; ألغام اللحظات الأخيرة قبل تسليم السلطة في مصر | مجلة المجتمع

العنوان ألغام اللحظات الأخيرة قبل تسليم السلطة في مصر

الكاتب مؤمن الهباء

تاريخ النشر الجمعة 18-مايو-2012

مشاهدات 87

نشر في العدد 2002

نشر في الصفحة 25

الجمعة 18-مايو-2012

«أحداث العباسية» جرس إنذار.. والقادم أصعب

اتهامات وشكوك وصراعات تهدد مسار الثورة

خيارات مفتوحة تنذر بانقلاب عسكري أو إلغاء انتخابات الرئاسة

بعض الأحزاب الليبرالية تراهن على أن العسكري لن يسلم السلطة حتى لو انتخب الرئيس.. فهو موجود وسيحكم من وراء حجاب لمدة 10 سنوات على الأقل.. ومن ثم فهي تحتمي به في مواجهة أحزاب الأغلبية الإسلامية

أقل من خمسين يومًا فقط ويسدل الستار على نهاية المرحلة الانتقالية التي يقودها المجلس العسكري في أعقاب الثورة المصرية وتنحي الرئيس المخلوع «حسني مبارك»، ووفقًا للجدول الزمني، فإن المجلس العسكري سيسلم السلطة في 30 يونيو القادم للرئيس المنتخب.. لكن التطورات السريعة التي تشهدها الساحة المصرية حاليًا تنبئ بأن الأيام القادمة تحمل رياحًا وأعاصير خطيرة يشعر بها الجميع ويتحسبون لنتائجها التي قد تغير وجه الحياة تمامًا في مصر وتقودها إلى المجهول.

كل القيادات العسكرية والسياسية والحزبية تتحدث عن الخيارات المفتوحة... العسكريون يشيرون إلى هذه الخيارات بلغة التهديد والوعيد.. والليبراليون يؤكدون عليها تأكيد الواثق المتيقن بلغة التشفي في الإسلاميين الذين ستأتي هذه الخيارات ضدهم.. ربما تكون انقلابًا عسكريًّا يطيح بالمسار الديموقراطي، وربما تكون مجرد صدام مع المجلس العسكري يؤدي إلى إلغاء الانتخابات، وحل مجلسي الشعب والشورى اللذين يمتلك الإخوان المسلمون والسلفيون الأغلبية فيهما.. بينما يتحدث الإسلاميون عن الخيارات المفتوحة بلغة المشفق من التجربة الخائف من المفاجآت غير السارة.

ألغام مخيفة

لا أحد يعرف على وجه اليقين ماذا سيحدث في مصر غدًا؟! لكن الجميع يعرف يقينًا أن الأجواء معبأة بالشكوك والتربص والضغائن، وهذه الأجواء سوف تتمخض في يوم ما عن كارثة أو مجموعة كوارث؛ فما حدث في العباسية، مجرد جرس إنذار والقادم أصعب، وهناك عدة ألغام مزروعة في كل الطرقات كي تنفجر في اللحظات الأخيرة دفعة واحدة وبالتالي تعود مصر إلى نقطة الصفر، وتبدأ مسيرة الثورة من جديد في طريق مختلف لا يعلمه إلا الله عز وجل، وهذه الألغام كثيرة ومتنوعة ومخيفة، ومنها:

* المصادمات التي وقعت في منطقة العباسية ومحيط وزارة الدفاع بين المعتصمين والمتظاهرين ووحدات من الشرطة العسكرية وما ترتب عليها من سقوط 13 شهيدًا من بينهم مجند بدرجة عريف بالإضافة إلى مئات المصابين، واعتقال أكثر من 200 متظاهر سيقدمون إلى محاكمات عسكرية استثنائية، بينما لم يتم القبض على أي من المتهمين بقتل المعتصمين السلميين الذين تم تصويرهم بالفيديو قبل أن تتحول المواجهة إلى مصادمات عنيفة.

