; أمريكا تلقي بشباكها في الشرق الأوسط | مجلة المجتمع

العنوان أمريكا تلقي بشباكها في الشرق الأوسط

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 21-مايو-1985

مشاهدات 54

نشر في العدد 718

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 21-مايو-1985

     بالرغم من موجة النقد العام للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط سواء في وسائل الإعلام العربية، أو على ألسنة كبار المسؤولين في الدول العربية، إلا أن هذه الدول بوجه عام لا ترى مفرًا من مطالبة أميركا بلعب دور أكبر في تسوية القضية الفلسطينية، وإحلال ما يسمى بالسلام العادل الشامل، وإذا كان هذا التوجه واضحًا عند الأنظمة العربية فقد أصبح واضحًا كذلك عند قادة منظمة التحرير؛ فياسر عرفات لم يجد بدًا من الإعلان -بعد جولة شولتز- أنه مستعد للاعتراف بقرار (٢٤٢) مقابل اعتراف الإدارة الأميركية بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، كما عبر أكثر من مرة بأن هناك فرصة للتسوية ولا بد من اغتنامها، منسجمًا بذلك مع دعوة شريكيه الرئيسيين الملك حسين، وحسني مبارك، فأبو إياد -المعروف بتصريحاته الناقدة اللاذعة- عبر هو الآخر أكثر من مرة على حرصه على استمرار الحوار مع أميركا، وكان أبو جهاد «خليل الوزير» قد أكد بدوره على حرص المنظمة على استمرار الحوار مع واشنطن بالرغم من إدراكه لحقيقة الموقف الأمريكي المرتبط استراتيجيًا بإسرائيل، كما أوضح في مؤتمر صحفي بالكويت يوم الجمعة الماضي.

شباك أمريكية: 

     ويبدو أن الإدارة الأمريكية التي اتسم موقفها باللامبالاة حيال القضية الفلسطينية بالذات منذ الغزو الإسرائيلي للبنان عام ٨٣، وإعلان مبادرة ريغان في الأول من سبتمبر من ذلك العام- يبدو انها أخذت ترمي بشباكها في المنطقة من جديد، من خلال جولتي مورفي منفردًا وشولتز ومورفي معًا، وتتمثل هذه الشباك في الإيحاء بأن الإدارة الأمريكية باتت مقتنعة بضرورة التحرك من أجل كسر جهود التسوية بفضل إلحاح بعض الزعماء العرب الذين زاروا واشنطن منذ بداية العام الحالي، وبسبب تغير بعض الظروف لصالح التسوية كعودة مصر للصف العربي، والتنسيق الأردني الفلسطيني، وأخيرًا توقيع اتفاق عمان في ١١ فبراير ٨٥ بين الملك حسين وياسر عرفات؛ للتحرك سويًا من أجل إحياء جهود التسوية على قاعدة الأرض مقابل السلام طبقًا لجميع قرارات الأمم المتحدة.

     وقد حاولت الإدارة الأمريكية أن تتنصل من تبعات هذا الاتفاق بالإعلان أنه غير كاف، وأنه لا بد من الحوار المباشر مع إسرائيل، كما حاولت نسف الاتفاق بشكل غير مباشر عندما حاولت عبر جولة مور في إقناع الأردن بالتحرك منفردًا، أو مع وفد فلسطيني يمثل سكان الضفة الغربية وقطاع غزة ممن ليس له علاقة بمنظمة التحرير، وأشهر مورفي في وجه الأردن تعهد کیسنجر الخاص بعدم إمكانية اعتراف الإدارة الأمريكية بالمنظمة والحوار معها ما لم تعلن صراحة قبولها بالقرار (٢٤٢)، والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، والتخلي عن الخيار العسكري الذي يسمونه إرهابًا.

تكريس الاتفاق:

     وبعد رفض المنظمة لمقترحات مورفي في اجتماعات بغداد ومحادثات عرفات مع الملك حسين التي تكررت بعد ذلك- توصل الطرفان إلى تكريس اتفاق عمان، وتم تشكيل وفد مشترك للتحرك على المستوى الدولي من أجل الحصول على تأييد دولي لفكرة عقد مؤتمر دولي لحل القضية الفلسطينية، تحضره دول مجلس الأمن والدول المعنية بما في ذلك منظمة التحرير كطرف رئيسي، أو ضمن وفد عربي مشترك. 

     ويبدو أن الملك حسين قد أكد لشولتز على أهمية الحوار مع منظمة التحرير، وأن يكون الوفد الفلسطيني من أعضاء اللجنة التنفيذية المستقلين، والذين لم يكونوا في يوم من الأيام أعضاء في المنظمات الفدائية، وتشير معلومات الوطن العربي إلى أنه تم فعلًا تداول بعض الأسماء كالشيخ عبد الحميد السائح رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، ومحمد ملحم، وجاويد الغصين، وعبد الرزاق اليحيا، والأب إيليا خوري.

    وبهذا تكون زيارة شولتز قد مهدت الطريق لزيارة الملك حسين لواشنطن المقررة في نهاية الشهر الجاري، وبالرغم من التصريحات المتباينة حول نتيجتها إلا أنه من المتفق عليه، كما لمحت بعض المصادر المقربة من الأردن والمنظمة، أو ذات الصلة بالإدارة الأمريكية أن الزيارة أثمرت في إقناع شولتز والإدارة الأمريكية بضرورة الحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية ولو على مراحل.

     ومن المقرر أن يكون عرفات الذي وصل يوم الجمعة الماضي عمان قد بحث التفاصيل مع الملك حسين قبل زيارته المقبلة لواشنطن.

جولة شولتز:

     وفي الوقت الذي بدأ يستعد فيه شولتز لتقديم تقرير عن جولته للرئيس ريغان، شهد الأسبوع الماضي مؤشرات على أن الإدارة الأمريكية قد ألقت بشباكها في المنطقة، وأنها تنتظر فرصة الصيف لترى من تصيد. 

     ومن هذه المؤشرات بيان الخارجية الأمريكية عن استعداد إدارة ريغان للاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، والذي ربما يكون عرفات قد رد عليه بتصريحه للواشنطن بوست عندما قال إنه مستعد للاعتراف بإسرائيل مقابل اعتراف الإدارة الأمريكية بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، الأمر الذي استجلب استحسان شولتز بقوله: «إنه حسن أنهم يتلفظون بكلمة إسرائيل».

 اعتدال حزب العمل:

      وإذا كانت جهود التسوية وخاصة بالنسبة للأردن تعتمد: «اعتدال رئيس وزراء إسرائيل شمعون بيريز والتزامه العلني بقبول اتفاق ما حول الضفة الغربية»، كما قالت صحيفة الفاينتشال تايمز البريطانية، فإن إعلان وسائل الإعلام الأمريكية عن توجه جديد في هذا المجال لحكومة بيريز الائتلافية غالبًا ما يكون القصد منه تشجيع الأردن بشكل خاص على المضي في طريق التسوية واغتنام «الفرصة التاريخية» بحسب تعبير الملك حسين.

     ويبدو أن شولتز كان منبهًا لهذه القضية، فقد نقل للملك ولحسني مبارك -كما قالت مصادر مطلعة- وجهة نظر بيريز والتي تتلخص في أن الحكومة الحالية لا تستطيع أن تتخذ أي قرار مادام الليكود على تشدده، وأن حزب العمل على استعداد لتحمل المسؤولية وحده، وفرط الائتلافية مع الليكود للدخول في مفاوضات سلام، والتجاوب مع التوجهات الأمريكية، ولكن ذلك مشروط بموافقة الأردن ومن يشاركه من الفلسطينيين سلفًا على التفاوض مباشرة مع إسرائيل برعاية واشنطن.

     وقد جاءت نتائج انتخابات الهستدروت يوم ١٣ الجاري لصالح حزب العمل لتعزز هذا الطرح، كما عمد بيريز في مقابلة مع التلفزيون الأمريكي «بي. بي. إس» إلى التأكيد على أهمية الحوار بالنسبة للمنظمة وضرورة اعتمادها لذلك، بدلًا من الاستمرار في إطلاق النار، كما قيم جولة شولتز بقوله: «إنها أثرت عن إحساس حقيقي بالتحرك»، ومن جانبه قال شولتز بأن هناك «فرصة جديدة» «وقوة دفع جديدة» في جهود التسوية.

(85) عامٌ حاسمٌ:

     وتتتابع التسريبات الإعلامية لتصب في نفس الاتجاه؛ فقد صرح مصدر أمريكي مسؤول يوم الجمعة الماضي لصحيفة الاتحاد الظبيانية «إن الإدارة الأمريكية ما زالت رغم تعثر الجهود التي تبذلها تعتبر عام ١٩٨٥ عامًا حاسمًا بالنسبة لتسوية أزمة الشرق الأوسط»، فأضاف «إن زيارة الملك حسين المقبلة للولايات المتحدة ولقاءه مع الرئيس ريغان ستكون حاسمة من أجل بلورة موقف أمريكي محدد إزاء التسوية السلمية في المنطقة، والاتفاق الأردني الفلسطيني، واعترف المسؤول بأن مورفي قد تسلم فعلًا قائمة بالوفد الفلسطيني المحتمل أن ينضم للوفد الأردني. 

