لهجوم الروس على أفغانستان، والتي تدوس تحت أقدامها دماء أكثر من مليون شهيد الذين قدموا أرواحهم فداء لإعلاء كلمة الله ودفاعًا عن عقيدتهم الإسلامية، والتي لا تنظر إلى أكثر من خمسة ملايين مهاجر الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا أن قالوا ربنا الله، مع ما تحملوا من الظلم والمصائب، والتي لا تأخذ في الحسبان هدم أكثر من ثلثي أفغانستان بأيدي الوحوش الحمر، والتي تنسى مئات الآلاف من أسر الشهداء والذين أصبحوا بلا مأوى ولا عائل، والتي تغمض عينيها عن الثروات المادية والمعنوية التي نهبها الروس من أفغانستان، والتي تسخر بأكثر من سبع سنوات من القتل والتدمير والجرائم اللاإنسانية التي ارتكبها الروس المعتدي على هذا الشعب المظلوم، والتي لم يسلم من جرائمه حتى الحيوان والنبات والطبيعة.
فهل يعقل بعد كل هذه الجرائم البشعة التي ارتكبها الدب الأحمر على شعب أفغانستان المسلم أن يلتمس من الروس راجيًا إياه أن يترك أفغانستان المدمرة في حين تضمن منافعه في أفغانستان وتبقى جواسيسه هناك؟ وتكون قوة ما يسمى بحفظ الأمن التي هي في الحقيقة ليست إلا قوة لحفظ الجواسيس، وتبقى أفغانستان موقعًا استراتيجيًا أبديًا للروس، وأن يستبدل العملاء الذين فشلوا في تسليم أفغانستان إلى أسيادهم في موسكو يستبدل هؤلاء العملاء بعملاء آخرين من بقية الأنظمة الفاسدة الماضية الذي خدموا الروس أكثر من تراقي وحفيظ لعين وكارمل، والذين هيأوا الجو المناسب لسقوط أفغانستان في أحضان الشيوعية، ويشكلون حكومة ائتلافية مع منظمتي خلق وبرتشم العمليتين اللتين لا مكان لهما بعد اليوم في أفغانستان، وتصبح أفغانستان دولة غير منحازة بالنسبة للإسلام ومنحازة للروس الشيوعية، ويظل هذا الشعب -كما كان في الأنظمة السابقة- يعاني من الفقر والحرمان والظلم والاضطهاد، وأن الطغمة الفاسدة الخائنة التي تركت البلاد في أحرج أيامها هاربة إلى ربوع أوروبا وأمريكا مستغرقة في الشهوات والملذات ترجع إلى البلاد وتتربع على كرسي الحكم! إن هذا وهم وخيال.
إن الشعب الأفغاني المسلم يستطيع الآن أن يختار طريقه ويعرف أن الطريق الوحيد لحل قضية أفغانستان هو الجهاد المسلح وهذا ما اختاره شعب أفغانستان المسلم طريقًا له.
إن الروس لم يدخل أرض أفغانستان عن طريق الدعوة والمشورة حتى يتركها عن هذا الطريق، ولا يمكن أن يتخلى عن الظلم والاستبداد وارتكاب الجرائم ما دام قدرته العسكرية تسمح له بذلك، وإذا كان بإمكانه البقاء في أفغانستان فإنه لا يفكر بالخروج أبدًا لا يحاول حكام موسكو باستدعاء قواتهم من أفغانستان إلا إذا تيقنوا بحتمية الانهزام، وعند ذلك لا يمكن إعطاء أي امتياز للعدو لضمان منافعه في المنطقة وإتاحة الفرصة له مرة أخرى لكي يتدخل في بلادنا عن طريق آخر بأن يخرج من الباب ويدخل من الشباك، بل إن الشعب الأفغاني لن يلقي سلاحه حتى لحظة إخراج القوات المعتدية دون قيد أو شرط وضمان الاستقلال الكامل للبلاد، وفي النتيجة إقامة دولة إسلامية على أرضه ووطنه وأنه لا يفرح بالوعود الكاذبة الجوفاء.
إن أفغانستان ستحرر بإذن الله، وإن عاقبة الكفر والشيوعية ليست إلا الخسران والافتضاح، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: 227) صدق الله العظيم.
الجانب الثقافي:
فتحت الجريمة الروسية في أفغانستان الباب على مصراعيه للصليبية التي بدأت منذ اليوم الأول للغزو الروسي باستغلال سائر الجوانب الاجتماعية والثقافية بنية التأثير على عقائد أبناء أفغانستان بالأساليب المتنوعة ومن ذلك أسلوب التعليم وغيره، مما يتعلق بالجانب الثقافي، ولقد حصلت لجنة الدعوة الإسلامية على تقرير خطير سينشر في مجلة «البنيان المرصوص» في عددها المقبل، ويسر القسم الصحفي في اللجنة أن ينشر هذا التقرير على صفحات «المجتمع» ليطلع عليه المسلمون في كل مكان، ويعوا مسؤولياتهم وواجباتهم تجاه إخوتهم في أفغانستان:
التعليم بين الصليب والمطرقة:
إلى المسلمين في كل العالم نقول: إن التعليم في أفغانستان ينعطف نحو طريق خطرة، وأبناء أفغانستان يساقون إلى المجهول بأيدي الشيوعيين والنصارى يقذفونهم نحو هوة المجهول ... نعم لقد خرجت الكتب وهي تحمل الصليب شكلًا ومضمونًا، لقد استغلوا حالة الجوع والفقر المنتشرة بين خمسة ملايين مهاجر أكثرهم من النساء والأطفال، وأرادوا أن يحولوهم إلى النصرانية أو الشيوعية، وذلك عن طريق المدارس التعليمية والحرفية والمناهج المعدة خصوصًا للتنصير، وأيضًا عن طريق نشر مدارس ودورات تعليم اللغة الإنجليزية وربط هذه المدارس بالكنيسة.
أما من حيث المكان فمثاله المركز الأمريكي، أو من حيث الإدارة فمثل باقي المؤسسات، لقد عرف الغرب اعتزاز الأفغان بدينهم وتمسكهم به، فجاؤوهم من باب الحاجة والفقر، وإن المجلة وهي تعرض هذه الحقائق لتذكر المسلمين بأنهم إذا لم ينتبهوا فسوف يدفعون ثمن هذا السكوت كثيرًا كثيرًا.
إن حروب التحرير الطويلة لا تظهر نتائجها إلا بعد عدة أجيال فإذا لم تتخذ العدة من الآن فسوف يضيع جهادنا أمام أعيننا، فلا بد لنا أن نتخذ خطوة إيجابية نحمي بها هؤلاء الأطفال من عبث النصارى وغجرية الشيوعية، والتاريخ الآن يعيد نفسه ... فبنظرة فاحصة إلى الوراء نعرف كيف احتلت روسيا الولايات الإسلامية المسماة الآن باسم الاتحاد السوفيتي ... لقد وقفت هذه الولايات -تحت قيادة «الإمام الشامل»- وقفة رجل واحد للذود عن دينها وشرفها، مما أكد للروس أن هزيمة هذا الجيل مستحيلة ... فأطالوا فترة الحرب كي يخربوا الجيل القادم ويبثوا في صفوفه روح الانهزامية، وتم لهم ذلك حين كانت تعقد بين المسلمين والروس معاهدات فكانوا يتبادلون الرهائن لضمان عدم اندلاع الحرب، فكان المسلمون يطالبون بضباط الجيش كرهائن لكن الروس كانوا يطالبون بالأطفال، وتعجب المسلمون آنذاك ولكن تعجبهم لم يدم كثيرًا لأن الأطفال كبروا وعادوا في زي ضباط يقاتلون آباءهم، لقد كان أحد الضباط الروس يسمى «جمال» هو ابن الإمام الشامل الذي دوخ الروس وانهزم المسلمون لأن المعركة كانت تحطم المعنويات، فالأبناء يقاتلون الآباء ويصبحون جنودًا للجيش الروسي.
والآن تعاد هذه القصة من جديد وبتغيير بسيط في «السيناريو» فرضته ظروف الساحة فعندما حدث الانقلاب الشيوعي في أفغانستان كان تعداد أعضائه خمسة آلاف شخص تقريبًا، وبعد الانقلاب لم يتقدم شخص واحد للعضوية ولكن خلال السنوات الست التالية أصبح العدد (40,000) أربعون ألف عضو، فمن أين جاء هذا العدد؟ لقد جاء من خلال برامجهم التعليمية للشباب داخل موسكو وداخل أفغانستان، لقد تدرب خلال السنوات الأربع الماضية (100,000) مئة ألف شاب داخل الاتحاد السوفيتي ليكونوا الكوادر الشيوعية وإدارات الحكم.
وفي التاسع من نوفمبر لعام 1984م توجه 860 طفلًا أفغانيًا من كابول إلى موسكو مباشرة بالطائرات، تتراوح أعمارهم ما بين 12 إلى 16 عامًا، وكان الهدف تخريج جيل جديد لا يعرف عن الإسلام شيئًا، بل يُكِن للمسلمين كل عداء، والآن تدفع الـ «كي. جي. بي» نصف ثمن حقن «الهيروين» لكي تجعلها في متناول أيدي الشباب في أفغانستان ... إنهم ينشرون الفساد بكل الوسائل ويحاولون أن يرحلوا بهذا الجيل إلى جيل آخر هو أقل صلابة ... هكذا فعل الشيوعيين ... فماذا فعل المسلمون؟! قبل أن نجيب عن هذا السؤال سنحاول أن نتعرف على خطط النصارى المعدة لأبناء أفغانستان، سواء أكانوا في داخل أفغانستان أم في أرض المهجر ...
لقد أعد الغرب برامج موسعة لاحتواء الجهاد أو لتحويله من عالميته الإسلامية إلى إقليمية ووطنية محدودة، وتضافرت جهودهم جميعًا وباتوا يضربون المسلمين عن قوس واحدة في محاولة لزعزعة الأفغان عن دينهم لكن الله يفضح نهارًا ما يبيتونه ليلًا.
اللجنة السويدية:
حينما بدأت كانت تعمل في مجال الخدمات الطبية والصحية للمهاجرين وبعد ذلك انتقلت إلى التعليم وشرعت في فتح المدارس والإشراف عليها وشراء الكتب والأدوات الدراسية، بل أخذت تدفع مرتبات المدرسين داخل أفغانستان لقائد كل منطقة عن كل ستة أشهر، وكانت كل هذه المحاولات لكسب الثقة، ثم بعد ذلك بدأت في إعداد دورات لتأهيل مناهج علمانية بحتة تميل بالشباب الأفغاني نحو الوطنية وتساعد «اللجنة السويدية» في هذا البرنامج لجنة الإغاثة النرويجية التي تمثل «الكنيسة النرويجية» وأيضًا تساعدها منظمات فرنسية وألمانية وسويسرية وتبشيرية.
الإنترايد:
منظمة كنسية تابعة للكنيسة بنيويورك وتعمل بالتعاون مع المنظمة النرويجية والكنيسة الباكستانية وجميع الإداريين والمشرفين عليها من النصارى الباكستانيين، ويرأسهم نصراني إثيوبي، وهم الآن يقدمون الدعم لعشر مدارس أفغانية ويستخدمون في المناهج الدراسية الكتب الإيرانية والكتب الأفغانية المقررة قبل التدخل الروسي، كما تقوم بفتح المدارس التدريبية على مهن النجارة والخياطة -والتطريز للنساء- ثم تشرف على بيع هذه الأشياء، ولقد فشلت «الانترايد» فشلًا ذريعًا في كثير من المدارس التي تحت سيطرتها، وذلك لتدخلها المكشوف والتنصير العلني داخل أفغانستان الذي يصطدم بفطرة هذا الشعب المسلم، مما جعل منظمة «آي س آر» تتدخل لتنقذ الموقف وتتحمل هي تكلفة المدارس لأنها تستخدم التبشير على المدى الطويل والبطيء، لا السريع المؤقت، والآن هناك محاولة من جانب النصارى لأخذ 120 مدرسة ابتدائية لا تجد أحدًا ينفق عليها، فتقدمت هذه المنظمات للإشراف عليها وتزويدها بالمناهج والمدرسين.
المركز الأمريكي:
في الآونة الأخيرة انتشرت بين المهاجرين دورات تعليم اللغة الإنجليزية، وذلك لتنفيذ المخطط الصليبي والعمل على تهجير الشباب إلى البلاد الغربية ... ويقوم بهذه المهمة المركز الأمريكي والمركز البلجيكي وجهات أخرى متعددة.
المركز الأمريكي يقوم بتعليم اللغة الإنجليزية في فصول مشتركة بين الشباب والفتيات، والمناهج التي تدرس معظمها إباحية منافية للإسلام ولعادات وتقاليد الأفغان، وهذا المركز موجود داخل سور كنيسة ويتوسط الفناء مجسم لصليب كبير ...
المركز البلجيكي:
يقوم بتدريس اللغة الإنجليزية للأفغانيين «فقط» ولا يسمح بدخول غير الأفغانيين، ويبدو التنصير -في هذا المركز- بشكل أوضح منه في المركز الأمريكي، فالأسئلة المفضلة للقائمين على هذا المركز حين يسألون الطلبة الجدد تكون: لماذا تريد أن تتعلم الإنجليزية؟ هل ترغب في الهجرة إلى الخارج؟ إضافة إلى تشجيع الفتيات على التبرج في أوساط الشباب داخل الفصول المشتركة، حتى المناهج وضعت خصصًا برامج التخريب التي تسير بخطى واسعة في هذا الوقت، وقد حصلت مجلة «البنيان المرصوص» على كتاب وضع للأطفال كله قصص إباحية إما على لسان الأطفال أو الحيوان، والصورة الأولى كانت صورة لكنيسة وباب الكنيسة مرفوع عليه الصليب، كل هذا والمجلة تتساءل أين المسلمون؟ أين المسلمون؟ قبل أن يضيع شعب وقف في وجه السلاح لكنه لن يستطيع الصبر طويلًا على هذه الحرب الثقافية التي تنتزعه من جذوره ...
الجانب الاجتماعي:
استنتجت مجموعة من المختصين في المسألة الأفغانية، إنه على الرغم من التفوق العسكري السوفيتي، إلا أن الخطر الأكبر الذي يتهدد المقاومة الأفغانية يكمن في الغزو السياسي الاجتماعي الروسي.
في مؤتمر عقد بجامعة أكسفورد في ديسمبر من العام الماضي 1984 تحت رعاية جمعية الدراسات لوسط أسيا، وقد ضم خبراء غربيين استمر فترة طويلة لدراسة المقاومة الأفغانية خلال الخمس سنوات الماضية، وكان من بين المشتركين في هذا المؤتمر شخصيات بارزة مثل «لويس دوبريه» الغربي، عميد هيئة الشئون الأفغانية وأوليفر روي.
ولقد أجمع الخبراء على أن الخطر الدائم على المقاومة الأفغانية لا يكمن في قوة سلاح الطيران السوفيتي ولا في استراتيجيتهم التوسعية لمسح أفغانستان، ولا حتى في التهجير الجماعي، بل إن الخطر الحقيقي الذي ينذر بالسوء ويترك آثارًا أكثر سوءًا من قنابل النابالم والغازات السامة هي السياسة الروسية المتمثلة في الغزو الفكري الاجتماعي التدريجي، والذي تقف في وجهه المقاومة منذ نشأتها.
ويبدو أن استراتيجيته السياسية الاجتماعية هي هدفهم الرئيس ولقد أشار العديد من المشتركين في المؤتمر إلى الخط الموازي الشبيه بسياسة السوفييت في أفغانستان اليوم وذلك بمثيله الذي أدى لنجاح سياستهم لإخضاع أسيا الوسطى في سنة 1920-1930 على الرغم من النجاح القليل الذي تمكنوا من تحقيقه، وتوجد حاليًا بعض الأدلة المتمثلة في بعض دول العالم الثالث الحليفة للاتحاد السوفييتي مثل إثيوبيا، أنجولا، وأمريكا الوسطى، ويبدو أن حكومات الغرب ولربما أيضًا حكومات العالم الإسلامي هي الوحيدة القادرة على التفاعل اليومي مع الأحداث ولكن ليس على المستوى المطلوب، بينما من الناحية الأخرى نجد أن السوفييت يعملون على تحقيق هدفهم الوحيد بدراسة بقائهم أطول فترة ممكنة في أفغانستان.
ولقد نبه أنتوني هايمان، مؤلف آخر كتاب صدر عن مجلة أفغانستان، المؤتمرين بقوله: إن القادة السوفييت لديهم العديد من الأسباب التي تجعلهم دمويين إزاء آمالهم في محاولة تحقيق نصر نهائي وحاسم وامتصاص الشيوعيين الحاكمين لأفغانستان إلى الكتلة السوفييتية.
إن التفاؤل السوفيتي غالبًا ما يبنى على اعتقادهم السائد بأنه من الممكن تدريب كوادر من الجيل الجديد للمواطنين الأفغان أنفسهم قد يقدمون الجليل من الخدمات للسوفييت.
ولقد وضح كل من «هايمان» و«الماكفست» المسئول السويدي عقب زيارتهما السابعة لأفغانستان منذ 1976، أن الروس قد أسسوا برامج تدريبية وإعلامية مكثفة في أفغانستان وروسيا، ومما يجدر ذكره أن السوفييت يقومون مسبقًا بإرسال ما يقارب الخمسة وعشرين ألفًا من الطلاب الأفغان صغار السن والشباب سنويًا، وأكثر من ذلك أن يتامى الحرب يجمعون ويرسلون للاتحاد السوفيتي لتنشئتهم على الشيوعية والتدريب العسكري، ولقد أشارا إلى ما يحدث مقارنة بما حدث في سنة 1920 عندما استغل البلاشفة الأيتام لتحقيق أغراضهم، كذلك إبان الحرب الأهلية حيث سرق عشرات الألوف من الأطفال عنوة من أسرهم بواسطة اليونانيين المؤيدين لسياسة موسكو، حيث أرسلوا لتنشئتهم على الطريقة الشيوعية من روسيا وحليفاتها.
ولقد أوضح كل من هايمان والمكفست وغيرهم أن الاتحاد السوفيتي تلقائيًا لن ينجح في فرض سيطرته السياسية والاجتماعية في هذه المملكة، هذا بدليل أن إرسال الأفغان إلى الاتحاد السوفيتي يقابل باشمئزاز وكراهية من ناحية السوفييت، إضافة إلى النزعة العنصرية مما يؤدي إلى نتائج عكسية.
لقد بدا واضحًا أن السوفييت قد وجهوا جل جهودهم لتحقيق الغزو الاجتماعي، ولقد انصب هذا الجهد المتعدد الأهداف نحو سكان المدن بصفة خاصة، وأوضح «أوليفر روي» أن ظهور زعامات جديدة في بعض المدن تحتم على أن ينظر إليها أنها مؤيدة للسوفييت، أما في أطراف الدولة حيث تسيطر التقاليد والمنظمات فإنها تحول دون بسط نفوذ هذه الزعامات، لذا من المحتمل أن ظهور هذه الزعامات ربما كان من صالح المقاومة.
ولقد أوضح أحد الخبراء أن الخطورة من مثل هذه الزعامات التي تخدم السوفييت تكمن في الغالب من غياب البديل التعليمي خاصة الشباب الأفغان، ونسبة لشح إمكانات المقاومة الأفغانية، وضعف الدعم المقدم إليهم من الدول المؤيدة، لهذا فإن الخطر الاجتماعي ولا سيما في المدن ما زال ليس في متناول المعالجة بقدر ما نجح المجاهدون في حرب العصابات.
ولقد أجمع المشتركون على وجهة النظر القائلة بأن سعي الروس لخلق جيل جديد موال لهم يجب أن يقاوم بإيجاد بدائل يتم بموجبها تحديث البلاد والأفغانيين الذين يرفضون تأييد نظام كارمل.
وإزاء هذا التشخيص لحالة الغزو الاجتماعي لا بد مما يلي:
- تقديم إعانات إلى المدارس والجامعات الباكستانية، كما أن من الممكن تقديم معونات إلى بعض دول منطقة أسيا الوسطى مثل تركيا والصين لتعليم الشباب الأفغان.
- إنشاء كليات صغيرة لتدريب الأفغان على الخدمات الأساسية والتجارية مثل الزراعة والطب وعلوم الإدارة.
- إعطاء منح من المعاهد العربية والإسلامية للطلاب الأفغان الذين يدرسون مواد حساسة بشرط أن يعودوا إلى أفغانستان فور إكمالهم للدراسة.
- إنشاء معاهد لتأهيل وتدريب الأساتذة للعمل في الداخل وتوحيد صفوف الأفغان.
- المهاجرون في الباكستان وغيرها.
- دعم مالي لعائلات المهاجرين من الأفغان من ذوي المهارات المهمة والذين لهم الرغبة في العودة للالتحاق بصفوف المجاهدين ضد السوفييت ولكنهم يجدون معارضة من عوائلهم.
- دعم لجان التعليم التي تقيم مدارس ابتدائية داخل أفغانستان.
- إنشاء جامعة أفغانية مجانية بالقرب من الحدود الأفغانية بقدر الإمكان لتدريس المواد التقليدية.
ولعل في هذه المقترحات ما يساعد إخواننا الأفغان على مواجهة الغزو الاجتماعي والسياسي ... فهل نحن فاعلون؟