; أما لطريق الاستسلام من نهاية ؟! | مجلة المجتمع

العنوان أما لطريق الاستسلام من نهاية ؟!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-نوفمبر-1985

مشاهدات 73

نشر في العدد 740

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 05-نوفمبر-1985

  المتتبع لما يدور في الشرق الأوسط من أحداث سياسية وخاصة ما يسمى بمساعي السلام، تتأكد لديه الحقيقة القاتلة بأن أنظمة الحكم العربية لم تكن مقصرة فحسب تجاه منع قيام دولة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين المقدسة، وإنما عملت هذه الأنظمة على مر العقود على حماية هذا الوليد الغريب وضمان تمدده واستقراره.

 

دور عجيب:

 

  وقد بدأت الخطوة الأولى عندما دخلت الجيوش العربية فلسطين عام 1948، فجردت الثوار الفلسطينيين من السلاح، وعملت على تقسيم فلسطين بحسب قرار الأمم المتحدة رقم (180)، الصادر عام 1947، والتي كانت هذه الدول قد رفضته في العلن، بل إن حدود الدولة اليهودية زادت عما كان مقررًا لها بحسب قرار التقسيم.

 

  وبعد توسع دولة العدو الصهيوني عام 1967 -بحيث شملت كل فلسطين وأجزاء من مصر وسوريا- عملت الأنظمة العربية على منع العمل العسكري ضدها، وفي هذا المضمار تأتي حوادث أيلول 1970، ومشاكل التواجد الفلسطيني في لبنان منذ عام 1976 وحتى الوقت الحاضر.

 

  وبعد كسر شوكة العمل العسكري الفلسطيني مع محاولة تدجين قيادته وترويضها سياسيًا للقبول بأطروحاتها التي لا تعدو عن كونها تعليمات إسرائيلية أمريكية، أصبح الدور الملقى على عاتقها هو إقناع الطرف الفلسطيني كرهًا أو ترويضًا بالاستجابة لمطالب العدو الصهيوني في إنهاء حالة الحرب، وإحلال ما يسمى بالسلام الذي لا يعني سوى الاستسلام والتمكين لدولة العدو من العيش في أمن واستقرار لكي تمارس دورها في السيطرة على الأمة العربية والإسلامية، وإبقائها في حالة من التخلف والتمزق إلى ما شاء الله.

 

  ومنذ أن عقدت اتفاقيات كمب ديفيد والاتفاقية الإسرائيلية المصرية شهدت المنطقة سلسلة من الأحداث المترافقة بمشاريع حلول سياسية كان الهدف منها تطويع الطرف الفلسطيني للدخول في هذه المصيدة.

 

  ومع أن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية قد أعلنت موافقتها على المضي في هذا الطريق منذ عام 1974، وهو العام الذي أقر مؤتمر الرباط اقتصار التمثيل الشرعي للشعب الفلسطيني في منظمة التحرير، إلا أنها ظلت تمزج بين الخيار السياسي والعمل العسكري، وبعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 الذي تم برضا عربي، وتشتت القوات الفلسطينية في أكثر من قطر عربي، وما تبع ذلك من الخروج من لبنان نهائيًا عام 1983، بدور سوري مدعوم عربيًا، أصبح موقف القيادة الفلسطينية في الزاوية.

 

وكنتيجة لذلك وقعت قيادة المنظمة اتفاق عمان في 11 فبراير 1985 الذي قبلت فيه بدور من خلال وفد أردني فلسطيني مشترك على أمل تحقيق «سلام شامل عادل ودائم» ينتهي بكونفدرالية أردنية فلسطينية في الأجزاء التي ستتخلى عنها إسرائيل من الضفة الغربية وقطاع غزة على أساس قرار مجلس الأمن رقم (242).

 

المشاركة الفلسطينية ضرورية:

 

  ومع أن قيادة المنظمة بقبولها ذلك تكون قد أوضحت بما لا يجعل مجالًا للشك أنها تريد المشاركة في ترتيبات ما يسمى بالسلام، إلا أن إسرائيل وأميركا لم يعجبها ذلك، ولم يعجبها موقف حسين ومبارك، وكل الزعماء الموالين لها؛ لأنهما تريدان أكثر من ذلك، إنهما تريدان الاستسلام الكامل وبمشاركة فلسطينية.

 

  ومخطئ جدًا من يعتقد أن إسرائيل وأمريكا يريدان استثناء الفلسطينيين من أي عملية «استسلام» ولو كانوا راغبين في ذلك لفعلوا بدون تردد، ولكنهم غير قادرين كما تحدى ياسر عرفات مؤخرًا، أو بالأحرى غير راغبين.