وهناك شكوك كبيرة لدى قطاعات من القوى الثورية بأن جهات قريبة من المجلس العسكري أو من سلطات الأمن هي التي دبرت وخططت ومولت الهجوم المسلح على المعتصمين يوم الأربعاء (2/5)، والمعروف به الأربعاء الحزين نظرًا لسقوط 11 قتيلًا على يد من يوصفون عادة به البلطجية.. وبينما يتهم المجلس العسكري المتظاهرين من أنصار الشيخ «حازم صلاح أبو إسماعيل» المرشح المستبعد من انتخابات الرئاسة، و«جماعة 6 أبريل» بالرغبة في اقتحام عرينه وكسر هيبته بالاقتراب من مبنى وزارة الدفاع وافتعال معركة مع الجيش لعرقلة الانتخابات الرئاسية، وإحداث حالة من الفوضى في البلاد.. توجه القوى المشاركة في الاعتصام والتظاهر اتهامًا قويًّا للمجلس العسكري بالرغبة في التصعيد، وقهر الثوار، وقمع الأصوات التي تنادي بسقوط حكم العسكر وضرورة تسليم السلطة في الموعد المحدد. والالتزام بعدم تزوير الانتخابات الرئاسية، وتعديل المادة (28) من الإعلان الدستوري التي تحصن قرارات لجنة الانتخابات الرئاسية ضد الطعون، وتغيير المستشار «سلطان» رئيس المحكمة الدستورية ورئيس اللجنة العليا المشرفة على الانتخابات الذي يتخوف كثيرون من إمكانية تزوير الانتخابات على يديه لتأتي بمن يريده المجلس العسكري ليحكم البلاد.

* الأزمة بين مجلس الشعب وحكومة «د. كمال الجنزوري» التي وصلت إلى طريق مسدود، بعد أن انجاز المجلس العسكري إلى الحكومة، ورفض إقالتها، أو إجراء أي تعديل عليها، كما تقضي التقاليد الديمقراطية بالنسبة لحكومة أسقطها البرلمان وسحب الثقة منها، ويرى أعضاء البرلمان - وخصوصًا نواب التيار الإسلامي - أن المجلس العسكري تعمد إهانتهم وكسر كبريائهم في نظر الجماهير التي انتخبتهم وإظهارهم بمظهر العاجز عن إصلاح أي شيء.

* اللغم الثالث يتعلق بتشكيل الجمعية التأسيسية لوضع الدستور التي أصبحت عرضة للتقلبات العنيفة التي تفرضها حالة الاستقطاب الشديدة بين الإسلاميين أصحاب الأغلبية البرلمانية والليبراليين والعلمانيين الذين يمارسون دكتاتورية الأقلية بمساندة كاملة من الحكومة والمجلس العسكري.. وهناك كثيرون يرون أن المجلس العسكري هو من دفع بالأطراف المناوئة إلى استصدار حكم من المحكمة الإدارية بوقف الجمعية التأسيسية التي شكلها البرلمان؛ بهدف تأخير وضع الدستور، وبالتالي تأخير تسليم السلطة.. وقد رفضت اللجنة التشريعية بمجلس الشعب المعايير التي توصل إليها بعض الأحزاب في اجتماعهم مع المجلس العسكري، وقالت اللجنة بكل وضوح لا دخل للمجلس العسكري بهذا الأمر، ولا يحق له أن يتدخل في الأمور السياسية مطلقًا بينما هناك من يطالب المجلس العسكري بإلغاء البرلمان وتشكيل لجنة خاصة.

اللغم الرابع يتعلق بالشكوك المتزايدة حول نية المجلس العسكري في تسليم السلطة فعليًّا في 30 يونيو حسب الجدول المعلن، وقد خرجت المظاهرات المليونية في ميدان التحرير وفي الميادين الكبرى بالمحافظات؛ لإلزام المجلس العسكري بتسليم السلطة للرئيس المنتخب في الموعد المحدد، وتتبادل الأحزاب والقوى السياسية الاتهامات بشأن صفقات مع المجلس العسكري للبقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة حتى يتم التوصل إلى اتفاق بشأن الخروج الآمن للقيادات العسكرية.

الانفلات الأمني: لغم خطير قد ينفجر في أي لحظة، ويتسبب في نتائج وخيمة، فرغم التصريحات العديدة والالتزامات المتكررة فإن الأمن ما زال مفقودًا، وما زال الناس يضربون أخماسًا في أسداس حول أسباب غياب الأمن وتثار شكوك عديدة في هذا الصدد.

البعض يروج أن قيادات وزارة الداخلية غير جادة في إنجاز برنامج إعادة الهيكلة وتطهير صفوفها حتى ينطلق رجال الأمن بمهامهم الجديدة، وفق عقيدة جديدة تنتمي للشعب، وتكون في خدمته، ولا تنتمي للفرعون وتدور حول كرسيه، وهناك شكوك بأن الانفلات الأمني مقصود حتى تظل أعصاب الناس مشدودة وتترسخ بداخلهم كراهية للثورة التي أحدثت هذا الانفلات وتسببت في خسائر لهم وربما يؤدي ذلك إلى تمسكهم بالمجلس العسكري الذي يقدم نفسه على أنه الضمان الأكبر لضبط الأمن بعد انهيار المنظومة الأمنية بالكامل أثناء الثورة.

وهناك شكوك أخرى بأن الانفلات الأمني متروك بالقصد خدمة لمرشح الفلول الذي يعد الناس في كل مؤتمراته أنه القوي القادر على استعادة الأمن وردع الخارجين على القانون، وفي كل الأحوال فإن استمرار غياب الأمن يشكل لغمًا كبيرًا سريع الانفجار في وجه الجميع، حتى أولئك الذين يتصورون أنهم يوظفونه لصالحهم.

ويمثل الصراع السياسي بين الأحزاب والتيارات أخطر هذه الألغام قاطبة، خصوصًا أن هذه الأحزاب والتيارات جميعًا تعاني من الانقسام والتشرذم بمرور الأيام ومع اقتراب مشهد النهاية بإجراء الانتخابات الرئاسية وتسليم السلطة من المجلس العسكري إلى الرئيس المنتخب... بعض الأحزاب الليبرالية تراهن على أن المجلس العسكري لن يسلم السلطة مطلقًا حتى لو انتخب الرئيس؛ فهو موجود وسيحكم من وراء حجاب لمدة 10 سنوات على الأقل، ومن ثم فهي تحتمي به في مواجهة أحزاب الأغلبية الإسلامية، بل إنها تحرضه صراحة ضد الأحزاب الإسلامية، داعية في سبيل ذلك إلى حل هذه الأحزاب ذات المرجعية الدينية المخالفة للقانون على نحو ما ترى، أو داعية بشكل سافر إلى انقلاب عسكري يعيد التيار الإسلامي إلى الحظر والنزول تحت الأرض.

وهناك قوى سياسية تسعى إلى تعطيل الانتخابات الرئاسية والدعوة إلى مسار جديد مغاير يبدأ بمجلس رئاسي معين أو توافقي مع المجلس العسكري، ثم وضع الدستور، ثم إجراء انتخابات برلمانية جديدة.

وليس مهمًّا العودة بالبلد إلى المربع صفر وإنما المهم حرمان الإسلاميين من الأغلبية التي انعقدت لهم بإرادة الشعب، وليس مهمًّا الانقلاب على الديمقراطية من جانب الذين يدعون أنهم ليبراليون وديمقراطيون - د. محمد البرادعي والملتفون حوله نموذجًا - وإنما المهم أن يرحل الإسلاميون عن مواقع السلطة بأي شكل طبقًا للميثاق الذي وضعه الإنجليز المحتلون منذ ما يقرب من قرن ونصف قرن.. والإسلاميون يدركون هذه الحقيقة المرة، ولديهم عزيمة قوية لمواجهتها بإرادة الشعب الذي اختارهم و ساندهم مهما كان التهديد الذي يتعرضون له.

وقد حمل البيان الذي أصدرته جماعة الإخوان المسلمين في أعقاب مصادمات العباسية رسالة إلى الشعب المصري بأن يحرص على إنجاح ثورته العظيمة وتحقيق أهدافها، وعدم السماح بالانقلاب عليها.

كما طالب البيان المجلس العسكري بسرعة إظهار الحقائق في كل الأحداث التي جرت وتحقيق أهداف ومطالب الثورة، والوقوف أمام أي محاولات لإعادة إنتاج النظام السابق بكل وضوح وشفافية.. وهي كما ترى عبارات قصيرة لكنها تحمل مغزى كبيرًا؛ مغزى الشك والخوف والحذر وعدم الشعور بالأمان، وهذه سمة اللحظات الأخيرة القلقة المعبأة بالمفاجآت التي تعيشها مصر حاليًا.

الرابط المختصر :