     ولم ينس المسؤول الأمريكي أن يشير إلى أن أحد أسباب هذا التوجه الأمريكي هو الخشية من توجه بعض الدول العربية لما أسماه بالإرهاب، ولا يخفى أنه يقصد تطور الأمور لجهة رفض المخططات الأمريكية الصهيونية بفعل نمو قوى المقاومة المسلحة، وإعلان الجهاد ضد الوجود الإسرائيلي كما حصل في الجنوب اللبناني.

     ويأتي في سياق إلقاء الشباك الأمريكية ما نقلته جريدة الرأي العام من عمان ونسبته لمصادر إسرائيلية رسمية من أن ستة عشر عضوًا في الكنيست الإسرائيلي من حزب العمل بعثوا برسالة عاجلة إلى رئيس الحكومة شمعون بيريز، يطالبون فيها بإجراء مفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية لحل القضية الفلسطينية طالما أن المنظمة تبدي استعدادها للتحدث والاعتراف بإسرائيل.

     وأضافت الصحيفة أن زعماء حزب العمل باتوا يبدون مرونة أكثر لجهة الاعتراف بمنظمة التحرير ومحاورتها كممثل للفلسطينيين، وإنه من المحتمل أن يعمد حزب العمل لتشكيل حكومة جديدة بعد إجراء انتخابات بات من المحتمل فوزه فيها.

     وهكذا فإن أمريكا تريد أن تقول للعرب الذين لخص موقفهم عرفات بقوله: لقد تحركنا بما فيه الكفاية والباقي على الآخرين- إنها باتت مستعدة للاستجابة لمطالبهم، والضغط على إسرائيل بصورة غير مباشرة طبعًا (دعم حزب العمل)، وإن مشكلة الحوار مع المنظمة ستحل بالتدريج، فما عليكم إلا اغتنام الفرصة والتقدم إلى الأمام نحو التسوية والمفاوضات المباشرة، وهناك يتم حل جميع الإشكالات.

من تصيد؟

     الأردن ما زال يصر على مشاركة المنظمة والمؤتمر الدولي، ورفض المفاوضات المباشرة، والمنظمة ما زالت تعلن رفضها لقرار (٢٤٢) مع حرصها على استمرار الحوار، وإسرائيل لا تزال مصرة على المفاوضات المباشرة، والإدارة الأمريكية ما زالت تلقي بشباكها وتأمل أن «تصيد» في الصيف، فمن الذي يقع في الشباك الأمريكية علمًا أنها منصوبة ابتداء للأردن ومنظمة التحرير؟.

     وهل تتراجع قيادة المنظمة عن مبدأ العمل العسكري الذي أصر عليه أبو جهاد وأحياه في النفوس يوم الخميس الماضي على مسرح جامعة الكويت؟

     بقي أن نشير إلى أن التسريبات الإعلامية لم تنس الإشارة إلى تهيؤ الأطراف المناهضة علنًا للجهود الأمريكية كسوريا والاتحاد السوفييتي، فهل يكون اجتماع شولتز غروميكو في فيينا يوم الجمعة الماضي قد تكفل بذلك؟ ربما لكن العالمين بأوضاع المنطقة يقولون إن أنظمة الحكم العربية في مجموعها باتت سربًا واحدًا يحلق في جو الولاء للسياسة الأمريكية، وإن أدوارهم -إن اختلفت أو تباينت- فهي لتكريس التبعية والولاء، واضطرار بعض الرافضين كمنظمة التحرير ومنظمة فتح لكي يكونوا ضمن المسيرة، وهذا ما تتناوبه أنظمة دول المواجهة بشكل خاص.

الحقيقة:

      والخلاصة التي ينتهي لها المراقب المسلم هي أن جهود التسوية الأمريكية من المشكوك في جدواها، وأنها لن تكون إلا لصالح التحالف الأمريكي الصهيوني، وضد مصالح الأمة الإسلامية، وأن إلقاء الشباك الأمريكية المقصود به مزيدًا من الابتزاز والإذلال للمسلمين في مقابل إعزاز اليهود وإعلاء كلمتهم، والحقيقة التي تتأكد يومًا بعد يوم، وإن كانت بدهية للمسلم ابتداء- أن العدو الصهيوني لم يقدر له إقامة دولة العدوان في فلسطين إلا بالقوةـ وأن السبيل الوحيد لرد الحق لأهله هو القوة على أساس من الجهاد في سبيل الله ووحدة الأمة الإسلامية، فهل من منقذ يقلب الأمور على اللاعبين، ويرد كيد الغاصبين؟ إننا لمنتظرون.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

298

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 1

1113

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان