العنوان الافتتاحية- أما آن للأمة أن تدرك حجم المؤامرة الواقعة عليها؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مايو-1996
مشاهدات 84
نشر في العدد 1201
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 28-مايو-1996
لم تعد المخططات التي تستهدف دول العالم الإسلامي يتم إعدادها في الخفاء أو تخطيطها في الدهاليز كما كان يحدث إبان الحرب الباردة، ولكننا أصبحنا نطلع كل يوم على المخططات الجديدة، وهي تعلن عبر وسائل الإعلام، ثم نراها وقد أخذت طريقها إلى التنفيذ دون حراك أو اعتراض من حكومات العالم الإسلامي، فيما تصب هذه المخططات كلها في صالح إسرائيل وصالح الولايات المتحدة- زعيمة ما يسمى بالنظام العالمي الجديد- وفيما تسعى أوروبا أن يكون لها سياستها المستقلة وأهدافها الخاصة بصفتها صاحبة النفوذ السابق على نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة، وكذلك تسعى دول جنوب شرق آسيا أن يكون لها استقلاليتها وقرارها البعيد عن الهيمنة الأمريكية، وكذلك دول أمريكا اللاتينية التي توجد بها حكومات وشعوب تأبى حتى الآن الرضوخ للابتزاز والهيمنة الأمريكية، مما جعل الولايات المتحدة تنفذ مخططاتها حتى الآن هناك بسرية تامة، نجد أن معظم دول العالم العربي والإسلامي دوناً عن الدنيا كلها تبدو وكأنما فقدت قرارها، وانسلخت عن هويتها، وأصبحت الولايات المتحدة هي صاحبة القرار فيما يتعلق بمصيرها ومصير شعوبها، ومن ثم فقد بدأت تتعامل مع المنطقة بشكل أسوأ مما كان يقوم به الاستعمار الأوروبي قبل الحرب العالمية الثانية.
ومن بين عشرات الوثائق والتقارير التي نشرتها الإدارة الأمريكية والتي تتحدث عن سياستها في المنطقة، رجعنا إلى تقرير أصدره مجلس الأمن القومي الأمريكي وأذاعته إذاعة صوت أمريكا في السادس من مارس عام ١٩٩١م وهو يشرح بعض الملامح الرئيسية للنظام العالمي الجديد الذي أعلنه بوش في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، فوجدنا أن معظم محاور التقرير أو كلها تتعلق بدول العالم الإسلامي، وخلال خمس سنوات من صدور التقرير أصبح كثير من بنوده واقعاً قائمًا في المنطقة، ومفروضًا على شعوبها، ففي الفقرتين الخامسة والسادسة من التقرير تؤكد الولايات المتحدة على أنه: «يجب عدم بيع أسلحة الدمار للدول العربية والإسلامية وفي حالة الضرورة لبيع مثل هذه الأسلحة تؤخذ النقاط التالية في الحسبان: أولًا: ألا تكون بكميات كبيرة، ثانيًا: ألا تكون من النوع القادر على الحركة بسرعة، ثالثًا: ألا يتم منحهم قطع الغيار كاملة، رابعًا: أن تكون تحت المراقبة، خامسًا: عدم بيع أنواع معينة من الأسلحة على الإطلاق».
هذا ما نص عليه التقرير الأمريكي، ويكفي أن يتم مراجعة صفقات الأسلحة التي تمت بين الدول العربية والولايات المتحدة خلال السنوات الخمس الماضية ليتم التأكد من أن هذه البنود لا يتم تطبيقها فحسب، بل إن الولايات المتحدة تحول بين الدول العربية والإسلامية وبين أية محاولة تقوم بها تلك الدول للحصول على الأسلحة الحديثة والمتطورة من أي مصدر آخر، وفي نفس الوقت تقوم الولايات المتحدة بإمداد إسرائيل بكل وسائل التقنية العسكرية الحديثة، وتعلن ليل نهار عن مسؤوليتها عن ضمان أمن إسرائيل وتفوقها العسكري النوعي على كل دول المنطقة.
