; أمريكا ذات الوجه الواحد | مجلة المجتمع

العنوان أمريكا ذات الوجه الواحد

الكاتب صلاح شادي

تاريخ النشر الثلاثاء 14-يوليو-1987

مشاهدات 73

نشر في العدد 825

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 14-يوليو-1987

  • دور "أمريكا" في "أفغانستان": جعجعة بلا طحين!!

في يوم من الأيام كشف مدير المخابرات الأمريكية لصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية عن معلومات أكدت موقف البيت الأبيض الأمريكي الانتهازي من الحرب العراقية- الإيرانية.

ملخص تلك المعلومات على ذمة مدير "الوكالة" و"الواشنطن بوست" أن "وكالة المخابرات الأمريكية" ظلت تزوِّد "العراق" بمعلومات على مدى عامين لمساعدتها في حربها مع "إیران"، وذلك خلال نفس الفترة التي كانت تمد فيها الولايات المتحدة "إيران" بالأسلحة!!

ولا يمكن للقارئ أن يفهم هذا الخبر الذي أوردته الصحيفة نقلًا عن مدير المخابرات الأمريكية إلا إذا أدرك أن وجه "أمريكا" الحقيقي لم يتغير بالرغم من موقفها المزدوج في مساعدة الطرفين المتحاربين في نفس الوقت.

إن سياستها في محاربة الإسلام ذاته هي السياسة الثابتة التي مارستها- من القدم إلى الآن- فيما تبديه من معونات لا تحقق إلا هدفًا واحدًا مهما تعددت أوجه المساعدة، بل ومهما تعارضت في شكلها الظاهر، وهي في كل صورها لا تمثل إلا وجه الصهيونية الشوهاء الذي يسعى إلى تقويض دعائم السلام فيما حولها من الدول لتصبح هي صاحبة اليد الطولى والكلمة النافذة في منطقة "الشرق الأوسط" برمته..

حلم "إسرائيل" الكبير!!

ولست في حاجة إلى تدعيم هذا الرأي بما نشهده اليوم من الحروب اللبنانية بين المنظمات المختلفة التي حوَّلت دولة "لبنان" الصغيرة إلى أشلاء دولة، تؤذن بتحويل دول المنطقة كلها- في المستقبل القريب- إلى نفس المصير الذي وصلت إليه "لبنان".

ولكي تتكامل الصورة لدينا، لا بد أن نعرض لموقف "روسيا"- في "أفغانستان" التي تحارب الحرية التي زرعها الإسلام في قلوب المجاهدين الأبطال وروتها دماؤهم الزكية في ربوعها وأبت على كل مستعمر أن يدنس بأقدامه أرضها الحرة.

وإذًن..

فهي حرب الإسلام في كل بقاع الدنيا شرقًا وغربًا مهما قال المتفيهقون وتشدق المتغربون والمستشرقون، "فأمريكا" تعطي "لإيران" السلام لتدمر به "العراق" وتدمر به نفسها وإسرائيل توصل السلاح وتتقاضى ثمنه لتصل إلى نفس الهدف.

البحث عن المخرج

ولا بد للمسلمين أن يفهموا واقع هذه المصيبة التي تحيق بهم جميعًا، وحديثي هذا لا يعني تصوير الحال إلا بالقدر الذي توجبه هذه الصورة علينا من بحث عن المخرج الذي يجب أن يسلكه المسلمون والعرب لرفع هذه الطامَّة ورفع الذل عن أعناق المستعبدين.

إنَّ فرقة المسلمين التي انتهت بنا إلى اندلاع الحرب بهذه الصورة الشرسة هدمت وجود هذه الطائفة التي تحاول رأب الصدع وعلاج الموقف، فبعض الدول العربية انحازت إلى إحدى هذه الدول المتحاربة ولذا عجزت الدول المتحاربة أن تجد العلاج في قول الله - تبارك وتعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الحجرات:۹).

كما أن المخاوف المحتملة قد أفقدت المتحاربين الفرصة الملائمة لوقف الحرب، والتجأ كلاهما إلى الدول التي ترغب في تدميرهما- كليهما- تحقيقًا لمطامع "إسرائيل". فما هو السبيل؟؟

والإجابة على ذلك تتلخص أولًا في إخلاص قصد الراغبين في الصلح وعدولهم عن موقف "أمريكا" وعدم تقليدها فيما ذهبت إليه، فالمصيبة أننا نشجب موقف "أمريكا"، ولم نطرح بديلًا غير الموقف الأمريكي لإيقاف هذه الحرب بشكل نهائي جاد.

و"أفغانستان"

وإذا امتد بصرنا إلى "أفغانستان" شهدنا أمة تحترق، ولم تحفل الدول العربية والإسلامية بأن تقدم لها ما تحتاجه من عون كبير يقيل عثرتها ويفتح لها طريق الأمل للنصر في قتالٍ مريرٍ امتدَّ أواره سبعة أعوام وما زال.. إن سياستنا في هذا الشأن تسير بخُطًى مترددة لا ثبات فيها فنحن نخاف أن نغضب "روسيا"، بل وأن فينا أقوامًا لا ينظرون إلى هذه الحرب على أنها دفاع عن كلمة التوحيد، بل يرونها سياسات يحتمل أن تختلف فيها الآراء أو تتفق، أما التشريد والخراب والتدمير الذي يحيق بالمجاهدين فهو أمر لا يستلزم هذا الصراخ الذي يصدر من الصدور المكلومة والعبرات التي تذرفها الأعين الباكية.

يا لله كم فينا من جروح فكرية أحدثها الهوى في العقول وكم فينا من نيران أشعلها بغض الإسلام في القلوب.. فإذا استعرضنا موقف "أمريكا" من هذه الحرب لوجدناها جعجعة بلا طحن ودعاية تنقصها الحقيقة، ودعوى كاذبة في إمدادها للمجاهدين بالسلاح الفعَّال وحقيقة الأمر أن المجاهدين يحاربون بأسلحة الروس التي يستنقذوها من أيديهم.

وهذه هي أمريكا ذات الوجه الواحد الذي لم يتخلف يومًا عن محاربة الإسلام والمسلمين.. وإذا طالعتنا "أمريكا" بوجهها الاقتصادي لشاهدنا عطاءها الجزل من صندوق النقد الدولي سواء كان هذا العطاء ديونًا عسكرية أو قروضًا اقتصادية، إنه الحبل الذي ترخيه "أمريكا" ليشد على أعناقنا بعد ذلك فتقضي على ما بقي من حريتنا السياسية - كما كان حال "مصر" أيام "إسماعيل باشا" الذي أورثنا صندوق الدين- وتستعبد به شعوب العالم الثالث بما فيهم الشعوب الإسلامية وشعوب "الشرق الأوسط".

وهنا لا بد أن نوقن أن كل سلعة أمريكية أو غربية أو شرقية إنما هي نصل في قلوبنا يروي تعطش الصهيونية للسيادة والريادة فضلًا عما تتوخاه "أمريكا" من استرقاق أهلينا وامتهان حريتهم وكرامتهم.

ومن هنا فإن علينا أن نسترد قدرتنا على الإنتاج من منطلق ما يوجبه علينا الإسلام من رفض كل ما هو أجنبي والنظر إليه كسهم مسموم يرتد إلى نحورنا قبل أن تستهلكه أيدينا، وهذا الشعور لا بد أن يستتبعه عمل... أدناه الاستغناء عن البضائع الأجنبية الأمريكية على الخصوص، مهما أوجبتها الحاجة التي إن صحَّت لا بد أن تولد الاختراع الذي تفتقده الحاجة إلى الإنتاج المحلي.

ومهما كانت المسيرة شاقَّة علينا أن نبدأ الخطو الصحيح نحو الطريق السليم، فإن عداء "أمريكا" للإسلام والمسلمين إذا وُجِّهَ من منطلق العقيدة كان أمر الاستغناء عن اقتصادها عقيدة خالصة لوجه الله، ومن هنا تبدأ، بل ويبدأ كل مخلص لوطنه يشعر بذل العبودية للموجه الأمريكي القديم الجديد، الذي لم يتبدل قط منذ وطئت "أمريكابأقدامها مقدسات الشرق الأوسط ووطدت سياستها باستخدام "إسرائيل" كرأس حربة لطعن الإسلام والمسلمين.. ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

الرابط المختصر :