العنوان أمريكا/ الخليج.. إستراتيجية التمركز الأمريكي في الخليج
الكاتب د. رشا الدسوقي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-أبريل-1998
مشاهدات 46
نشر في العدد 1295
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 07-أبريل-1998
▪ هدفها التحكم في الثروات الطبيعية والمداخل والممرات البحرية المحركة للاقتصاد الأوروبي والآسيوي.. وفرض الحصارات.. وضمان تنفيذ اتفاقية الجات.. وحماية التجارة والعمالة الأمريكية في غرب آسيا
▪ تكاليف التواجد العسكري في الخليج من ۱۹۹۱ حتى ۱۹۹۸م حوالي ۳۰۹ مليارات دولار.. ويتكلف يوميًا ٢٠٠ مليون.. من يدفع؟!
مازال جو الحرب يخيم على الأجواء الأمريكية، فرغم المساعي الدبلوماسية للسكرتير العام للأمم المتحدة، أكد المحللون السياسيون أن أمريكا لا تنوي الرحيل من منطقة الخليج، وذلك لحماية مصالحها القومية، كما صرحت بذلك مرارًا وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت، ومما أكده المحللون أن الإطاحة بصدام حسين واستبداله بنظام جديد ينفذ سياستها ليس هو السبب الوحيد في إبقاء القوات الأمريكية في الخليج، فما الذي يؤرق الإدارة الأمريكية ويجعلها تعمل لضمان استمرار تواجدها في المنطقة؟ ومن يدفع تكاليف الحرب القادمة؟
لم تخف الولايات المتحدة نواياها في اتخاذ سياسة «العصا الغليظة» لتثبت للعالم أنها القوة العالمية الأحادية العظمى، وأنها تستطيع إجبار الدول الأخرى- خاصة الإسلامية والعربية- على الامتثال لأوامرها، وقد اتضح ذلك في التصريحات العديدة لوزيرة الخارجية ومناقشات جلسات أعضاء الكونجرس الذين يؤيدون الخيار العسكري، فالتواجد البحري المستديم في المناطق التي أطلقت عليها الأماكن الساخنة أو أماكن بؤر الخلاف جزء من سياستها طويلة الأمد والتي أطلقت عليها استراتيجية السواحل Littoral Strategy.
وقد عنى المحللون السياسيون بدراسة تلك الاستراتيجية الجديدة وتاريخها منذ بني الجنرال هولاند سميث مركز العمليات البحرية عام ١٩٤٤م، ولاحظوا الطفرة التي حدثت بعد حرب الخليج عام ۱۹۹۱م، والتي أدت إلى التنسيق بين البحرية الأمريكية وقواتها الأخرى البرية والجوية عام ۱۹۹۳م، وفي البحث المقدم من المحلل البحري جون لدي عام ١٩٩٤م، طالب الباحث الجهاز البحري بزيادة دعم القوات وذلك لدفعها إلى سواحل الدول المختلفة والتغلغل حتى مسافة خمسين ميلًا تقريبًا، حيث توجد المراكز الصناعية والتكنولوجية و ٧٠% من سكان العالم.
وإلى جانب انتشارها الدولي فإن القوات البحرية تطالب دائمًا بالدعم المالي من أجل رفع مستواها الكيفي والكمي، فقد تم زيادة عدد الجنود في القوة البحرية في المحيط من ٥٠ ألفًا إلى ٩٠ ألف جندي، كما طالبت القوات البحرية بتزويد تلك القوة بالصواريخ لحمايتها من التعرض لأي هجوم معارض، وقد أثنت الإدارة الأمريكية على القوات البحرية، واعتبرت أنها أثبتت نجاحها بتحركها السريع في الصومال وبنجلاديش وشمال العراق، ولا يخفى على أحد تحول تلك القوى من دور الأداء الدفاعي السلبي إلى الأداء الهجومي وكان يستلزم المحافظة عليها ضمان حلو المناطق البحرية المختارة لاستقرارها من الألغام وما يستتبع ذلك من تكاليف، ولأهمية تلك المناطق الساحلية صرح الأدميرال جيرمي بوردا- قائد العمليات البحرية عام ١٩٩٤م- بأنها تمثل موقع الصدام الدائم بين المصالح الأمريكية القومية والأعداء المتوقعين ومن هذا المنطلق فإن الولايات المتحدة ترى أن وجودها- المهدد لحوالي ٧٠% من سكان العالم- ضرورة من أجل حماية مصالحها.
ويلاحظ المحللون أن أمريكا كانت قد أصلت في الماضي وجودها البحري في الخليج، وقد غيرت استراتيجيتها من الحرب في المحيطات والبحار المفتوحة إلى الحرب في الخلجان والمنافذ البحرية المغلقة، ومن المرونة في عهد الرئيس بوش إلى الثبات في عهد كلينتون، أي من الوجود المتقطع المتواضع إلى الوجود الدائم حتى في وقت اللا حرب، وقد أثبت المحلل السياسي المعروف وليام بيكر أن الإدارة الأمريكية هي التي حثت على حرب الخليج عام ١٩٩١م، فكانت بمثابة القنطرة البلوغ هدفها في: ترسيخ وجودها، وقد ردد كتاب عديدون هذا الرأي، في الصحف الأمريكية، خاصة الجامعية منها، وما هذا التواجد إلا من أجل تطبيق خططها الجيوسياسية المحددة التي أفصحت عنها. في وثائقها البحرية، كما أثبت المجالين العسكريون أن برامجهم الخاصة تحتوي المقومات الدائمة للزيادة والاتساع أي لتكليف وزيادة القوة العددية للجنود ورفع كفاءة المعدات والتكنولوجيا البحرية، وبمقتضى هذه السياسة الأمريكية يصبح احتمال حمل الأمتعة والخروج من الخليج على المدى القريب أو البعيد ملغي، وقد عضد ذلك تصريح رئيس الأركان الأمريكي هنري شلتون بأنه حتى بعد تحقيق النجاح الدبلوماسي وإنهاء أزمة أسلحة الدمار الشامل في العراق، فإن الحد الأدنى الذي يمكن أن تعود إليه القوات الأمريكية هو ما كانت عليه في الماضي، وبهذا تكون قد زادت تلك القوات من حجم تواجدها في الخليج بخلق وتفعيل الأزمة العراقية، وقد أورد المحللون السياسيون العديد من المزايا العسكرية والسياسية والاقتصادية لذلك التواجد من وجهة النظر الأمريكية تذكر منها:
1- ضمان سرعة إنزال قوات جديدة والاستمرار في زيادة دعمها.
2- مواصلة إمداد الجنود وتغييرهم دون عوائق.
3- حماية القواعد الأمريكية في البلاد المجاورة للقوات البحرية.
4- اختبار كفاءة المعدات ذات التقنية العالية التي تم تطويرها منذ حرب الخليج في ساحات حربية فعلية ليسهل بيعها في السوق الحربية وتحصيل أرباحها التجارية.
5- خلق حالة التوتر الدائمة وتذكير العالم بالهيمنة الأمريكية العسكرية وأحاديتها القطبية.
6- ضمان فرض الحصارات الاقتصادية.
7- حماية السفارات الأمريكية.
8- ضمان قمع القوى المتحدية والمعارضة للسياسة الأمريكية.
9- البناء السريع لأحزاب المعارضة والتنسيق ن بينها وبين المخابرات الأمريكية المركزية.
10- ضمان التحكم في المداخل والممرات والبحرية المحركة للاقتصاد الأوروبي والآسيوي.
وهذه هي أماكن الاختناق التي يتم عبرها نقل النفط والسلاح، وإنه لمن المتوقع زيادة النفط الخليجي من ١٢% إلى ٦٠% خلال الخمس عشرة سنة القادمة وهذه المناطق مثل مضيق هرمز وقناة السويس وباب المندب والبسفور تسمى Chokepoints
11- ضمان التحكم في المعاملات التجارية مع غرب آسيا والتي تمثل 37% من المعاملات التجارية الأمريكية وعائداتها ٤٠٠ بليون دولار، وهي ضعف المعاملات مع أوروبا.
12- ضمان العمالة الأمريكية في غرب آسيا والتي تعتمد على 3 ملايين مهنة أمريكية.
13- ضمان تنفيذ اتفاقية الجات التجارية لحماية الصناعات والمشروعات الأمريكية.
14- التحكم في مصادر الثروة الطبيعية.
15- التحكم في أعماق البحار والثروات البحرية، وتبلغ ميزانية القوات البحرية تحت سطح البحر حوالي ٥٠١ مليون دولار لعام ۱۹۹۹م.
▪ فاتورة الحساب
ومن أجل ضمان ذلك التواجد كان لا بد من إيجاد الدعم المالي، ولذلك عقد الكونجرس في السادس من مارس الجاري جلسة خاصة لمناقشة تمويل العمليات العسكرية في البوسنة والخليج، وقد أبدى الأعضاء اعتراضهم على عدم معرفتهم بنهاية فترة التواجد في المنطقتين لتحديد الميزانية مسبقًا، واشتكوا أيضًا من أن الإدارة الحالية تملي إرادتها وتطلب تنفيذ أو أمرها دون نقاش فلا خيار للكونجرس إذا ما أرسلت الجيوش الساحات الحروب، ولذلك اضطر الكونجرس إلى الموافقة على إيجاد وسيلة لدعم القوات، وأصبح الآن همه الأكبر الذي فاق أي اعتبارات هو فقط حماية أبناء الشعب الأمريكي في تلك المنطقة وتجهيز ثكناته وتوفير المستوى الملائم لمعيشته، وتحصينه ضد أسلحة الدمار الشامل عند اندلاع الحرب كما تتوقع الخارجية الأمريكية.
وقد تكلف التواجد في الخليج منذ 1991 وحتى نهاية 1998 حوالي 309 بلايين دولار ويتكلف يوميًا 300 مليون دولار، وبالزيادة المطلوبة تصبح تكاليف الاستعدادات الحربية 503 بلايين دولار دون الاشتراك في حرب فعلية، وبما أن هذه التكلفة تفوق طاقة الكونجرس والشعب فقد حث أعضاء الإدارة على طلب العون من الحلفاء لتحمل تكاليف الحرب القادمة، واشترط قبول عضويتهم في حلف الناتو بتحمل تلك التكاليف، لأن أمريكا تدفع ٢٦% من تكاليف الحلف، ومن الطريف أن الكونجرس قد عقد جلسات عديدة لزيادة حجم الحلف بإدخال أعضاء جدد في الأسابيع الماضية للتقدم فيما بعد بخطة تمويل الحرب، وبالإضافة إلى ذلك تركز أمريكا الآن على الدول الكبرى مثل اليابان والصين لإقناعها بتحمل بعض العب من تكاليف الحرب معها.
كما أكد أعضاء الكونجرس على ضرورة مطالبة الدول العربية التي تعتقد أمريكا بأنها، دخلت معها في حرب الخليج السابقة برد الجميل، وذلك بأن تتحمل جزءًا كبيرًا من تكاليف الحرب القادمة، وقد عبر الشعب الأمريكي وأعضاء الكونجرس المعارضون للحرب عن استيائهم من تحمل الضرائب الباهظة بسبب تكاليف الحرب التي تصل إلى ٥٠ بليون دولار وخاصة أن الولايات المتحدة قامت بإلقاء ما يساوي ٩٤ بليون دولار من فائض القمح والأرز في البحر للمحافظة على أسعار السوق بدلًا من إطعام الفقراء والمحتاجين الأمريكيين والبالغ عندهم ۲۸ مليون شخص.
عضو مجلس الشيوخ بنيامين جيلمان أعلن في الثاني عشر من الشهر الماضي من احتمال عدم قدرة الكونجرس توفير المبالغ المطلوبة حاليًا للانتشار العسكري بسبب مطالبة السكرتير العام للأمم المتحدة الولايات المتحدة بسداد ديونها المتأخرة، حيث طالب بسداد ٦٠٠ مليون دولار كحصة أولى في خطة السداد هذا العام أن الحكومة الأمريكية قد تفقد حقها في التصويت يسبب عدم البدء في السداد بهذا الجزء المطلوب طبقًا للبند «19» من ميثاق الأمم المتحدة وشروط العضوية فيها وبسبب تلك الضغوط فإنه من المتوقع أن تكثف الإدارة الأمريكية مساعيها للضغط على الممولين الخارجيين من آسيا وأوروبا والدول العربية والإسلامية.
▪ استمرار القوات الأمريكية في الخليج.. الدواعي والأسباب
آثار تصريح الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في أعقاب التوصل لاتفاق بين العراق والأمم المتحدة باستمرار الحشود الأمريكية في المنطقة التساؤلات حول مغزى ودلالة استمرار هذه الحشود وهل يمكن أن تتحول لتواجد دائم لمستمرة، وفي هذا الصدد يمكن تقييم استمرار الحشود الأمريكية في المنطقة من خلال نقطتين أساسيتين هما:
أولًا: رؤية الولايات المتحدة للتواجد العسكري في المنطقة:
1- في عام ١٩٨٠م اعتبر الرئيس الأمريكي كارتر أن أي محاولة من جانب أي قوة أجنبية للسيطرة على منطقة الخليج بمثابة عدوان على المصالح الحيوية للولايات المتحدة وسيقابل مثل هذا العدوان بكافة الرسائل الضرورية بما في ذلك القوة العسكرية.
2- منذ تحديد هذا الالتزام حاولت الإدارة الأمريكية أن توفر لهذا المبدأ أساسًا عسكريًا يعتمد عليه من خلال سلسلة من المبادرات على صعيد الميزانية، والتنظيم والسياسة الخارجية ليست موجهة فقط لتوسيع أو إعادة بناء الفرات المسلحة الأمريكية، وإنما لزيادة السرعة التي يمكن بها نشر الوحدات العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج ورفع القدرة على إعداد هذه القوات فور وصولها،
3- استهدفت الخطة الأمريكية رفع مستويات وقدرات النقل الجوي والبحري الاستراتيجي وتعديل جناحي الطائرة سي- 5 أيه لتخفيض زمن الاتصال بمقدار أسبوع واحد لقوة من فرقة واحدة، وأسبوعين لقوة من فرقتين، وتعديل جسم الطائرة سي ٤١ لزيادة قدرة الشحن فيها بمقدار 30% وتعديل الطائرة الجامبو التجارية لتلائم عملية نقل عسكري محتملة وشراء ٢٦ طائرة نقل وقود من طراز 135-KC، وذلك بدلًا من إنتاج طائرة نقل استراتيجي جديدة طراز CX والتي قدرت تكاليفها بـ ٦.٦ إلى ١٢ بليون دولار، وكذلك شراء ثانية سفن حاويات لنقل فرقة ميكانيكية إلى الخليج في مدة تتراوح ما بين 15 إلى 18 يومًا بلغت تكاليفها ٣٤١ مليون دولار.
4- حاولت الولايات المتحدة لضمان مواجهة أي تهديدات لمصالحها في المنطقة الحصول على تسهيلات عسكرية من بعض دول المنطقة تكون قاعدة لشن عمليات عسكرية كبيرة كبديل عن وجود قواعد، إلا أن حصول الولايات المتحدة على بعض التسهيلات فرض عليها استشارة تلك الدول في حالة الانتشار أو إجراء تدريبات.
5- نتيجة الدروس الغزو العراقي للكويت وعمليات درع وعاصفة الصحراء عملت الولايات المتحدة على تطوير قدراتها من خلال الاحتفاظ بسرب بحري متمركز مسبقًا في ديجوجارسيا به سبع سفن، وزيادة مستوى التمركز السابق لمعدات الجيش في الخليج أو بالقرب منه، ومع ذلك فالأزمة الأخيرة البنت أن التمركز السابق الأمريكي غير كاف لردع أي دولة إقليمية أو المواجهة أي اعتداءات بالإضافة إلى ذلك فإن هناك مشكلات في التمركز السابق للقوات الجوية ومصاعب سياسية. في تنفيذ الاتفاقيات التي وقعت من قبل، ولهذا فإن هناك عدة احتمالات لسياسة الولايات المتحدة للخروج من هذه الإشكالية:
1- محاولة استغلال القرارات الخاصة بالمناطق المحظورة في العراق لتواجد عناصر أو عدة أسراب من القوات الجوية والقوات البرية.
2- الإبقاء على الأزمة مع العراق والمبالغة في التهديدات الإيرانية للإيهام بأن التواجد الأمريكي الدائم هو الكفيل بردع تلك التهديدات.
ثانيًا: رؤية الولايات المتحدة الاستراتيجية للمنطقة بعد دروس عمليات عاصفة الصحراء: طبقًا للوثائق الاستراتيجية للأمن القومي الأمريكي، فإن المصالح الأمريكية في المنطقة تشعل ضمان التدفق الحر للبترول بالأسعار المعقولة وحرية الملاحة في المنطقة ومواجهة أي قوة إقليمية تعارض مصالح الولايات المتحدة وردع أي محاولات من دول المنطقة تحاول الحصول على مزايا ومكاسب جيوسياسية باستخدامها للقوة المسلحة أو التهديد باستخدامها.
وطبقا لتلك المصالح تطرح الاستراتيجية الأمريكية مفهومين لتحقيق مصالحها في المنطقة هما التعهد والارتباط وزيادة رقعة الأمن واتساعها على عدة محاور أهمها:
1- الحفاظ على القدرة دفاعية عسكرية عالية تضمن لها أن تظل الدولة الوحيدة القادرة على إدارة أعمال قتال عسكرية على نطاق واسع وشامل خارج حدودها.
2- امتلاك قدرات وإمكانات قادرة على مواجهة القدرة العسكرية الإقليمية.
3- النشر المتقدم للقوات الأمريكية وتمركزها المبكر عبر البحار في مناطق. مصالحها الحيوية، مما يؤكد مفهوم التعهد والارتباط وزيادة قدرة القوة العسكرية، للعودة للمنطقة وضرورة التواجد الدائم والمستمر في المنطقة الحماية المصالح الحيوية الأمريكية، وإدارة أعمال قتالية لحصر في توجهات مناولة واستعدادها لشن هجمات لحظية، وطبقًا لتلك المفاهيم أيضًا من المحتمل استمرار الحشود الأمريكية واستمرار المحاولة الأمريكية لإبقائها بشكل دائم ومستمر.