العنوان أقليات إسلامية
الكاتب محمد سرحان
تاريخ النشر الجمعة 01-يناير-2021
مشاهدات 96
نشر في العدد 2151
نشر في الصفحة 38
الجمعة 01-يناير-2021
في بقعة جغرافية متصلة الحدود يرتفع أنين المسلمين في 3 دول متجاورة، هي: الصين والهند وميانمار؛ ففي الأولى تتواصل معاناة مسلمي تركستان الشرقية، وإذا اتجهنا إلى الجنوب من الصين فستكون ميانمار وجهتنا الثانية؛ حيث قتل وتهجير الروهنجيا وتجريدهم من المواطنة في آراكان، وإلى الشمال الغربي تكون الهند وجهتنا الثالثة، وفيها تسمع أنين المسلمين في ولاية «جامو وكشمير» يعانون قتلاً واعتقالاً وحصاراً، أحال الولاية إلى سجن كبير، ومؤخراً تغيير ديموغرافي على حساب الأغلبية المسلمة، إلى جانب إجراءات لتهميش المسلمين في بقية الولايات.
وإيماناً بواجبها تجاه المسلمين حول العالم، تفرد «المجتمع» مساحة شهرية لتغطية ومتابعة أحوال المسلمين في هذه المناطق الثلاث.
تركستان الشرقية.. حرب على الهوية
الصين لم تألُ جهداً في حربها على هوية مسلمي الإقليم لـ»تصيينهم» فهدمت المساجد وحولت بعضها لمراقص
موظفون صينيون يقيمون بمنازل المسلمين يفرضون عليهم الأسلوب الصيني من شرب الخمر وغيره!
في روايته الشهيرة «ليالي تركستان»، ينقل د. نجيب الكيلاني، على لسان مصطفى مراد حضرت: إن تركستان قد انقسمت بفعل الاستعمار إلى تركستان غربية؛ احتلها الروس وضموها إلى اتحاد الجمهوريات السوفييتي (السابق)، وأخرى شرقية؛ احتلها الصينيون وضموها إليهم وسموها «سينكيانج»، وإن الشيوعية قد نشرت جناحيها على تركستان شرقها وغربها، وهكذا ضاعت بلاد إسلامية كانت من أعظم بلاد الله حضارة وتاريخاً وكفاحاً ومجداً، إنها الأندلس الثانية؛ فما قصة تركستان؟
تركستان تعني موطن الأتراك، وبلا شك فإن كل الأتراك حول العالم تربطهم صلة بهذه المنطقة، يقول عبدالعزيز جنكيز خان، في كتابه «تركستان قلب آسيا»: لم تتغير وحدتها السياسية واستقلالها إلا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، حيث وقع بعضها في أيدي الصين يعرف بتركستان الشرقية، ومساحته تتجاوز 1.6 مليون كيلومتر مربع، ويسكنه مسلمون من الكازاخ والأوزبك والمغول والتتار وأغلبية من الأويجور، والقسم الثاني خضع للروس ويسمى «تركستان الغربية»، ومساحته 4 ملايين و106 آلاف كيلومتر مربع.
تركستان.. والإسلام:
تقول د. ماجدة مخلوف، أستاذة الدراسات التركية، في لقاء تلفزيوني: في عهد الخليفة عثمان بن عفان، بدأت محاولات المسلمين فتح تركستان (بلاد ما وراء النهر؛ نهر سيحون وجيحون)، واستصعب عليهم الأمر في بدايته إلى أواخر القرن الأول الهجري، عندما وصل القائد قتيبة بن مسلم الذي تمكن من فتح مقاطعات عديدة ووصل بالإسلام حتى حدود الصين، لكن بقي دخول الإسلام قاصراً على الأفراد، ودخل كثير من الناس في الإسلام بفضل قوافل التجارة التي تسلك طريق الحرير آنذاك، حتى منتصف القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) عندما أسلم أول خاقان تركي هو «ستوق بغرا خان»، الذي أسلم ومعه شعبه كله يقدر بحوالي 200 ألف خيمة دخلوا الإسلام في يوم واحد معه!
تركستان.. والاحتلال:
وتضيف د. مخلوف: بقيت تركستان مكوناً واحداً تشكله إمارات مسلمة، حتى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، عندما تسلل الضعف إلى الخلافة العثمانية، وضعفت هذه الإمارات بتركستان، بالتزامن مع صعود القوى الاستعمارية مثل روسيا التي التهمت الجزء الغربي من تركستان؛ وهو جمهوريات: أوزبكستان، كازاخستان، تركمانستان، طاجيكستان، قرغيزستان، أما الجزء الشرقي فبدأت الصين تتأهب للاستيلاء عليه، وبمساعدة روسية سقطت تركستان الشرقية تحت نير الاحتلال الصيني عام 1949م، ولا تزال حتى الآن تُحارَب في هويتها الإسلامية.
لم تألُ الصين جهداً في حربها على هوية مسلمي تركستان الشرقية لـ»تصيينهم»، فهدمت آلاف المساجد، والمساجد التي بقيت حُولت إلى مراقص، وجرّمت الصلاة وتحفيظ القرآن، فهذه رقية فرحات (أويجورية) سجنت 4 سنوات هي وأطفال جيرانها الذين كانت تحفّظهم القرآن الكريم!
في أغسطس 2018م، قالت لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة: إن تقارير وثقت اعتقال الصين نحو مليون مسلم في معسكرات، يتم داخلها «تصيين» المسلمين بالإجبار، وتدريبهم على حرف يتم استغلالهم لاحقاً كعمالة مجانية لصالح الشركات الصينية.
وفي عدد سبتمبر 2020م، نشرت مجلة «صوت تركستان» إحصاءات تشير إلى انخفاض المواليد بنسبة 24% العام الماضي، فضلاً عن إجراء أكثر من 60 ألف عملية تعقيم قسري للنساء المسلمات لمنع الإنجاب خلال عام 2018م، مقابل 3214 عملية خلال عام 2014م!
فرضت الصين نظام مراقبة شاملة بالكاميرات بالشوارع، وفي البيوت من خلال «نظام القرابة»؛ إذ يقيم موظفون صينيون بمنازل المسلمين يفرضون عليهم الأسلوب الصيني من شرب الخمر وغيره، بجانب تقارير كاملة يكتبها هؤلاء الموظفون حول ما إذا كانت هذه الأسرة لديها مصحف أو سجادة صلاة.
كشمير.. جنة تطوِّقها النيران!
تسمى بـ»أرض الجنة» لما تتميز به من طبيعة خلابة لكنها تئنُّ تحت وطأة التنكيل الهندي
ضحايا الإجرام الهندي بالإقليم يتجاوزون نصف مليون من بينهم 250 ألفاً قتلوا في يوم واحد!
بين فترة وأخرى يتجدد بين الهند وباكستان النزاع الممتد لأكثر من 70 عاماً، شهدت 3 حروب بينهما، وكلمة السر هي كشمير، أو «أرض الجنة» لما تتميز به من طبيعة خلابة، لكن هذه الجنة تئنُّ تحت وطأة التنكيل الهندي بحق سكانها ذوي الأغلبية المسلمة.
تمتد كشمير على مساحة تقدر بنحو 222 ألف كيلومتر مربع، وتنقسم إلى 3 مناطق، تسيطر الهند على نحو 106.5 ألف كيلومتر مربع، ويسمى «جامو وكشمير»، وهو ذو أغلبية مسلمة، بينما يتبع باكستان نحو 78 ألف كيلومتر مربع، ويسمى «آزاد كشمير»، وتسيطر الصين على 38 ألف كيلومتر مربع يسمى «أكساي تشين» إلى جانب منطقة تقع بين مرتفعات «كاراكوروم» تنازلت عنها باكستان للصين.
تتنازع الهند وباكستان من جهة على إقليم كشمير؛ إذ تتجاهل الأولى قواعد التقسيم بضم الولايات ذات الأغلبية المسلمة إلى باكستان، وتتهم الأخيرة باحتلال جزء من أراضيها، ومن جانب آخر تتنازع الهند والصين حول «هضبة أكساي تشين»، ففي عام 1962م دخلت الصين على الخط وسيطرت على منطقة «أكساي تشين».
يقدر سكان كشمير في الجانبين الهندي والباكستاني بنحو 13 مليون نسمة، من أجناس متعددة، منها آريون ومغول وأفغان وأتراك، يتحدثون عدة لغات كالكشميرية والهندية والأوردو.
تتمتع ولاية «جامو وكشمير» بحكم ذاتي منذ عام 1954م، يمنحها خصوصية القوانين والعَلَم والسكان وفق المادة (370) من الدستور الهندي، لكن في 5 أغسطس 2019م ألغت الهند الحكم الذاتي للولاية التي يطوقها نحو 900 ألف جندي هندي، وفي أكتوبر 2020م أجرت تعديلات تسمح لغير سكان «جامو وكشمير» بشراء أراض بالولاية، سبقها في أبريل 2020م تشريعات تمنح صفة «مواطن محلي» لمن مكث 15 عاماً فيها، جرى تنفيذه فعلياً بمنح شهادة «مواطن محلي» لأكثر من 25 ألف شخص، وهي مساعٍ تهدد الأغلبية المسلمة وتضيق الخناق عليها؛ إذ يشكل المسلمون نحو 69%، والهندوس نحو 29% من إجمالي سكان الولاية، وفق إحصاء رسمي هندي في عام 2011م.
خلفية تاريخية:
مع رحيل الاحتلال البريطاني عام 1947م، وضع الإنجليز خطة لتقسيم شبه القارة الهندية (باكستان والهند) قسمين؛ الأول مسلم يضم الولايات ذات الأغلبية المسلمة، والثاني للهندوس، لكن حدثت مشكلة في ولايات جوناغر وحيدر آباد وكشمير، ففي الأولى تدخلت الهند بقواتها ونظمت استفتاء انتهى بانضمام جوناغر للهند؛ الأمر نفسه تكرر مع حيدر آباد؛ إذ ضمتها الهند بالقوة، في 13 سبتمبر 1948م.
أما كشمير فحاكمها الهندوسي هاري سينغ ارتمى في أحضان الهند متجاهلاً رغبة الأغلبية المسلمة وقواعد التقسيم، وتدخلت الهند عسكرياً واحتلت ثلثي الولاية عام 1947م، وتدخلت باكستان واستمر القتال حتى يناير 1949م، حينها أصدر مجلس الأمن قراراً، في أغسطس 1948م، يدعو لوقف إطلاق النار وإجراء استفتاء لتقرير مصير كشمير لكنه لم يتم حتى الآن.
في عام 1965م، تجددت المواجهة بين الهند وباكستان، ثم تكررت في عام 1971م عندما اتهمت باكستان الهند بدعم باكستان الشرقية (بنجلاديش) التي انفصلت في العام نفسه، وفي عام 1972م وقعت معاهدة «شِملا» بين الطرفين، ونصت على اعتبار خط وقف إطلاق النار، الموقع في 17 ديسمبر 1971م، خط هدنة بين الطرفين.
استمر التنكيل الهندي بمسلمي «جامو وكشمير» ليتجاوز ضحاياها نصف مليون، من بينهم 250 ألفاً قتلوا في يوم واحد يُعرف بـ»اليوم الأسود» لكشمير، بحسب سردار مسعود خان، رئيس «آزاد كشمير»، في حوار مع «الأناضول»، قال: إن القوات الهندية دخلت «سريناجار» عاصمة الولاية، في 27 أكتوبر 1947م، وقتلت 250 ألف مسلم!
الروهنجيا.. معاناة التغييب مرتين
«أكياب» أهم مدن آراكان أصبحت «سيتوي» ضمن موجة التغيير الديموغرافي وحالياً أغلبها بوذيون
في عام 1942م تعرضوا لمذبحة ذهب ضحيتها 100 ألف بدعم من اليابانيين
بين وطن أُخرجوا منه لا يحملون سوى أرواحهم المثقلة بالجروح، حفاة تتثاقل أقدامهم في رحلة الهروب تذل حيناً فوق الحصى وأحياناً في وحل النهر، وبين شتات ضاق على ألمه فأبى إلا أن يغيبهم مرة أخرى إلى جزيرة نائية فتكون عزلة من الوطن وعزلة في الشتات، في هذا الواقع المرير تمتد معاناة المسلمين الروهنجيا، فلا استغاثة تلقى صدى، أو صرخة توقف المعاناة، فما قصتهم التاريخية؟
الروهنجيا، العرقية المسلمة التي تشكل السكان الأصليين لمملكة آراكان، التي أصبحت لاحقاً إحدى ولايات بورما، وكان الروهنجيا يمثلون العرقية الثانية في البلاد من حيث العدد قبل تصفية وجودهم.
آراكان، ولاية في غرب ميانمار، كانت مملكة مستقلة احتلتها بورما، تطل على خليج البنغال وتجاور بنجلاديش من الشمال الغربي بحدود طولها 150 كيلومتراً، يفصل بينهما نهر ناف، بينما تفصلها عن بقية ولايات ميانمار جبال «أركان يوما».
ميانمار (بورما)، تقع جنوب شرقي آسيا، تتكون من حوالي 145 عرقية، عرفت بهذا الاسم منذ عام 1989م بعد تغيير اسم الدولة من بورما إلى ميانمار.
تنتهج ميانمار سياسة محو الأثر، فمدينة «أكياب» أهم مدن آراكان أصبح اسمها «سيتوي» ضمن موجة التغيير الديموغرافي، وحالياً أغلب سكانها من البوذيين، إلى جانب حرق قرى الروهنجيا والمجيء بالبوذيين لتوطينهم محل الروهنجيا.
سكان آراكان كانوا نحو 4 ملايين نسمة، غالبيتهم من مسلمي الروهنجيا، تناقصوا بفعل عمليات التهجير القسري المتكرر، وبقي منهم أقل من نصف مليون، لك أن تتخيل أن نحو 740 ألفاً فروا فقط بعد الهجمة العسكرية، في 25 أغسطس 2017م، بحسب تقارير أممية.
آراكان التاريخية تكونت من مقاطعتي «تشيتاجونج» جنوب بنجلاديش حالياً، وولاية «راخين» غرب ميانمار، غير أن الأولى انتزعت منها بعد غزو المغول لها عام 1666م، وآراكان غنية بالموارد الطبيعية والأراضي الخصبة؛ ما جعلها مطمعاً لجيرانها، حتى احتلتها بورما عام 1784م.
دخول الإسلام:
يقال: إن آراكان عرفت الإسلام في عهد هارون الرشيد عام 172هـ، ورواية تقول: إنه ما بين عامي 788 و810م تحطمت سفن تجار مسلمين أثناء توجههم إلى جنوب شرقي آسيا، فلجأ من نجا منهم إلى جزيرة «راهمبري» بخليج البنغال قرب آراكان، فاختار بعضهم العيش بالجزيرة من خلال التزاوج مع السكان المحليين، ودعوهم إلى الإسلام، وساهموا في التجارة البحرية لآراكان ما وفر لهم تسهيلات ومكانة بين أهلها، وفي عام 1430م دفع السلطان البنجالي بجيش قوامه 70 ألفاً لطرد المون والبورمان من آراكان، استجابة لاستغاثة ملكها، بقي بعضهم مع أسرهم في آراكان لحمايتها، وهذه كانت أكبر موجة لدخول الإسلام إلى آراكان، وبمرور الوقت تمت أسلمة آراكان على يد الملك سليمان شاه.
منذ احتلالها، بدأت بورما تشريد سكان آراكان المسلمين، ففي عام 1942م تعرض الروهنجيا لمذبحة مروعة ذهب ضحيتها قرابة 100 ألف، وذلك بدعم اليابانيين أثناء احتلالهم بورما، وبعد استقلالها عام 1948م بدأت مراحل جديدة من تصفية وتشريد الروهنجيا، وتجريد من المواطنة بموجب قانون الجنسية عام 1982م؛ بحجة أنهم مهاجرون غير شرعيين من بنجلاديش، ونحو 38 حملة عسكرية لتصفيتهم!