أما الفقرة الثامنة من التقرير فإنها تشير إلى ما يعرف الآن باسم «بنك التنمية للشرق الأوسط»، الذي تروج له إسرائيل منذ أكثر من عامين، وتسعى لإنشائه بدعم أمريكي غربي وبأموال دول الخليج التي رفضت أكثر من دولة من دوله الدخول في هذا المشروع المشبوه الداعم لإسرائيل، حيث يؤكد نص التقرير على أنه «لتوزيع ثروة دول الخليج التي أصبحت حافزاً للهجوم العدواني سيتم إنشاء بنك للتعمير تموله دول الخليج، على أن السياسة الرئيسية لهذا البنك ستضعها أمريكا وبريطانيا وفرنسا، وستكون المهام الرئيسية لهذا البنك هي الإشراف على عملية السلام، وبناء مشاريع تعمير كبيرة في الأقطار التي دعمت القوات المتحالفة، كما أن بعض هذه المشروعات ستقام في دول غير عربية، كما يمكن منح مساعدات للحكومات التي لا هوية لها.. على أن تستخدم هذه المساعدات في التأثير على القرار السياسي لهذه الدول».
أما الفقرة التاسعة من التقرير فإنها تتحدث مباشرة عن التأثير المتزايد للإسلام والإسلاميين، وتطالب بإشغال الإسلاميين بالخلافات والجدل حول وضع المرأة.. وغيرها من القضايا الخلافية التي تبدد طاقاتهم وتصرفهم عن قضاياهم الرئيسية المصيرية، كذلك يطالب التقرير بإقصاء بعض العلماء المؤثرين، وعدم السماح للعناصر الإسلامية بالوصول إلى الوظائف الحكومية الحساسة، خاصة في مجالي التعليم والإعلام، كما يطالب التقرير بعدم السماح للإسلاميين بالعمل في المجالات الاقتصادية والاجتماعية لأنها تؤدي إلى وصول تأثيرهم إلى خارج أقطارهم.
أما الفقرة العاشرة من التقرير فإنها تؤكد على ضرورة التقليل من توافد العمالة العربية والمسلمة على دول الخليج وفتح المجال أمام العمالة القادمة من الفلبين، وسريلانكا وتايلاند، حيث ستساعد هذه العمالة غير المسلمة على القضاء على القيم الإسلامية في المنطقة.
أما الفقرة الحادية عشرة فإنها تطالب بتغيير نظم التعليم والثقافة وبرامج الإذاعة والتلفزيون.
وأما الفقرتان الأخيرتان من التقرير وهما الثانية عشرة والثالثة عشرة فإنهما تطالبان بخلق عداءات بين التيارات الإسلامية مثل السلف والإخوان وإقحام الدول التي لها توجهات إسلامية في الخلافات والمشاكل.
هذه هي أهم بنود أحد التقارير التي أصدرها مجلس الأمن القومي الأمريكي في مارس عام ۱۹۹۱م، ذلك المجلس الذي تتكون غالبية أعضائه الآن من اليهود الأمريكيين، وتكفى نظرة فاحصة لهذه البنود مع إسقاط لها على الواقع لتعرف إلى أي مدى وصل تطبيقها، وإلى أي مدى وصل مصير الأمة المسلمة ومن الذي أصبح يحدد لها قرارها.
إن معظم دول العالم أصبحت تتمرد على ما يفرض عليها من خارجها، وأصبحت تمسك زمام أمورها بأيديها، وإن أمة يصل تعداد سكانها إلى ثلث سكان الدنيا وتتحكم بموقعها الجغرافي في أهم المواقع الاستراتيجية العالمية وأهم الموارد الطبيعية، وتملك تاريخًا عريقًا ودينًا قويمًا، وخيرية ربانية إلهية لهي جديرة بأن تعيد النظر في واقعها فتأخذ بزمام نفسها أولاً وتتحرر من ربقة التبعية والدونية، ثم تسعى لإنقاذ هذه الدنيا المعذبة، فترد الناس إلى حقيقة خلقهم، وإلى دين ربهم فتقيم العدل، وتمنع الظلم عن العالمين.
والأمر ليس صعباً وإنما هو بحاجة إلى عزم الرجال، وصبر المؤمنين وكفى الأمة ما وصلت إليه، ويكفينا وعد ربنا أن يبث فينا الثقة والعزم، ويدفع عنا اليأس والقنوط إذا رجعنا بصدق إليه: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَن الْقَوْمِ الْمُجْرِمِيْنَ﴾ (يوسف: 110).
فهل آن للأمة وقد بدأ التململ من الهيمنة الأمريكية والنفوذ الصهيوني يقلقها أن تعيد النظر في واقعها، وأن نراها وقد بدأت خطواتها نحو العزة والكرامة والمجد التليد؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل