; الخبير العسكري والاستراتيجي العميد صفوت الزيات: أمريكا فشلت عسكريًا واستراتيجيًا في أفغانستان | مجلة المجتمع

العنوان الخبير العسكري والاستراتيجي العميد صفوت الزيات: أمريكا فشلت عسكريًا واستراتيجيًا في أفغانستان

الكاتب بدر محمد بدر

تاريخ النشر السبت 02-يناير-2010

مشاهدات 58

نشر في العدد 1883

نشر في الصفحة 28

السبت 02-يناير-2010

في حوار شامل مع المجتمع (1-2)

  • الخسائر الأمريكية المتوقعة خلال الشهور القادمة ستفوق معدلاتها السابقة التي شهدناها خلال عام ٢٠٠٩ م
  • إنها في ورطة حقيقية وتبحث عن «خروج آمن» يحفظ لها كرامتها
  • أمريكا تتعرض لأسوأ أزمة اقتصادية منذ الكساد العظيم في الثلاثينيات ولديها معدلات بطالة متصاعدة ومشكلات ضخمة
  • الجندي الأمريكي الواحد يتكلف حوالي مليون دولار سنويًا في أفغانستان أو في العراق
  • القوات البريطانية في أفغانستان لا يتجاوز عددها 8 آلاف جندي على الأرض
  • مقابل ٦٨ ألف جندي أمريكي
  • عمليات القتل المستمر بواسطة الغارات الجوية الأمريكية أنتجت حالة من العنف المضاد في باكستان

ما يجري على الساحة الأفغانية الآن يحتاج إلى الفهم والتحليل الدقيق، وقراءة في السيناريوهات المستقبلية، فبعد ثماني سنوات على الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، هل حققت الولايات المتحدة أهدافها السياسية والاستراتيجية والعسكرية من هذا العدوان؟ وهل المقاومة الأفغانية في موقف أفضل أم لا؟ وما الخسائر التي تكبدتها القوات الأمريكية حتى الآن؟ هذه التساؤلات وغيرها توجهت بها المجتمع إلى الخبير الاستراتيجي والعسكري العميد صفوت الزيات في هذا الحوار الشامل:

• في تقديرك -كخبير عسكري- ما الأهداف الاستراتيجية الأمريكية والغربية من العدوان على أفغانستان؟

- بداية أستطيع أن أؤكد أن الأهداف الاستراتيجية لأمريكا ولحلف شمال الأطلنطي «الناتو» اتسمت بالاضطراب والارتباك وبحالة من عدم الاستمرارية بمعنى أننا أمام أهداف متقلبة، وباختصار شديد أقول: إن الحرب أمريكية وليست حرب الناتو فمساهمات الحلف، حتى بعد الزيادة الجديدة التي أمر بها الرئيس الأمريكي «باراك أوباما»، لن تتعدى ثلث القوات المشاركة في أفغانستان الحديث عن أن هناك ٤٣ دولة متحالفة مع الولايات المتحدة الأمريكية هو حديث مضلل باعتبار أن القوات الأجنبية المشاركة -باستثناء بريطانيا في إقليم هلمند في الجنوب وباستثناء كندا في إقليم قندهار، وإلى حد ما باستثناء هولندا في إقليم أوروزجان شمال الإقليمين السابقين- لا توجد بينها قوات تتولى مهام قتالية جدية، والأخطر من هذا أن الدول تضع شروطًا وقواعد شديدة لمنع حدوث خسائر بشرية لقواتها، وتقليص التكلفة البشرية إلى أقصى حد ممكن، إذا هي حرب أمريكية بالدرجة الأولى.

- وفي يونيو الماضي، أصبح القائد الأمريكي الجنرال «ستانلي ماكريستال» يتولى القيادة الحقيقية للقوات المتحالفة على الأرض، والمجهود الحربي تتولاه الولايات المتحدة والاستراتيجية ترسمها الولايات المتحدة بالدرجة الأعظم، والتكلفة المادية تتحملها هي أيضًا بصورة ضخمة للغاية، إذا الحديث على أنها حرب للناتو أو نصف الكرة الغربي هو حديث مضلل، ولكن يبدو أن الإدارة الأمريكية سواء في عهد «بوش» أو في عهد «أوباما»، تحاول أن تمرر مثل هذا الانطباع إلى الداخل الأمريكي بالدرجة الأولى، حتى يتسنى لها الحصول على دعم الرأي العام الأمريكي لتأمين هذه الحرب باعتبار أنها لا تخوضها بمفردها على النحو الذي شهدناه أيضًا في احتلال العراق، ولكن القوات البريطانية في أفغانستان عددها لا يتجاوز 8 آلاف جندي على الأرض، مقابل ٦٨ ألف جندي أمريكي الآن، ومع الزيادة الجديدة سيتصاعد إلى ١٠٥ آلاف جندي، أي أن قوات الولايات المتحدة ۱۲ ضعف الدولة المشاركة الثانية في أفغانستان، وبالتالي الحديث عن تحالف على أرض الواقع غير حقيقي.

- وإذا جئنا للحديث عن الأهداف الاستراتيجية الأمريكية سنجد أن الولايات المتحدة عندما دخلت الحرب على أفغانستان ربما كانت تسيطر عليها فكرة الانتقام مما حدث في 11 سبتمبر ۲۰۰۱م بأمريكا وربما تصور الرئيس الأمريكي عندما حدث ذلك النجاح السريع في الأسابيع الأولى للحرب أن ينتقل من مرحلة إسقاط نظام طالبان والقضاء على «تنظيم القاعدة»، إلى محاولة ما يسمى إعادة بناء الأمة الأفغانية وهذه مهمة صعبة، «Nation building» للغاية، لكن الخطأ الكبير أن الرئيس بوش عندما انتقل من أفغانستان إلى العراق أهمل أفغانستان ولم يحرز أيًا من أهدافه الاستراتيجية التي وضعها في المقدمة، وهي القضاء على تنظيم القاعدة، وإسقاط حركة طالبان وبدأ يحول جهده العسكري إلى العراق، وأنا أتصور أن احتلال العراق لم يكن مسألة انتقام على نحو ما كان يحدث في أفغانستان، ولكنها كانت رؤية أيديولوجية لتأسيس ما يسمى بعالم أمريكي جديد.. بناء هيكلية الشرق أوسط كبير.. تقديم العراق كنموذج للدولة الديمقراطية الليبرالية الاقتصادية التي من خلالها سوف تؤسس الولايات المتحدة لها قاعدة وموطنا دائما في منطقة الشرق الأوسط الكبير الذي ترى فيه دائمًا مصالحها الاستراتيجية الأهم، وهي على نحو خاص النفط وأمن «إسرائيل».

• تؤكد أن أمريكا ستخرج قريبًا من أفغانستان، فما مؤشرات هذا الخروج؟ وهل فشلت بشكل واضح في حربها هناك؟

- من المؤكد أنها فشلت وعندما كنت أستمع لخطاب الرئيس «أوباما» في الأول من ديسمبر الماضي بأكاديمية ويست بوينت الحربية في «نيويورك»، أدركت بأنه كان إعلانًا لاستراتيجية خروج للولايات المتحدة من افغانستان لقد أعلن الرئيس الأمريكي أنه بعد ثمانية عشر شهراً ستبدأ القوات الأمريكية في الانسحاب التدريجي من أفغانستان وبالتالي نحن أمام تصعيد مؤقت له فترة زمنية، وأمام بدء إعلان انسحاب تدريجي بدءًا من يوليو ۲۰۱۱م، نحن أمام رئيس يحاول أن يوازن لكنه يعطي رسالة صريحة للغاية للقيادة العسكرية في أفغانستان: إننا لن نتورط أكثر من ذلك.. خطاب الرئيس أوباما، حدد المهام التي علينا أن تستعيدها قال أولًا: إن المهمة الأولى لنا هي تمزيق وتفكيك وهزيمة تنظيم القاعدة إذن الإدارة الأمريكية لم تحقق حتى الآن أيًا من أهدافها على الإطلاق، و«أوباما»، يدرك هذه الحقيقة.

 وثانيًا: قال: «إننا سنوقف زخم حركة طالبان ومحاولة تأثيرها الإزاحة الحكومة في أفغانستان» ولم يقل: هزيمة حركة «طالبان» لم يعد يستطيع أن يعلن أو  ينفذ مهمة هزيمة طالبان هذه الهزيمة لم تعد واردة لدى الرئيس الأمريكي، الذي أصبح يدرك حقائق جديدة على الأرض.

وثالثًا: قال: «سنقوم بتهيئة قوات الأمن الأفغانية لتولي قيادة ومسؤولية الأمن في أفغانستان» وعندما تحلل هذه الأهداف الثلاثة نجدها متواضعة لأن الرئيس الأمريكي لم يعد يتكلم عن إعادة بناء الأمة الأفغانية، على النمط الغربي بفكرة الليبرالية وفكرة الديمقراطية التعددية التمثيلية.

«أوباما» قال أيضًا: «إنني أدرك أن الأمة الوحيدة التي على إعادة بنائها مرة أخرى هي أمتنا الأمريكية، لأننا أصبحنا سياسيا منقسمين»، فمنذ 11 سبتمبر ٢٠٠١م هناك انقسام سياسي حاد داخل المجتمع الأمريكي بين من يدعو إلى الحروب الخارجية واستخدام القوة العسكرية، ومن هو ضدها وأمريكا تتعرض لأسوأ أزمة اقتصادية منذ الكساد العظيم في الثلاثينيات ولديها معدلات بطالة متصاعدة ومشكلات ضخمة للغاية.

الأهم من هذا أن هناك إجهادًا كبيرًا على القوة العسكرية الأمريكية، ففي حرب فيتنام عام ١٩٦٥م كان لدى الولايات المتحدة ٤٣ فرقة في الجيش الأمريكي للقوات البرية وكان تعداد الجيش الأمريكي مليونا و ٦٠٠ ألف جندي، أما الآن، فالقوة البرية للجيش الأمريكي لا تتعدى عشر فرق حجمها حوالي ٥١٢ ألف جندي يعني نصف مليون أي أننا أمام تخفيض إلى نحو الثلث وقوة التشكيلات تخفيض إلى الربع وحين نتحدث عن غزو واحتلال وإعادة بناء أمم، فإننا بصورة رئيسة نتكلم عن القوة البرية أي «الجنود علي الأرض». أيضًا هذه الحرب غير شعبية و٦٣ من الأمريكيين يرون أنها حرب لا تستحق القتال و٤٨ يقولون: إن إدارة الحرب من قبل «أوباما»، هي إدارة سيئة وليست جيدة.

 أعتقد أن أمريكا حاليًا تعاني من تبعات هذه الحرب، والرئيس «أوباما» حدد أهدافًا متواضعة لها، لأنه يدرك أنه لن ينتصر فيها الأمريكيون، ولذا فهو يعاني مشكلة شخصية لأنه لا يوجد رئيس أمريكي يحب أن يسجل في تاريخه أنه الرئيس الذي هزمت الولايات المتحدة عسكريًا في عصره، وخصوصًا أنه أول رئيس أسود في تاريخ الولايات المتحدة فالرجل في معضلة كبيرة، لأنه ورث حربًا لن تنتصر فيها الولايات المتحدة.

 «أوباما» وهو يسعى إلى الخروج المشرف من أفغانستان يسعى لتخفيض مستويات العنف وإعداد القوات الأفغانية لتصوير أن الأمر بدأ في النجاح، وبالتالي يبدأ هو في الخروج، فأمريكا تبحث عن خروج مشرف لكنها لم تعد تتكلم عن انتصار؛ فالانتصار كلمة كبيرة.

فقد يبدأ «أوباما» في الخروج، وقد تترك الولايات المتحدة بعض القوات في بعض القواعد حول أفغانستان لكن بصورة أو بأخرى، الولايات المتحدة ستخرج حتما وهذا أمر منته، لكنها تبحث عن كيف تخرج، أنا أتصور أن الولايات المتحدة تبحث عن حل تلفيقي كما فعلت في العراق، لكنهم جميعا يدركون أنهم فشلوا في أفغانستان.

• هل يمكن القول بأن حركة طالبان ، تمثل كل المقاومة الأفغانية؟

- بداية.. فإن حركة «طالبان» في حد ذاتها اسم أصبح يوضع تحته كل مسميات حركات المقاومة في أفغانستان وباكستان ففي أفغانستان يوجد طالبان الملا محمد عمر، ومركزها قندهار وفي منطقة بيشاور في الجنوب الغربي لباكستان، وهناك أيضا جماعة جلال الدين حقاني، وهي في شرق أفغانستان، ويوجد جزء كبير منها في منطقة وزيرستان في منطقة القبائل في باكستان، وهي تدرج في السياق العام على أنها طالبان، وهناك الحزب الإسلامي القلب الدين حكمتيار وهو أيضًا كثيرا ما يتوارد الاسم على أنه طالبان، وهناك «طالبان باكستان» وهناك حركة التحرير الباكستانية بقيادة بيت الله محسود فطالبان الآن هي مفهوم واسع يشمل كل حركات المقاومة البشتونية، وقومية البشتون تمثل تقريبًا ٤٠% من الشعب الأفغاني، و١٥٪ من الشعب الباكستاني، إذا نحن أمام كتلة بشتونية قوية على خط الحدود الأفغاني الباكستاني، وهو خط وهمي في الحقيقة.

- الأخطر من هذا، أن هناك تمددًا الآن لحركات إسلامية في قلب باكستان في منطقة إقليم البنجاب، أكثر الأقاليم السكانية كثافة في باكستان، ومن هنا فإن هذا الاستخدام السيئ للعنف وعمليات القتل المستمر بواسطة الطيران الأمريكي وغارات الطائرات بدون طيار، أنتجت حالة من العنف المضاد ليس فقط في مناطق البشتون، ولكن تتمدد الآن في باكستان التي أصبحت تعيش في حالة من الفوضى والاضطراب، والجيش الباكستاني لديه أربع فرق الآن في وزيرستان، يحاول أن يقدم مساعدة ما للولايات المتحدة.

• إذا حركة طالبان والمقاومة الأفغانية هي قوة موجودة بالفعل على الأرض؟

- بالطبع حركة طالبان في معناها الواسع هي حركة مقاومة حقيقية، والرئيس الأمريكي نفسه يتحدث على أنه لا هزيمة ل«طالبان»، واليوم وأنا أتابع العمليات العسكرية هناك، أجد أن تنظيم «طالبان» يتمتع بقدرة تكيف عالية على الأرض ورئيس الأركان الأمريكي يتحدث عن أن 11 ولاية في أفغانستان « من أصل ٣٤» تحت سيطرة «طالبان»، وهناك أحاديث قوية عن أن الاستخبارات الباكستانية تدعم طالبان أفغانستان، ومنذ عام ١٩٩٤م كان هناك دعم باكستاني للحركة، خصوصا بعد توليها السلطة، وباكستان تدرك أن حركة «طالبان» في أفغانستان تمثل لها عمقًا استراتيجيًا في مواجهة أخطر تحدياتها وهو الهند التي بدأت الآن تتواجد في أفغانستان وتحاول أن تنفذ عملية التفاف استراتيجي كبير ضد باكستان من الشرق، فما بالنا لو حدث صراع مسلح جذوره موجودة على الأرض ؟!

- وببساطة شديدة، أعتقد أن زيادة القوات الأمريكية الأخيرة تزيد مما يسمى بصمة أمريكا على الأرض كقوات محتلة، إذ ستجعل لدى «طالبان» مبررات أقوى على أنها تقاتل جيش احتلال، وعلى الأرض أرى أن الخسائر الأمريكية المتوقعة خلال الشهور القادمة ستتزايد عن معدلاتها السابقة التي شهدناها في ۲۰۰۹م، وفي بعض الشهور خاصة يونيو ويوليو وأغسطس الأخيرة كان معدل الخسائر الأمريكية الشهرية يزيد على معدل خسائرها السنوية في السنوات الأولى من الغزو.

- ولابد أن ندرك أن الجندي الأمريكي الواحد يتكلف حوالي مليون دولار في العام في أفغانستان أو في العراق، وحين نتكلم عن ١٠٠ ألف جندي أمريكي سيتواجدون هناك مع مطلع الربيع القادم، إذا الإنفاق السنوي ۱۰۰ مليار دولار في مسرح عمليات ليست له نهاية متوقعة، وفي ظروف اقتصادية صعبة للأمريكيين، وبالتالي فالرئيس الأمريكي «أوباما» يقاتل حربا غير شعبية يعاني فيها نزيفًا اقتصاديًا وعسكريًا .

• ماذا عن تأثير تكاليف الحرب في أفغانستان والعراق على الولايات المتحدة؟

- تكاليف الحرب ستصل بدءًا من عام ۲۰۱۰م إلى مائة مليار دولار سنويًا في أفغانستان وحدها، وقد تزيد هذه التكاليف إذا استمر هذا المعدل، وهذه هي التكاليف المباشرة، وأؤكد أن هناك حسابات أخرى لدى الاقتصاديين قد تجعل من هذا الرقم أضعاف ما يتحدثون عنه، وحتى الآن الولايات المتحدة أنفقت على الحرب في أفغانستان حوالي ۲۲۸ مليار دولار من بداية الحرب، ومع بدء العام القادم نحن أمام تصعيد كبير في التكلفة، فما بالنا الآن مع هذه الأوضاع الاقتصادية السيئة التي تعاني منها الولايات المتحدة.

في الجزء الثاني: أبعاد الدور الصهيوني في الحرب الأمريكية على أفغانستان.

الرابط المختصر :