الأحد 02-فبراير-1992
كانت ألمانيا أسرع دول الغرب تفاعلًا مع
أحداث الشرق مما وسع نفوذها الأوروبي بشكل ملموس.
تنصب الجهود الألمانية على ترتيب البيت
الأوروبي باتجاه قيام قطب جديد في مستقبل الخارطة السياسية العالمية.
لا مكان لدولة أو منطقة إقليمية في النظام
العالمي في الغد.. دون كتلة أكبر تعتمد عليها من ورائها.
أثارت السياسة الخارجية الألمانية في
الأشهر الأخيرة- خاصة- حفيظة الحلفاء الغربيين وانعكس ذلك في الإعراب عن المخاوف
المرافقة للخطوات الألمانية المختلفة على المستويين السياسي والإعلامي ويظهر من
هذه المخاوف أنها لا تستند إلى تضارب المصالح بالصورة التقليدية في العلاقات
الدولية المعاصرة بل تجمع بين هذا وبين الآثار الباقية للتجارب التاريخية السلبية
مع الألمان من جهة وآثار الفكر القومي من جهة أخرى والذي لا يزال يلعب دوره على
الصعيد الأوروبي رغم مرور أربعين سنة على محاولات التغلب عليه من خلال تكثيف شبكة
العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الأوروبية باتجاه توحيد المصير كقوة
جامعة مقابل النزاعات القومية المفرقة.
الآثار المرئية للسياسة الألمانية
كثيرًا ما يبدو التناقض في ردود الفعل
الأوروبية على المواقف الألمانية فقد كان النقد شديدًا إزاء التردد الألماني في
حرب الخليج كما كان شديدًا أيضًا إزاء التحرك الألماني السريع على صعيد الأزمة
اليوغوسلافية أما الموقف الألماني مقابل ذلك فيمكن وصفه بالعمل على الجمع بين
مراعاة هذه المخاوف شكليًا من خلال إدراك وجودها ورصدها والتأكيد على عدم استنادها
إلى مبرر واقعي وبين التصميم على متابعة النهج السياسي الخارجي الألماني المتميز
بالاعتماد على القوة الاقتصادية في الغرب لتوسيع النفوذ الألماني المتنامي شرقيًا،
والاعتماد على هذا النفوذ أيضًا لتنمية القوة القيادية داخل الرابطة الأوروبية في
الغرب إلى جانب إعطاء المكانة الاقتصادية العالمية لألمانيا الموحدة محتوى سياسيًا
تظهر معالمه تدريجيًا.
لقد كانت ألمانيا أسرع الدول الغربية إلى
التفاعل الإيجابي مع أحداث الشرق وأدى ذلك إلى اكتسابها موقعًا متقدمًا على صعيد
العلاقات الجديدة مع الدول الناشئة عن انهيار المعسكر الشرقي مما لا يقف عند حدود
أوكرانيا وروسيا، بل يمتد من دول البلطيق الثلاثة إلى دولتي كرواتيا وسلوفينيا في
منطقة البلقان مرورًا ببولندا والمجر وتشيكوسلوفاكيا التي كانت من الأصل ذات
علاقات اقتصادية وثيقة مع ألمانيا ولم يقتصر هذا التحرك على انتشار الاستثمارات
الألمانية وعلى تقديم القروض التي تجاوز حجمها نصف مجموع ما قدمته سائر الدول
الغربية معًا في السنوات السبع الماضية بل ظهر ذلك أيضًا على المستوى السياسي..
ولم يكن من قبيل المصادفة أن بون أول من
اعترف بروسيا وأوكرانيا والقوة الدافعة للاعتراف بكرواتيا وسلوفينيا وأول عاصمة
أوروبية يزورها يلتسين بعد أن أصبح انهيار الاتحاد السوفياتي محتمًا.. وقد بلغت
كثافة الزيارات المتبادلة مع زعماء بقية دول المعسكر الشرقي سابقًا أضعاف تلك
الزيارات مع بقية الدول الأوروبية الغربية مجتمعة وبرز مفعول ذلك على صعيد تثبيت
ما أرادته ألمانيا بالتعامل مع رابطة الدول المستقلة في الشرق خلال الاجتماعين
اللذين انعقدا لجدولة الديون في موسكو قبل شهرين وفي واشنطن قبل أيام كما برزت
الزعامة الألمانية للدول الأوربية في الخلاف مع الولايات المتحدة الأميركية في
مفاوضات الاتفاقية العامة للتجارة والجمارك برزت في تبني آخر اجتماع انعقد لوزراء
المالية ورؤساء المصارف المركزية في الدول الصناعية الغربية السبعة الرئيسية للنهج
الاقتصادي الألماني على صعيد ارتفاع سعر الفوائد والحد من التضخم مما كان رغم
الانتقادات السابقة من جانب الإدارة الأميركية.. ومن المعروف أخيرًا أنه لا يدور
الحديث عن تطوير الأمم المتحدة إلا ويرد اسم ألمانيا مع اليابان في معرض الترشيح
لمقعد دائم في مجلس الأمن الدولي.
من الخلفيات التاريخية
ولا تنقطع التأكيدات الرسمية في ألمانيا عن
ترديد أن مستقبلها السياسي مرتبط ارتباطًا مصيريًا بمستقبل أوروبا وأن اندماجها في
الغرب في إطار حلف شمال الأطلسي اندماج نهائي وأن نشاطها الكبير باتجاه الشرق مقيد
بتنشيط جهود الرابطة الأوروبية بمجموعها في الاتجاه نفسه ويستهدف تحرير المكانة
الأوروبية بالذات.
لكن التأكيدات وحدها لا تكفي لإزالة
المخاوف الراهنة.. وقد ظهرت في فرنسا فور تحقيق الوحدة الألمانية ولم تهدأ نسبيًا
إلا بعد التجاوب الألماني مع الرغبات الفرنسية على صعيد تميز أوروبا عسكريًا بقوة
مشتركة إلى جانب حلف شمال الأطلسي.. وظهرت بصورة علنية في لندن وواشنطن رغم السعي
الدائم لتجنب إثارة الموضوع بصورة رسمية.
ولابد في محاولة استطلاع الأبعاد
المستقبلية للزعامة الألمانية أوروبيًا وبروز الدور السياسي الجديد دوليًا ونتائج
ذلك في الحقبة القادمة من مراعاة ثلاثة عناصر رئيسية:
- أولها دور ألمانيا في زوال أزمة الشرق
والغرب وأهدافه البعيدة المدى.
- ثانيها آثار زوال هذه الأزمة بالنسبة إلى
ألمانيا الموحدة.
- ثالثها المرتكزات المنتظرة لنظام عالمي
جديد بعد مرحلة القطب الواحد الراهنة والرؤية الألمانية لهذه المرتكزات.
ولا يزال يسود الخلاف في الدراسات العلمية
التحليلية لمعاهد العلوم السياسية عند طرح السؤال هل كان ثنائي براندت شيل في
السبعينات الماضية وراء إعطاء سياسة الغرب دفعة جديدة صنعت الانفراج ثم الوفاق..
أم كان وراء ثنائي نيسكون- كيسينجر؟ وتكتسب هذه النظرة الآن حيوية جديدة على ضوء
ما تجدد من نقاش حول اغتيال الرئيس الأسبق كنيدي وترجيح النظرية القائلة إنه كان
بعد أزماته قد اتجه إلى الانفراج والحد من التسلح فأخر اغتياله بغض النظر عن
الملابسات والتفسير توجه واشنطن نحو الشرق أكثر من عشرة أعوام هي التي ظهر فيها
براندت المعروف بإعجابه بسياسة كنيدي منذ زيارة الأخير لبرلين أثناء وجود براندت
فيها كرئيس لمجلس البلدية الحاكم فسبقت خطواته مع استلام منصب المستشار الألماني
خطوات نيكسون ووزير خارجيته جنشر والمغزى من هذه الإشارة هو أن سياسة براندت شيل
تحركت اعتمادًا على تصورات سياسية ثابتة منذ مطلع القرن الميلادي الجاري تنطلق من
أن طاقة الإنتاج الألمانية لا مستقبل لها دون الاعتماد على الخامات والأسواق
الاستهلاكية في المنطقة الجغرافية الواسعة المجاورة في الشرق..
وهذا ما ينعكس الآن بأشد مظاهره في السياسة
الألمانية نحو الشرق فقد تبدلت الأسماء والعناوين ومعالم بعض الحدود ولم يتبدل
المحتوى، ولعل هذا هو المصدر الرئيسي للمخاوف الغربية من مستقبل الدور الألماني
أوروبيًا وعالميًا.. لاسيما وأن مثال يوغوسلافيا أظهر أن السياسة الخارجية
الألمانية لم تعد تتردد في تجاوز سائر المحظورات السابقة بدءًا بالتناقض مع واشنطن
وانتهاء باستخدام ثقلها الاقتصادي وسيلة ضغط على الشركاء الأوروبيين.
البيت الأوروبي والرؤية المستقبلية
إن الموجة الحماسية وراء قيام نظام عالمي
جديد بقطب واحد يقود دولًا ذات مصالح مشتركة عالميًا انحسرت بأسرع مما ظهرت به لاسيما
على مستوى ألمانيا التي توجهت نحو ترتيب البيت الأوروبي كقطب عالمي مرشح للقيام
بدور كبير في مستقبل الخارطة السياسية العالمية ومن معالم الجهود على هذا الطريق:
1- على مستوى
الرابطة بتوحيدها اقتصاديًا وتقاربها سياسيًا وتميزها عسكريًا.
2- على مستوى
أوروبا الغربية ككل بإنشاء كتلة تجارية كبرى من 19 دولة تمتلك زهاء 60% من مجموع
حركة التجارة الدولية.
3- على مستوى
القارة الأوروبية ككل بانفتاح سريع نسبيًا لتوسيع الرابطة على مراحل تبدأ في
النمسا ولا يبدو أنها ستقف قبل الوصول إلى روسيا شرقًا ومالطة جنوبًا.
4- على مستوى
العمق الآسيوي للقارة الأوروبية عبر اهتمام غير عادي ببقية البلدان الأعضاء في
رابطة الدول المستقلة لضبط علاقاتها مع أوروبا والحيلولة دون تأثرها سلبيًا
بالعلاقات المحتملة مع البلدان الإسلامية وهو ما يدخل في إطاره السعي لحظر نقل
الخبرة النووية منها إلى دول إسلامية.
ويمكن العودة بهذه الجهود الألمانية
المكثفة إلى الرؤية الألمانية لمستقبل الخارطة السياسية العالمية من خلال نقاط
رئيسية منها:
1- سقطت
الحاجة إلى مظلة نووية أميركية واقية لألمانيا خاصة وأوروبا عامة فلم تعد تلعب
دورًا حقيقيًا في المعادلات السياسية الجديدة.
2- وسقط معها
اضطرار الأوروبيين لتنازلات اقتصادية ثمنًا للأغراض الأمنية.
3- وظهر عبر
تطورات عامي 90 و91 خاصة أن نظام القطب الواحد مؤقت وسيسفر عن أقطاب متعددة ولكن
على أساس اقتصادي تقني، بدلًا من ردع عسكري وهذه المرتكزات هي التي تعطي للسياسية
الخارجية الألمانية الناشطة الآن مضمونها البعيد المدى لا تقتصر آثاره على أوروبا
وحدها ولا ينبغي أن يهمل في التفكير أو التخطيط عند الحديث عن صيغة مستقبلية
لمنطقة الجنوب أو للمنطقة الإسلامية على وجه الخصوص للتعامل مع التطورات الدولية
وما تسفر عنه على أرض الواقع العالمي المنظور.
يقول المؤرخ الأميركي المعاصر روبرت ليفينجستون: إن ما أزعج إدارة بوش لا يكمن في أن ألمانيا لم تستمع للنصيحة الأميركية فيما يتعلق بكرواتيا قدر ما أزعجها أن هذه القضية أعطت دليلًا جديدًا على الاضمحلال التدريجي لقدرة الولايات المتحدة الأميركية للتأثير على التطورات خارج نطاق الغرب إلا إذا لجأت إلى القوة العسكرية، لقد آلم الإدارة الأميركية عجزها هي عن استخدام طاقتها الاقتصادية لتحقيق أهداف سياسية كما استطاعت ألمانيا أن تفعل بقدرة فائقة.