; ألبانيا.. مآسي الألبان في بلاد اليونان | مجلة المجتمع

العنوان ألبانيا.. مآسي الألبان في بلاد اليونان

الكاتب د.حمزة زوبع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-ديسمبر-1996

مشاهدات 73

نشر في العدد 1231

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 24-ديسمبر-1996

▪ اليونان تشترط على كل ألباني مسلم يريد أن يحصل على تأشيرة دخول لليونان أن يغير دينه واسمه

رغم ما يبدو من سخرية العنوان، إلا أن السخرية الحقيقية تكمن فيما لمسه المرء وما سمعه من قصص يشيب لها الولدان ، فدولة اليونان التي احتضنت قبل شهور قليلة ذلك المنتدى حول التعذيب وحقوق الإنسان، والذي تعرضت له المجتمع بالتحليل، هي نفسها التي ستكشف عنها غطاءها اليوم في تعاملها مع شعب مسلم كريم من أقدم شعوب أوروبا قاطبة، ولست بذلك منحازًا للألبان وإن كان من واجبي ومن حقهم عليَّ، إلا أن قراءة بسيطة لأحداث تجري بين ألبانيا واليونان يخرج المرء منها بنتيجة واحدة أن اليونان دولة مسيحية متعصبة جدًا.

وحين سمعت ما يحدث للألبان قبل وعند وبعد سفرهم لليونان، عدت بالذاكرة للوراء أيام الجامعة في مصر والإجازة الصيفية واندفاع الشباب للسفر لليونان للعمل في الإجازة، وتذكرت أن كل من كان يمنح الفيزا للسفر كان من المسيحيين فقط!!!

▪ الواقع السياسي

تشهد العلاقات الألبانية اليونانية أحسن فتراتها على مدار العلاقات الثنائية بين البلدين منذ عام ۱۹۷۱م «العام الذي تم فيه التطبيع السياسي بين البلدين» وتقول المذكرات التي خرجت من أرشيف وزارة الخارجية الألبانية مؤخرًا أن محاولات عدة قد بذلت لحث الطرفين للجلوس للتفاوض حول التطبيع السياسي بين الجارتين بدأت في ١٩٦١م، ولكن المفاجأة كانت في طلب اليونان ضم موضوع الحكم الذاتي لجنوب ألبانيا إلى جدول الأعمال ومذكرة التفاهم، ومن العجب أن تطلب اليونان ذلك من ألمانيا رغم أن شمال اليونان تاريخيًا كان جزءً من اليابان وما زال الـ«شامور» الألبان يعيشون ذكرى بلادهم التي طردهم منها اليونانيون، ورغم كل المحاولات التي بذلت بوساطات بعضها كان من نواب يونانيين في البرلمان اليوناني، إلا أن محاولة منها لم تنجح حتى جاء حكم العسكر في اليونان في مايو ۱۹۷۱م وتم تطبيع العلاقات مع ألبانيا، ورغم التطبيع إلا أن الطموح اليوناني لم يتوقف يومًا خصوصًا بعد نهاية العصر الشيوعي في ألبانيا في بداية التسعينيات، فقد بدأت المناوشات اليونانية ولم تنقطع رغم مظاهر الصلح والسلم التي قد تبدو في تصريحات السياسيين من الجانبين.

فاليونان التي تحتوي ما يزيد على ثلاثمائة ألف ألباني يعملون فيها ويمثلون مصدرًا رخيصًا للعمالة في اليونان مقارنة بالعمالة من بلاد أخرى، لم توفق أوضاع العمال الألبان حتى اليوم وعند أول أزمة يكون العمال والمهاجرون الألبان هم الضحية، ولا زالت ذكرى تلك الأزمة التي حدثت بين البلدين قائمة حيث اعتدى ضباط الحدود اليونان على دورية للحرس الألباني وقتلوا اثنين من الجنود الألبان وتدهور الموقف، وعلى إثر ذلك قامت اليونان بطرد أربعين ألفًا من العمال الألبان، ودفعت بهم إلى الحدود مع ألبانيا في ليلة واحدة للضغط عليها، وفي تلك الأثناء أعلنت تركيا وقوفها مع ألبانيا ضد أي اعتداء مما دفع اليونانيين إلى التراجع وتدخلت دول عدة من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، بيد أن اليونان ومن خلال المجموعة الأوروبية تمكنت من تعطيل قروض ومساعدات رصدتها المجموعة لألبانيا، بل وصل الأمر إلى أن المساعدات التي خصصتها المجموعة الأوروبية تم توجيهها إلى تطوير الطرق والمواصلات والاتصالات مع اليونان، وبعد أكثر من عامين بدأ العمل في هذا المشروع وتولته شركات يونانية لتأكيد أهمية الجنوب لدى اليونان وليظل مرتبطًا باليونان لتؤكد المزاعم اليونانية في الجنوب الألباني.

▪ التوغل اليوناني في جنوب ألبانيا

تمثل المدن السياحية الجنوبية أرضًا خصبة للتوغل اليوناني وخصوصًا منها «سارندة- جيروكاسترا- كوشا» ورغم أن نسبة السكان المسيحيين في الجنوب ليست هي الأغلبية إلا أن المحاولات اليونانية قد أضفت الشكل المسيحي «الأرثوذكسي»، حتى بات متعارفًا أن الجنوب الألباني يشكل التجمع المسيحي الأرثوذكسي رغم أن هناك محافظات أخرى نسبة المسيحيين بها أكثر من تلك التي في الجنوب.

جولة واحدة في مدينة «سارندة الجنوبية» تكفي للحكم للقول بأنك في مدينة يونانية نائية فالتعامل بالدراخمة اليونانية هو السائد ومعظم البضائع إن لم تكن كلها يونانية، ويكفيك أن ترى طوابير الألبان أمام القنصلية اليونانية في الجنوب منذ الصباح الباكر يوميًا في انتظار الحظ السعيد الذي سيأتيهم مع تأشيرة الدخول إلى اليونان.

ورغم الحرية المزعومة وشعارات حقوق الإنسان وحقه في الحياة إلا أن اليونانيين ينظرون بانزعاج شديد إلى المسلمين في ألبانيا وتزايد عدد المسلمين (85%) بالنسبة للمسيحيين وخصوصًا الأرثوذكس منهم، وهذا مما دفع اليونان قديمًا وحديثًا إلى وضع شروط عجيبة لم يأت بها أحد من قبلهم لمنح تأشيرة الدخول إليهم، لقد اشترط اليونانيون لأي ألباني أن يقوم بتغيير اسمه وديانته إن كان يرغب في ذلك، ولما كان الأمر جد خطير تبين لنا أن المسألة لم تكن مجرد تاريخ انهار مع معطيات الحرية والحضارة والتغيرات التي حدثت في العالم الآن، بل ثبت أن الواقع الحالي أشد مرارة من التاريخ القريب والبعيد، فما زالت القنصلية اليونانية في الجنوب تضع نفس الشروط لمنح التأشيرة رغم أن الأمر لم يقتصر على المواطنين العاديين وتعداهم إلى بعض موظفي الدولة، إلا أن شيئًا لم يتغير ولم تقم الدنيا وتقعد من أجل حقوق الإنسان الألباني.

والأمر ليس سرًا ولا حديثًا خاصًا، بل إن الأمر أصبح مشاعًا يرويه القاصي والداني، ومن بين ذلك حكاية ذلك الشاب الألباني الذي كان يعمل سائقًا لشاحنة ألبانية تحمل البضائع من اليونان إلى ألبانيا، وكان يدعى أديسون حسن وكان عليه أن يغير اسمه إلى ساميتيس ويدين بالمسيحية الأرثوذكسية حتى يتمكن من الحصول على الفيزا، بيد أن الأمر لم يقتصر على ذلك، بل إن جدة حسن العجوز كانت دائمًا تعطيه بعض الأوراد ومصحفًا صغيرًا يضعه معه، ولكن اليونانيين على الحدود سألوه ما هذا؟ فأخطأ وقال لهم قرآن كريم، فما كان منهم إلا أن مزقوه وألقوه في الأرض وهددوه بعدم الدخول إلى الأراضي اليونانية مرة أخرى إن حمل معه هذا القرآن.

▪ عنصرية يونانية

لا يكاد يمر يوم إلا ونسمع عن أحداث تعرض لها الألبان في اليونان من اتهام بالقتل والسرقة أو الاختلاس، وما يكاد يسمع عن مصيبة إلا والبوليس اليوناني يقوم باعتقال المئات من الألبان بحجة أنهم منظمو الجريمة، ثم يثبت عكس ذلك، مما دفع بوزير الخارجية اليوناني السابق إلى مناشدة البوليس والصحافة اليونانية بعدم التعامل بعنصرية مع الجالية الألبانية خصوصًا وأنها مصدر رخيص جدًا للعمالة التي توفر ملايين الدولارات سنويًا للاقتصاد اليوناني.

▪ استغلال اقتصادي

قامت اليونان بفتح بنكين لها في ألبانيا أحدهما فرع للبنك الوطني اليوناني والآخر خاص، وذلك لضمان تحويل مدخرات العاملين الألبان من خلالهما، مما يمثل ضغطًا على ألبانيا في حالة حدوث أي خلاف سياسي، وذلك متوقع في أي وقت.

ورغم أن تحويلات الألبان تمر عبر بوابة البنوك اليونانية، إلا أن اليونانيين لم يكتفوا بذلك، بل وعلى حد تعبير مجلة الأوبزرفر الألبانية «غزو يوناني لألبانيا» قالت المجلة إن أكثر من ۱۲۰ شركة يونانية تعمل في ألبانيا وتربح ٤٨ مليون دولار سنويًا.

ورغم إخلاص العمال الألبان لأرباب العمل في اليونان، إلا أن نسبة تتجاوز الـ ٨٠٪ من هذه العمالة لم تسوِ أوضاعها ولم تحصل على إقامة شرعية ولا تصريح عمل رغم اللقاءات المتكررة بين الجانبين، ورغم الشروط التي وضعها اليونانيون مؤخرًا كشرط لتحسين وضعية العمالة الألبانية في اليونان، فقد اشترط اليونانيون فتح مقر للقنصلية في مدينة جنوبية أخرى، وكذلك التصريح بفتح مدارس يونانية للأقلية اليونانية ليس في الجنوب، بل وفي وسط العاصمة تيرانا، وذلك على غرار المدرسة التركية في العاصمة الألبانية تيرانا.

وهكذا يظل الرقم التركي هو الحاضر الغائب في العلاقة بين اليونان وألبانيا، وقد يتدخل العامل الأوروبي لصالح اليونانيين عند اللزوم.

الرابط المختصر :