 

  لأن المشاركة الفلسطينية سواء كانت من قبل قيادة المنظمة وهذا ما تكرس قيادة المنظمة كل جهدها للحصول عليه، أو من قبل ممثلين من خارج المنظمة تعتبر أساسًا لحل المشكلة لعدة أسباب.

 

السبب الأول: أن جميع الأنظمة العربية لديها الاستعداد للاستسلام منذ زمن بعيد، والعقبة الوحيدة في طريقهم هي العقبة الفلسطينية.

 

السبب الثاني: أن مشاركة الفلسطينيين أضمن لاستمرار أمن واستقرار دولة العدو؛ لأن أصحاب الأرض هم الذين اعترفوا لها بالسيادة على أرضهم.

 

السبب الثالث: أن المشاركة الفلسطينية ضمانة لاستقرار الأنظمة العربية التي باشرت التوقيع على عقد الاستسلام.

 

تغييرات محسوبة:

 

  وهذه الحقيقة هي التي تكمن وراء سلسلة التغييرات السياسية الأخيرة في المنطقة، فجاءت الغارة على مقر منظمة التحرير الفلسطينية في تونس، وحادث اختطاف السفينة الإيطالية أشيل لورو، وحادث القرصنة الأميركية ضد الطائرة المصرية التي أقلت الخاطفين، ومواقف أميركا وإسرائيل وبعض الدول العربية إزاء هذه الأحداث، لا تزيد عن كونها عند التحليل والتدقيق عن مجرد وسائل للضغط على قيادة المنظمة والشعب الفلسطيني بشكل عام لتقديم مزيد من التنازلات.

 

  وحادث اعتذار حكومة تاتشر عن استقبال الوفد الأردني الفلسطيني المشترك، ودفاع الملك حسين عن الموقف البريطاني، وما ترتب علي ذلك من مواقف إسرائيلية أميركية، بالإضافة إلى ما رافق ذلك من الإعلان على لسان مسؤولين إسرائيليين وأميركيين أن المطلوب هو استبعاد منظمة التحرير من أي حل، وكذلك لجوء إسرائيل والإدارة الأميركية إلى إشاعة أخبار وتحليلات تصب في خانة نية الملك حسين التخلي عن المنظمة وإلغاء الاتفاق الأردني الفلسطيني، كل هذه التحركات لا تهدف في نظر المراقبين المطلعين إلا إلى مزيد من الضغط على الشعب الفلسطيني، وقيادة منظمة التحرير برئاسة عرفات لتقديم مزيد من التنازلات.

 

  ولا ننسى أن جولات المصالح العربية التي كان أبرزها المصالحة الأردنية السورية لعبت دورها في إضعاف قيادة عرفات ودفعه لإعطائه مزيدًا من التنازلات. وكان قد طلب إلى عرفات قبل حادثة امتناع حكومة تاتشر عن استقبال الوفد الأردني الفلسطيني المشترك- التعهد بعدم القيام بعمليات عسكرية ضد إسرائيل كثمن لمشاركته في «عملية السلام»، ولكن يبدو أن عرفات الذي يشك في جدية أميركا وإسرائيل يريد أن يستبقي هذه الورقة حتى المرحلة النهائية؛ لأنه يخشى إن هو أعطاها سلفًا ألا يحصل على شيء مطلقًا.

 

لقاء حسين- عرفات:

 

  نتيجة للأحداث السابقة كان الانطباع الظاهر أن اجتماع حسين- عرفات يومي الاثنين والثلاثاء من الأسبوع الماضي سيكون حاسمًا لجهة تشييع الاتفاق الأردني الفلسطيني، أو على الأقل قيام الملك بالضغط على عرفات بالتعهد على التوقيع على البيان الذي سبب مشكلة لندن.

 

  وتزايدت هذه التوقعات في ضوء رد الملك حسين المشجع على «الروح» الإيجابية لمشروع بيريز الذي عرضه الأخير في الأمم المتحدة، والذي دعا إلى قيام إدارة إسرائيلية أردنية مشتركة في المناطق المحتلة، إلى أن يحين تقرير مصير هذه المناطق من خلال مفاوضات مباشرة بين وفد إسرائيلي ووفد أردني، أو أردني فلسطيني مشترك تتم برعاية دولية.

 

  وقد تم نشر معلومات صحفية تعزز هذا الاتجاه كان من أهمها اجتماع بيريز بالملك حسين واتفاقهما على مشروع بيريز، ومن دقق في تصريحات الملك حسين للنيويورك تايمز وتصريحات بيريز يجد مؤشرات على صحة النبأ، وكذلك خبر زيارة ريتشارد مورفي السرية لعمان وإبلاغ الملك برغبة أميركا في استبعاد المنظمة من مفاوضات التسوية والطلب إليه إبلاغ عرفات بذلك.

 

  ولكن بعد اجتماع حسين- عرفات وما توافر من أنباء حول نتائجه تأكد ما كنا نتوقعه، وهو أن الملك حسين بحاجة لعرفات وعرفات بحاجة للحسين على الأقل في الوقت الحاضر، وهذه الحقيقة ترجمها خالد الحسن بقوله: «من الواضح أن الملك حسين لا يمتلك الميكانيكية بدوننا، ونحن بدونه لا نملك «الفيزا» للتوجه نحو الغرب».

 

مأزق الملك:

 

  ولعل «المأزق» الذي يواجهه الملك حسين يتلخص في قول أحد زعماء الضفة الغربية: «الملك لا يستطيع أن يتحدث للإسرائيليين بدون بعض الفلسطينيين المؤهلين، ولن تكون لأي فلسطيني أي مصداقية في عيون العرب بصرف النظر عن الفلسطينيين، بدون تأييد منظمة التحرير له، وقال إن المنظمة تعني عرفات، وفي الوقت الذي يبدو فيه اتفاق عمان غير قابل للتطبيق، يستطيع الملك حسين أن يمارس الضغط على عرفات بعدة طرق».

 

  ولذلك انتهى اللقاء بإعلان استمرار العمل حسب اتفاق فبراير، وتشكيل لجنة مشتركة للتنسيق فيما يستجد من أحداث، ويبدو أن عرفات بات أكثر استعدادًا للاستجابة لمطلب التخلي عن العمل العسكري على الأقل من الأردن، كما ذكرت ذلك تقارير صحفية خليجية، ولكن بعد اجتماع حسين- عرفات ماذا سيحدث؟

 

  الواضح حتى الآن أن أنظمة الحكم العربية التي نجحت في ضم عرفات لطريق المفاوضات والتسوية- ستستمر في هذا الطريق مع ممارسة مزيد من الضغط على الطرف الفلسطيني للتسليم المطلق بمطالب العدو الصهيوني، والحقيقة أن جميع التحالفات العربية الجديدة تهدف إلى هذا كما قال أبو إياد لوفد الأحزاب المصرية في الكويت.

 

لقاء ريغان- غورباتشيف:

 

  ويبدو أن هذه الأنظمة المتحالفة مع عرفات أو التي تعمل ضده وكذلك الدول المساندة كلها- تعلب لعبة الزمن لحصول الأمنية اللعينة، وتلتقي معظم الأطراف الآن في قاعة انتظار نتائج انعقاد قمة ريغان- غورباتشيف يومي 19-20 نوفمبر الجاري التي أكد عرفات ومصادر عربية ودولية أنها ستبحث أزمة الشرق الأوسط.

 

  وتدور تكهنات بأن أميركا ستضغط على حلفائها، والاتحاد السوفياتي سيضغط على حلفائه لجهة تسهيل المفاوضات العربية الإسرائيلية المباشرة برعاية دولية، وقد تكون دعوة كل من مصر والأردن للاتحاد السوفياتي لإعادة علاقاته الدبلوماسية مع إسرائيل مؤشرًا في هذا الاتجاه.

 

  ومع أن مطلب المشاركة الفلسطينية حقيقة واردة إسرائيليًا وأميركيًا وعربيًا، إلا أن هناك حقيقة أوضح منها، وأشد مرارة، وهي أن الحكام العرب يدركون تمامًا أن مفتاح الحرب أو السلام يكمن فقط في التغييرات التي تستجد في المعسكر الإسرائيلي وحسب.

 

  فهل تتجه هذه التغييرات لصالح «الاستسلام» الذي يراهن عليه الحكام العرب؟ أم أن هذه التغييرات تفرض أحداثًا أخرى قد يكون عرفات ضحيتها الأولى ليخلد رمزًا وطنيًا فلسطينيًا بعد أن يكون قد استخدم من حيث يشعر أو لا يشعر في معمعة الاستسلام العربي؟

 

  والسؤال الذي يتردد على لسان كل مسلم أو وطني غيور هو إلى متى يستمر مسلسل الاستسلام؟ وإلى متى يستمر مسلسل السكوت والموات الشعبي؟

الرابط المختصر :