العنوان أفلا يتدبرون القرآن؟ كيف نشكر الله؟
الكاتب مجاهد مأمون ديرانية
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يوليو-1998
مشاهدات 81
نشر في العدد 1307
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 07-يوليو-1998
في الحلقة الماضية رأينا كيف أخذ إبليس على نفسه العهد أن يصرف آدم وذريته عن شكر الله فقال ﴿قَالَ فَبِمَا أَغوَيتَنِي لَأَقعُدَنَّ لَهُم صِرَٰطَكَ ٱلمُستَقِيمَ ثُمَّ لَأتِيَنَّهُم مِّن بَينِ أَيدِيهِم وَمِن خَلفِهِم وَعَن أَيمَٰنِهِم وَعَن شَمَائِلِهِم وَلَا تَجِدُ أَكثَرَهُم شَٰكِرِينَ﴾ (الأعراف:16- 17)، ثم رأينا كيف تواترت في القرآن الآيات التي تحثنا على الشكر، وتوقفنا - أخيرًا– عند السؤال التالي: كيف تشكر الله والجواب فيما يلي:
1- أدنى درجات الشكر الحمد باللسان عن عبد الله بن غنام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يصبح اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر فقد أدى شكر يومه ومن قال مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته» (رواه أبو داود) وروی مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «وإن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها» وفي حديث طويل يرويه أبو هريرة «إذا قال العبد لا إله إلا الله له الملك وله الحمد، قال الله جل وعلا صدق عبدي، لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد» وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم «أن عبدًا من عباد الله قال: يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك فعضلت بالملكين أي اشتدت واستغلقت، فلم يدريا كيف يكتبانها، فصعدا إلى السماء، وقالا يا ربنا إن - عبدك قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها، قال الله جل وعلا وهو أعلم بما قال عبده ماذا قال عبدي قالا يا رب إنه قد قال يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك فقال الله لهما اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها» (رواه ابن ماجه مالك الأشعري) قال: قال رسول الله «الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأن أو تملأ ما بين السماء والأرض» (رواه مسلم). وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما أنعم الله على عبد نعمة فقال الحمد لله، إلا كان الذي أعطاه أفضل مما أخذ» (رواه ابن ماجه)، وكذلك روي عن الحسن الله أنه قال: «ما من نعمة إلا و«الحمد لله»، أفضل منها» ورُوي عن ابن عباس « أنه قال الحمد لله كلمة كل شاكر، وإن آدم عليه السلام . قال حين عطس الحمد لله، وقال الله لنوح عليه السلام ﴿فَقُلِ ٱلحَمدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلقَومِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ وقال إبراهيم عليه السلام -﴿ٱلحَمدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلكِبَرِ إِسمَٰعِيلَ وَإِسحَٰقَ﴾، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿وَقُلِ ٱلحَمدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَم يَتَّخِذ وَلَدا﴾ وقال أهل الجنة ﴿ٱلحَمدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَذهَبَ عَنَّا ٱلحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُور شَكُورٌ﴾، ﴿وَءَاخِرُ دَعوَىٰهُم أَنِ ٱلحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلعَٰلَمِينَ﴾. فهي كلمة كل شاكر.
2- وشكر الله الحق يكون شكرًا بالقلب بكل الرضا والاطمئنان، فلا قيمة لشكر باللسان لا يصدقه الجنان، عن ثوبان قال لما نزلت ﴿وَٱلَّذِينَ يَكنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلفِضَّةَ﴾ قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعض أصحابه أنزل في الذهب والفضة ما أنزل لو علمنا أي المال خير فنتخذه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «أفضله لسان ذاكر وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه» (رواه الترمذي، وأحمد، وابن ماجه) فهل رأيتم كيف جعل محل الذكر اللسان وجعل محل الشكر القلب والجنان؟
3- ومن مقتضيات شكر النعمة إظهارها والتحدث بها وإعلان الامتنان لمن مَنَّ بها، ففي حديث النعمان بن بشير «التحدث بنعمة الله شكر، وتركها – كفر» وعن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلقى رجلًا فيقول يا فلان كيف أنت فيقول بخير، أحمد الله، فيقول له «النبي صلى الله عليه وسلم جعلك الله بخير، فلقيه ذات يوم فقال: كيف أنت يا فلان فقال بخير إن شكرت، قال فسكت عنه. فقال يا نبي الله إنك كنت تسألني فتقول: جعلك الله بخير، وإنك اليوم سكت عني، فقال له إني كنت أسألك فتقول بخير، أحمد الله، فأقول: جعلك الله بخير، وإنك اليوم قلت: إن شكرت، فشككت فسكت عنك» (رواه أحمد) ونقل ابن قدامة في مختصر المنهاج «رُوي أن رجلين من الأنصار التقيا فقال أحدهما لصاحبه كيف أصبحت فقال الحمد لله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم قولوا هكذا، وأن رجلًا سلم على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فرد عليه، ثم قال له عمر كيف أصبحت قال أحمد الله قال ذاك الذي أردت قال ابن قدامة وقد كان السلف يتسالمون ومرادهم استخراج الشكر لله» (مختصر منهاج القاصدين ص 3۰۲)
4- ومن موجبات الشكر لله أن يكون العبد قانعًا بما أتاه الله وما قسمه له من رزق فلا يتطلع إلى من فضل عليه، بل يرضى بقسمه وحظه من الدنيا. فإن فعل وحمد المعطي الوهاب فهو من الشاكرين، عن عبد الله بن عمرو قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول « خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرًا صابرًا ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله شاكرًا ولا صابرًا من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ومن نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به عليه كتبه الله شاكرًا صابرًا، ومن نظر في دينه إلى من هو دونه ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته لم يكتبه الله شاكرًا ولا صابرًا» (رواه الترمذي)، وقريب من هذا المعنى ما رواه أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا أبا هريرة، كن ورعًا تكن أعبد الناس، وكن قنعًا تكن أشكر الناس» (رواه ابن ماجه)، وهذا المعنى في الشكر ليس بغريب أرأيت لو كنت صاحب عمل وعندك الموظفون العديدون فصرفت لهم المكافآت – زيادة على رواتبهم ومستحقاتهم؛ تفضلًا منك عليهم ومحبة بهم، وكان في المكافآت تفاوت قررته الأمر في نفسك أو أسبب تعرفه كتفاوتهم في الكفاءة أو الانضباط أو غير ذلك. فذهب الذين نالوا أقل من سواهم فسخطوا وغضبوا واستنكفوا أن يشكروك ألست تشعر بالألم والمرارة إذ تفضلت وأنفقت ما ليس بواجب عليك ثم لم تلق جزاء ولا شكورًا ولله المثل الأعلى، وتحقيق هذا المعنى في قوله جل وعلا لآدم عليه السلام في الحديث السابق إني أحببت أن أشكره فيكون شكر الله بالقناعة والرضا بما قسم وبما رزق.
5- ومن أجلّ معاني الشكر لله أن يصرف المرء ما رزقه الله من صحة أو قوة أو مال أو نفوذ وسلطان أو غير ذلك في طاعة الله لا في معصيته، وأن يستفيد من هذه النعم العظيمة الوفيرة على الوجه الذي يرضى عنه الله الذي أنعم بها عليه، لا على الوجه الذي يستجلب غضبه وسخطه سئل بعض الصالحين عن الشكر الله فقال: ألا تتقوى بنعمه على معاصيه قال القرطبي فحقيقة الشكر الاعتراف بالنعمة للمنعم، وألا يصرفها في غير طاعته (القرطبي ج9 ص ٣٤٣)، وقال في تفسير ﴿ٱلحَمدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلعَٰلَمِينَ﴾ هو على ثلاثة أوجه، أولها: إذا أعطاك الله شيئًا تعرف من أعطاك والثاني أن ترضى بما أعطاك والثالث مادامت قوته في جسدك ألا تعصيه (القرطبي ج1 ص ١٣٤)
6-أما أعظم ما يشكر به الله جلا وعلا فهو الإقبال على العمل الذي يرضيه والاجتهاد في طاعته وعبادته انظروا إلى دعوة سليمان -عليه السلام - حيث قرن شكر النعمة بالعمل الصالح ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكا مِّن قَولِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوزِعنِي أَن أَشكُرَ نِعمَتَكَ ٱلَّتِي أَنعَمتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَن أَعمَلَ صَٰلِحا تَرضَىٰهُ وَأَدخِلنِي بِرَحمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ (النمل:19)، وقال تعالى مخاطبًا دواد وسليمان ﴿ٱعمَلُواْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكرا﴾ (سبا: ۱۳) قال القاسمي في التفسير أي قبل لهم اعملوا الله واعبدوه على وجه الشكر لنعمائه، وفيه إشارة إلى أن العمل حقه أن يكون للشكر لا للرجاء والخوف كما أن فيه معنى وجوب الشكر، وأنه يكون بالعمل ولا يختص باللسان، لأن حقيقته صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما خلق لأجله (محاسن التأويل ج ١٤ ص ١١) وذلك أمر أدركه النبي صلى الله عليه وسلم فكان أكثر الناس عبادة. فعن عائشة، رضي الله عنها – «أن النبي صلى الله عليه وسلم مكان يقوم من الليل حتى تنفطر قدماه، فقالت له عائشة لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا» (رواه البخاري، ومسلم، وأحمد) وفي البخاري عن المغيرة بن شعبة ليقوم يصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه، وفي رواية لمسلم عنه، حتى انتفخت قدماء ورواه بألفاظ مقاربة الترمذي والنسائي وأحمد وابن ماجة فالنبي الله وهو أفقه أمته وأعلمهم بما يرضي الله. فهم الشكر عبادة وعملًا واجتهادًا ولم يفهمه لفظًا باللسان كما قد يتوهم بعض الناس.
ثم إن للشكر فوائد يحصيها الشاكرون والشاكر ينفع أول. نفسه ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشكُرُ لِنَفسِهِ﴾ (النمل :40) ﴿وَمَن يَشكُر فَإِنَّمَا يَشكُرُ لِنَفسِهِ﴾ (لقمان :۱۲) فيه يدوم إنعام المنعم، لذلك قبل بالشكر تدوم النعم. وفي الآية ﴿وَإِذ تَأَذَّنَ رَبُّكُم لَئِن شَكَرتُم لَأَزِيدَنَّكُم﴾(إبراهيم :۷) قال القرطبي قبل هو من قول موسى لقومه وقبل هو من قول الله، أي واذكر يا محمد إذ قال ربك كذا، وقوله لئن شكرتم لأزيدنكم، أي لئن شكرتم إنعامي لأزيدنكم من فضلي (القرطبي ج9 ص ٣٤٣)
والشكر لا يتسبب في دوام النعم - فحسب بل هو- أيضًا يصرف سخط الله وغضبه عن العبد الشاكر وينجيه من عقاب الله وعذابه في الدنيا ﴿كَذَّبَت قَومُ لُوطِ بِٱلنُّذُرِ إِنَّا أَرسَلنَا عَلَيهِم حَاصِبًا إِلَّا ءَالَ لُوط نَّجَّينَٰهُم بِسَحَر نِّعمَة مِّن عِندِنَا كَذَٰلِكَ نَجزِي مَن شَكَرَ﴾(القمر:33- 35)
وبالشكر تكثر الحسنات ويرتقي العبد في ميزان الله لأن الشكر الحق بمنزلة العبادة الرفيعة، وهو أمر يعطي عليه الله جل وعلا من الأجر ما يعطي على الاجتهاد في الطاعات عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر، (رواه أحمد وابن ماجة والترمذي والدارمي)، والله جل وعلا قال مخاطباً عباده ﴿وَإِن تَشكُرُواْ يَرضَهُ لَكُم﴾ (الزمر: ۷)، وقال ﴿وَسَيَجزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾(آل عمران: ١٤٤) وقال ﴿وَسَنَجزِي ٱلشَّٰكِرِين﴾(آل عمران :١٤٥)، وعن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه «قال: عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» (رواه مسلم وأحمد).
وبعد، فهذا هو الشكر الذي أراده الله من عباده ورضيه لهم، والذي آلَى إبليس على نفسه أن يصرفهم عنه ويصدهم عن سبيله، فهل -بعد ذلك كله- أنتم شاكرون؟ أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (يقول الله جل وعلا يوم القيامة يا ابن آدم، حملتك على الخيل والإبل وزوجتك النساء، وجعلتك تربع وترأس فأين شكر ذلك؟..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل