العنوان ألاعيب شارون وخريطة الطريق
الكاتب عبد الرحمن فرحانة
تاريخ النشر السبت 31-مايو-2003
مشاهدات 85
نشر في العدد 1553
نشر في الصفحة 31
السبت 31-مايو-2003
يعجب المرء للحماسة العربية للعبة السياسية السيريالة الجديدة المسماة «خريطة الطريق» وتفاني بعض الأطراف في تهيئة الظروف لانطلاقها، برغم أن الطرف الصهيوني تردد كثيرًا في قبولها، إذ لديه ١٤ تحفظًا عليها، معظم المراقبين على ضفتي الصراع سواء العرب منهم أو الصهاينة يرون أن شارون ليس جادًا في تعاطيه مع «خريطة التيه» هذه، وعلى وجه الخصوص يبدو مشهد الحيرة أكثر وضوحًا في الضفة الصهيونية. وفي هذا الإطار أبدى الكثير من المحللين الصهاينة تساؤلات ترددت مرارًا في الصحافة العبرية مفادها: ما السياسة الحقيقية لحكومة «إسرائيل» في النزاع مع الفلسطينيين في الوقت الراهن؟ هل هي تستهدف الوصول إلى حلول صغيرة وجزئية؟ أم أنها ترغب بمواصلة الصراع كما هو الحال على النسق الجاري؟ أم أن النية تتجه لإحداث انهيار في المجتمع الفلسطيني وعدم السماح له بأي إنجاز سياسي أو غيره؟
زئيف شيف المحلل الصهيوني يحاول الإجابة عن تلك التساؤلات، مبينًا عدم جدية شارون في التعاطي السياسي الحقيقي مع الخريطة، ويذكر أن هدف شارون في المرحلة الحالية يستهدف:
- صناعة انطباع وهمي في واشنطن بقبوله الخريطة لكي يتجنب الحرج مع بوش وكذلك لينقذ بوش من حرجه أيضًا مع بعض الأطراف العربية المتهافتة على الخريطة.
- المراوغة لإبعاد التهمة عن «إسرائيل» بإفشال خريطة الطريق وقذف الكرة في الملعب العربي والفلسطيني.
الإعلان الأمريكي عن قبول شارون لخريطة الطريق مقابل ضمانات أمريكية لأخذ التحفظات الصهيونية عليها بعين الاعتبار ربما يعبر عن لعبة مشتركة بين الطرفين لتحقيق أجندتيهما بحسب الآتي:
- تحرر هذه الصيغة التوافقية بوش من ضغط اللوبي الصهيوني وتؤدي إلى تحييده خاصة في ظل حاجته الماسة لدعم هذا اللوبي مع اقتراب الانتخابات الأمريكية.
- يوفر هذا التوافق -مع ما يتضمنه من ضمانات- غطاء يحتاجه لتسويق الخريطة في أوساط حكومته المتشددة.
- يقذف بالكرة إلى الملعب العربي والفلسطيني ويوفر المشروعية والدافعية للإدارة الأمريكية للضغط على الأطراف العربية والفلسطينية لتنفيذ الاستحقاقات المنوطة بخريطة الطريق وجوهرها ومحاصرة المقاومة تحت عنوان «محاربة الإرهاب».
التراجع المصري.. ولقاء القدس
وربما يسبب التراجع المصري عن استضافة حوار الفصائل الفلسطينية الذي فسر على أنه احتجاج مصري على عدم الجدية من الطرف الآخر لتردده بقبول الخريطة، وكذلك بسبب الصعوبات التي يواجهها أبو مازن ميدانيًا وسياسيًا في الساحة الفلسطينية، أظهر وزير الخارجية الصهيوني سلطان شالوم -كنوع من التنفيس - بعض المرونة الزائفة حينما قال خلال جلسة لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست: إننا مستعدون للدخول في المرحلة الأولى من خريطة الطريق رغم «الإرهاب»، ولا نطالب بإنجاز فوري على صعيد محاربة النشاط المسلح، لكنه استدرك بالقول: لكن على الفلسطينيين المبادرة في اتخاذ الإجراءات اللازمة لتفكيك البنية التحتية «للإرهاب».
بطبيعة الحال لا بد من الإشارة إلى خطوة سالفة على درب خريطة الطريق يجسدها اللقاء الذي تم بين شارون وأبو مازن في القدس، إذ شارك في اللقاء من الطرف الفلسطيني، رئيس المجلس التشريعي أحمد قريع ومحمد دحلان وزير الشؤون الأمنية للسلطة الفلسطينية ومن الطرف الصهيوني رافق شارون مدير مكتبه دوف فايسغلاس والسكرتير العسكري يؤاف غلانت والمستشار السياسي شالوم ترجمان، وكانت نتيجة هذا اللقاء الفشل بسبب طروحات الطرف الصهيوني المتحررة من برنامج خريطة الطريق، إذ اقترح شارون في هذا اللقاء تسليم شمال قطاع غزة لسيطرة السلطة بالإضافة إلى إحدى المناطق بالضفة الغربية لاختبار قدرة الأجهزة الأمنية الفلسطينية لضبط المقاومة، وفي حال نجاح السلطة يتم توسيع المساحة بإضافة مناطق أخرى. وفي هذه الغضون تستأنف المفاوضات السياسية مع وعد بتقديم تنازلات مؤلمة حسب زعم شارون. وفي مقابل ذلك طالب الطرف الفلسطيني شارون بالشروع بقبول خريطة الطريق رسميًا فرفض ذلك، إلّا أن القراءة الحقيقية للقاء تبدي أن هناك تفاهمات بين الطرفين من جملتها: توفير بعض التسهيلات للفلسطينيين من قِبَل قوات الاحتلال لتسويق وزارة أبو مازن شعبيًا، وستشترك في ذلك أطراف إقليمية عربية لتعزيز مكانة رئيس الوزراء الفلسطيني الجديد، بالإضافة لضرورة إمهال الصهاينة له لمدة ثلاثة أشهر لإعادة بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية لتتمكن من محاربة المقاومة.
وعودة على فقاعة شالوم التي أطلقها في الكنيست فهي تبدو كذبة كبيرة وسط العمل الاستيطاني المحموم بوتاثره العالية، والتذكير فقط فإن تجميد الاستيطان هو الاستحقاق المتطلب من الجانب الصهيوني. وفي هذا الشأن يذكر دان روینشتاين المحاضر في جامعة تل أبيب والخبير بالشؤون الفلسطينية أن البنية التحتية والمدنية والأمنية تعززت كثيرًا في الآونة الأخيرة وتحولت شبكات الكهرباء والماء وكافة الخدمات الخاصة بالمستوطنين إلى أجهزة مستقلة عن الفلسطينيين. ويعكس التعدد الاستيطاني للضفة الغربية بهذا الزخم تعاظم قوة المستوطنين داخل الحكومة الحالية، وهم شركاء لشارون وأعضاء حكومته في المعتقد السياسي والأيديولوجي الداعي للسيطرة الكاملة على أرض «إسرائيل» الكاملة حسب زعمهم وبالتالي فهي تركيبة وزارية يستحيل معها أن تتعاطى مع استحقاقات خريطة الطريق المتعلقة بتجميد الاستيطان.
وفي سياق مسلسل المعوقات الشارونية أعلى الصهاينة مؤخرًا عن ضبط سفينة صيد مصرية قبالة الناقورة وعلى متنها خبير أسلحة ثم تأهيله عند حزب الله اللبناني ومعه بعض الأسلحة والوثائق منها ٣٦ قرصًا للحاسوب تحتوي على معلومات تتعلق بإنتاج وسائل للتفجير وعمل الصواريخ ووحدات إلكترونية لتفجير العبوات الناسفة عن بعد، وتزعم سلطات الصهاينة أن السفينة كانت متوجهة إلى غزة للتعزيز النوعي لقاعدة «الإرهاب» وبغية الارتقاء في إنتاج الوسائل القتالية، وتدعى الأجهزة الأمنية الصهيونية أن المسؤولين عن إرسال هذه السفينة هما عادل مغربي «مقرب من عرفات» وفتحي رازم «نائب قائد القوة البحرية في قطاع غزة»، وهما الشخصان اللذان اتهما بحادثة سفينة «كارين إيه» وربما تكون الحادثة مفتعلة لخلق أجواء توحي بعدم جدية السلطة في التعاطي مع خريطة الطريق والخروج من صورة الرافض لهذه الخريطة، أو ربما تكون محاولة من شارون للضغط على عرفات وإسقاط ما تبقى له من شرعية لإضعافه أكثر لصالح أبو مازن، خاصة أن التقديرات الأمنية الصهيونية تشير إلى أن عرفات لا يدعم وزارة أبو مازن بل يعمل على إعاقة عملها.
وفي المحصلة فخريطة الطريق ما هي إلا كبسولة مهدئة يراد لها أن تتفاعل مع صراع مزمن، لكن جرعتها كانت في الزمن الخطأ بتركيبة خاطئة مع أطراف غير قادرين أو غير مناسبين في الوقت الراهن، ويعبر عن ذلك شلومو بن عامي وزير الخارجية الصهيوني الأسبق إذ يقول لا يتوافر عند الطرفين حاليًا من يقدر على استحقاقات المنح واستحقاقات التلقي.