العنوان أفكار في فكرة
الكاتب مصطفي محمد عرجاوي
تاريخ النشر الثلاثاء 31-يوليو-1990
مشاهدات 68
نشر في العدد 976
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 31-يوليو-1990
لماذا لا يتم الربط بين الطب والفقه الإسلامي والقانون للوصول إلى أمثل الحلول في التجارب المستحدثة؟
إن الدراسات الإنسانية أو ما يسمى بالعلوم الأدبية أو النظرية أو الإنسانية ليست مجرد علوم تثري الفكر بالنظريات أو تشحنه بالمعلومات التي قد لا تسمن ولا تغني من جوع في الواقع العملي، بل على العكس من هذا تمامًا، فإن العلوم الإنسانية يمكن الإفادة منها بصورة ملموسة في الحياة العملية والواقعية وذلك من خلال تحويل نظرياتها إلى واقع عملي يخضع للتجربة ليفيد الإنسان في حياته وييسر له السبل، ويفتح له آفاق المعرفة والابتكار والتجديد في أساليب الحياة بصورة مستمرة تقوم على أسس واضحة من ضياء العلم ونور الإيمان.
هذا هو الأصل في العلوم الإنسانية، لكننا للأسف حبسناها في سجن النظريات وابتعدنا بها عن مجال الحياة العملية، ربما بسبب ضعف الإمكانات المتاحة أو بسبب قصور بعض النظريات الجامدة للفكر الإنساني، أو لأن تحويل النظريات إلى واقع يحتاج لبذل المزيد من الجهد المدعوم بالكثير من المال مع التضحية بالعديد من المصالح والمنافع الشخصية التي قد تصل إلى حد الحرمان من أبسط حقوق التمتع بمباهج الحياة، لأن الهدف النبيل لا يتم التوصل إليه بسهولة بل يحتاج إلى الصبر والمثابرة والبذل والعطاء، مع وصل الليل بالنهار للوصول إلى النتيجة المرجوة.
وفي هذا الصدد تراودني فكرة تتعلق ببعض الأبحاث العلمية التي تدور في كلية الطب بأقسامه وتخصصاته الدقيقة والمختلفة، وفي بعض المستشفيات التخصصية التابعة للجامعة «كمستشفى الولادة»، هذه الأبحاث لماذا قبل الولوج فيها لا تُعرض أفكارها على المتخصصين من رجال الفقه والقانون، ليقول الفقه فيها كلمته المؤسسة على تقوى من الله ورضوان، والبعيدة عن التعصب المذهبي والتي لا تخضع للأهواء ولا للأغراض الشخصية بل تُستنبط من أصول الشريعة وفق القواعد المعتمدة في الفقه الإسلامي وذلك بغية وقوف الباحث على مدى مشروعية بحثه، لأنه بلا شك عندما يعلم بأن البحث الذي يسخر له كل إمكاناته، ويقدم له أنفس ساعات حياته، ويمده بعصارة فكره، وصفوة أيام شبابه بحث لا ريبة حوله ولا شائبة فيه بل هو مشروع عند الله تعالى وسيثاب على ما بذله من جهد في سبيل تحقيق النتائج المرامة منه، هذا فضلًا عن كونه بعد كلمة القانون يُعد من الناحية القانونية مباحًا ولا يتعارض مع القوانين ولا النظم أو اللوائح المعمول بها في البلد الذي يمارس فيه الباحث بحثه... فإنه بلا شك في هذه الحالة سيتشجع، وسيُخلِص ويزداد حرصه على بلوغ الغاية من هذا البحث في أسرع وقت ممكن وعلى أفضل صورة.
من هذا المنطلق أعرض فكرة ربط هذه المراكز الطبية المتخصصة بالأقسام العلمية المتخصصة في كليات الجامعة، فلماذا لا يتم الربط بين الطب والفقه الإسلامي والقانون العلمي بغية الوصول إلى أمثل الحلول في النظريات أو التجارب المستحدثة بلا عثرات أو عوائق؟ لماذا لا تحاول الأقسام العلمية في الكليات المعملية أن ترتبط بوشائج الفكر المتبادل والمتصل مع الأقسام العلمية في الكليات الإنسانية أو النظرية لتحقيق أكبر قدر ممكن من الفائدة في هذا الصدد؟ لماذا لا يتم ذلك والهدف الرئيس من جميع الدراسات والتجارب هو تيسير الحياة والرقي بها على المستوى الفردي بل والجماعي لكافة أفراد المجتمع؟
لماذا لا تُجمَع العديد من الأفكار في فكرة واحدة بغية التبسيط والتوضيح والتركيز والإفادة؟ إن هذه الفكرة التي أعرضها تحتاج إلى تضافر الجهود في الأسرة الجامعية الواحدة، والعلم رحم بين أهله وبتضافر جهود العلماء ستتلاقح أفكارهم وسيبتكرون الكثير من المخترعات وسيكتشفون العديد من الأبعاد للكثير من النظريات المحفورة في أعماق أفكارهم المتلاحقة أو المتوارثة والمتناقلة عبر الأجيال، لأنه لا شيء يأتي من لا شيء. ومجرد الأخذ فحسب أو التلقي فقط، عيب خطير ينبغي أن تترفع عنه المراكز العلمية المتخصصة فضلًا عن صفوة المبرزين في تحصيل هذه العلوم، لأن مهمتهم أكبر من الأخذ والتلقين أو التلقي والاسترجاع بلا تأثير ملموس في مضمون أو جوهر المادة العلمية محل البحث أو الدراسة.
لماذا لا تبدأ الجامعة بإقامة مشروع أو مركز علمي يضم جميع رؤساء الأقسام العلمية في كافة التخصصات الإنسانية أو العملية في كليات الجامعة لتعرض عليهم الأفكار والبحوث أو الدراسات قبل الخوض فيها للوقوف على ما لها وما عليها، وللتعرف على مدى إمكانية الإفادة منها على مستوى الأقسام العلمية في حدود اختصاص كل قسم منها ومدى ما يمكن أن يقدمه من دعم في هذا الصدد وبصورة ملموسة؟
إن الأفكار تتزاحم في عقلي، وتناشد أهل الفكر وأهل الرأي بل وأهل الحل والعقد في الجامعة أن يبادروا باقتراح ما يعين على جمع شمل الأقسام العلمية في شتى التخصصات لدراسة الأفكار الجديدة والمفيدة بعيدًا عن السلطة والجدل والمحاور النظرية العقيمة البعيدة عن نور العلم وضياء الإيمان بهدف تحقيق أكبر قدر من التلاحم والتعاضد والتآزر في محراب العلم وعرين المعرفة في إطار الحرم الجامعي الذي يرفع لواء العلم والإيمان استجابة لقول الحق سبحانه في أول آية نزلت من الذكر الحكيم على خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين حيث قال جل وعلا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق:1) فاقرأ علم، وباسم ربك إيمان، أي اقرأ كل علم يرسخ الإيمان في قلبك، ولذا؛ كانت العلوم بكافة تخصصاتها وفروعها الإنسانية والعملية المفيدة من أهم ما يعضد ويدعم مسيرة الإنسانية في ظلال العلم والإيمان. فهل يا ترى هناك من أهل العلم والخبرة من يتعاون معنا في تحقيق كل هذه الأفكار ولو في فكرة واحدة؟ أرجو ذلك، والله من وراء القصد.