العنوان أمريكا.. وتجارة الدماء
الكاتب د. عبد الله عزام
تاريخ النشر الثلاثاء 07-أبريل-1987
مشاهدات 63
نشر في العدد 812
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 07-أبريل-1987
- الركون إلى الكفار والظالمين يعيق النصر بل يمنع نزوله
- قوافل المجاهدين الأفغان كأسراب النحل رغم دوي الطائرات وأزيز المدافع
- مستشار الإدارة الأمريكية يقول: لا بد أن تثار حرب صليبية قبل أن تتم الصحوة الإسلامية وقبل أن يقفز المسلمون مرة أخرى على قمم أوروبا
- أمریکا تريد أن تظهر بمظهر الوصي على الجهاد الأفغاني وأنها أمه التي تحضنه
لقد انبسطت أسارير أمريكا وهي تری انزلاق أقدام الدب الروسي فوق جبال الهندكوش كما غرقت أقدامها هي من قبل على شواطئ نهر الميكونغ في فيتنام.
وظنت أمريكا أن الفرصة قد حانت للتنفيس عن أحقادها في فيتنام ولتحطيم أعدائها التقليديين معًا.. الشيوعيين والمسلمين - ولاستنزاف قوى الطرفين البشرية والاقتصاديةوالعسكرية.
وكانت أمريكا تظن أن بإمكانهاأن تحتوي الجهاد الأفغاني آجلًا أو عاجلًا، وتلمع البديل الذي تقدمه للمسلمين إسلامًا ولكنه الثوب الأمريكي والعقلية الغربية كما قدمت للعالم الإسلامي كثيرًا من هذه النماذج. وحاولت أمريكا أن تعجم عود القادة الأفغان فوجدتها صلبة المكسر غير لينة المعصر.
وأوكلت إلى السادات أن يشتري القادة وأنابته لتمزيق الاتحاد الإسلامي لتحرير أفغانستان فقام بالوكالة الأمريكية بأمانة وإخلاص ومزق بقدر من الله الاتحاد.
وقد حاولت أمريكا أن تقيم الملك ظاهر شاه على أرجل من خشب ولكنها لم تستطع أن تنفخ الروح في العظام الرميمة وسقطت المحاولات الأمريكية في تقديم الملك ظاهر شاه أو رئيس وزرائه محمد يوسف في صورة أنيقة تخلب ألباب عقول الشعب الأفغاني أو تخدع به عقولهم.
ولقد كانت المناورات الأمريكية الروسية تدور حول البديل عن روسيا إثر انسحابها ولم تستطع أن تتوصل إلى الشخصية العلمانية اللادينية التي تقدم للشعب الأفغاني بأثواب المسلمين.
نیکسون: يجب على روسيا وأمريكا أن تتحدا للحيلولة دون قيام حكم إسلامي في أفغانستان...!!
وليكن واضحًا منذ بداية الطريق أن الطاغوت هو الطاغوت سواء كان أمريكيًا أو أفغانيًا أو روسيًا وليكن واضحًا منذ الخطوة الأولى أن الذين يشرعون بغير ما أنزل الله هم كفار وإن صلوا وصاموا وأقاموا الشعائر وسيان في نظر المسلمين من حيث الكفر ظاهر شاه وحفيظ الله أمين وبابرك كارمل.
وليكن مستقرًا في القلوب أن الشرع الذي يطبق فوق الشعب والقانون الذي يحكم في الأعراض والدماء والأموال هو الذي يحدد هوية الحاكم من حيث الكفر والإيمان فإن كان الشرع والتشريع بغير ما أنزل الله فهو الكفر الصريح، ولنوقن منذ البداية أن الكفر ملة واحدة وأن ملل الكفر تنازع بعضها على مصالح دنيوية أما العدو المشترك في نظرها فهو الإسلام.
ويجب أن يكون واضحًا: أن الاستعانة بالكفار لا تجوز إلا بشروط:
1 - أن يكون حكم الإسلام هو الظاهر بحيث لا يستطيع الكافر الذي يعطي مساعدته أن يتغلب على المسلمين في النهاية.
٢ - أن تكون الإعانة دون قيد ولا شرط.
3- أن يكون المسلمون بحاجة إليها.
4- أن تؤمن خيانة الكافر وأن نثق أنه يساعدنا نكاية بالعدو المشترك.
جاء في المبسوط للسرخي 10/128«قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة عن المسلمين يستعينون بأهل الشرك على أهل الحرب قال: لا بأس بذلك إذا كان حكم الإسلام هو الغالب الظاهر لأن قتالهم بهذه الصفة لإعزاز دين الله والاستعانة عليهم بأهل الشرك كالاستعانة بالكلاب».
- وهنالك قضايا أولية وأساسية قد تغيب عن الأذهان
1 - إن الركون إلى الكفار والظالمين يعيق النصر بل يمنع نزوله ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (هود: ۱۱۳)
2- إن هذا الجهاد لم يبدأ ضد الروس بل بدأ ضد الحكام الأفغان أنفسهم ابتداء من محمد داود ثم تراقي ثم حفيظ الله وانتهاء بكارمل.
3 - إن هذا الجهاد رفع لواءه الشباب المسلم مع العلماء لتكون كلمة الله هي العليا ولرفع راية الإسلام ولإقرار دين الله في الأرض وإقامة نظام إسلامي في أفغانستان.
4- إن انحراف الجهاد عن غايتهالأساسية يعني سقوطه وانتهائه، فإذا فقد المجاهدون الهدف الأسمى وهو «لتكون كلمة الله هي العليا» فقد تحول الجهاد إلى قتال يومي ويصبح الخروج للجهاد حمية ويفقد الجهاد قدسيته التي استحوذ بها على قلوب المسلمين واستقطب أفئدة الصادقين في الأرضكلها.
إن حياة الجهاد وروحه إنما استمدها من رايته الإسلامية التي رفعها فإذا سقطت الراية فقد الجهاد روحه ومات الجهاد وأصبح القتال انفعالات وقتية كزوبعة سرعان ما تزول أو كسحابة صيف عن قليل تقشع.
5 - إن الحل السياسي الذي تسعى إليه أمريكا مع روسيا باطل شرعًا ممنوع عقلًا ولقد علمتنا التجارب كلها في فلسطين وغيرها أن الحل لا يكون إلا من خلال فوهات البنادق وأن إحالة القضية إلى المجالس الدولية والمحافل العالمية تعني إحالتها إلى سلة المهملات والسير بها إلى موتها المحتوم.
والحل السياسي باطل شرعًا جاء في فتح العلي المالك 1/289 «إذا وقع الخليفة الصلح مع النصارى والمسلمون لا يرون إلا الجهاد فمهادنته منقوضة وفعله مردود وحيثما تعين الجهاد في موضع لم يجز فيه الصلح كما لو كان العدو طالبًا على المسلمين وكل ما تعين في فرض الجهاد مانع من الصلح لاستلزامه إبطال فرض العين الذي هو الجهاد المطلوب فيه الاستنقاذ، والصلح المذكور فيه ترك الجهاد المتعين، وترك الجهاد المتعين ممتنع وكل ممتنع غير لازم».
لقد حاولت أمريكا أن تسبر غور الجهاد وأبعاده الإسلامية فأرسلت الرئيس الأمريكي السابق نيكسون لزيارة مخيمات المهاجرين والحدود وزار مخيم ناصر باغ وتقدم نيكسون ليسلم على شيخ بلغ من العمر عتيًا وقد لحب الجنبان واحدودب الظهر وإذا بالشيخ يقبض يده قائلًا: أنت مشرك نجس لا أسلم عليك، وتقدم شيخ آخر طاعن في السن فقال لنيكسون: لماذا أعطيتم فلسطين لليهود؟
رأی نیکسون شعبًا بكامله طفله وشيخه البنت والعجوز فيه والأرملة والعوائق والمجاهد والمهاجر فيه كلهم تحركهم كلمة الله أكبر وهم يرددونالجهاد سبيلنا.
رأى الطريق المؤدية إلى أفغانستان فيها قوافل المجاهدين كأسراب النمل رغم دوي الطائرات وأزيز المدافع وانفجار الصواريخ وهدير الدبابات فاهتز كیانه وارتجفت أوصاله فعاد مرتعد الفرائص منذرًا قومه والرائد لا يكذب أهله.
فعقد مؤتمرًا صحفيًا وسأله الصحفيون: ماذا أعددتم للقضية الفلانية فقال هذه سهلة والقضية كذا فقال: هذه ميسورة، وبعد عدة أسئلة وهو يجيب بابتسامة أنها سهلة قال له الصحفيون إذا ما هي المشكلة الأساسية؟ فقال: المشكلة الأساسية هي الإسلام فقالوا له: إذًا ما الحل؟ فقال: لأن نأتي بأبناء المسلمين ثم نرسلهم إلى بلادنا كي نحقنهم بثقافتنا ونعيدهم إلى بلادهم ثم قال: يجب على روسيا وأمريكا أن تتحدا للحيلولة دون قيام حكم إسلامي في أفغانستان.
ثم جاءت بعدها محاولة استدراج القادة الأفغان لمقابلة ريجان بحجة إلقاء خطاب في الأمم المتحدة في نيويورك وحدد ريجان موعد مقابلته مع حكمت يار رئيس الوفد والناطق الرسمي باسمه ورفض حكمت يار ومندوب الاتحاد الإسلامي/ سياف أن يقابلا ريجان في الثلاثين من أكتوبر 1985 وكذلك رفض زيارة الكونجرس الأمريكي بعد أن وجه إليه دعوة حارة وقد اطلعت على بطاقة الدعوة وفيها «لأنكم شعب يؤمن بالله وضرب أروع الأمثلة للشعوب التي ترید استرداد حريتها نتشرف بدعوتكم».
وأسرها ريجان في نفسه وامتلأ غيظًا إذ أنه كما قال سفير دولة إسلامية لحکمت یار أترفض مقابلة ريجان وهو يرفض مقابلة ستين رئيسًا وملكًا؟.
ثم حصل لقاء القمة بين ريجان وغور باتشوف في نوفمبر ١٩٨٥ وأخرج غور باتشوف من حقيبته خارطة الدولة الإسلامية في أوج عزها وأرفع دهورها وبين له أن معظم أراضي أوروبا كانت تخضع للمسلمين وأن المسلمين قد دقوا أبواب أوروبا مرتين ووقفوا في شوارع النمسا ثم حذر غور باتشوف ريجان وقال له:
لقد بدأ المسلمون يتململون وينفضون الغبار عن أنفسهم ويحاولون أن ينطلقوا وإذا انطلقوا لن يقف في وجههم شيء وأن المستفيد الوحيد من اختلاف أمریكا وروسيا هو الإسلام فلا بد من إنهاء مشاكلنا للوقوف في وجه العدو المشترك وأطرق ريجان مليًا وأعجب بالفكرة.
وكان أحد المفكرين الأمريكان قد كتب كتابًا يحذر فيه من الجهاد الأفغاني ويتوقع له أن يهزم روسيا ثم يقتحم روسيا نفسها ثم يتوغل في أوروبا حتى يصل أعماقها وعندها تضطر أمريكا لدخول الحرب بنفسها ويحذر أمريكا من الانتظار ويحثها على اتخاذ أهبتها وإعداد عدتها لهذا الأمر الخطير ثم قدم كتابه على التلفاز الأمريكي.
ثم زار مستشار الإدارة الأمريكية البابا في الفاتيكان وقال له: لا بد أن تثار حرب صليبية قبل أن تتم الصحوة الإسلامية وقبل أن يقفز المسلمون مرة أخرى على قمم أوروبا.
وباختصار: إنهم جميعًا يقولون: لا بد من إعادة العملاق الجبار الإسلامي إلى القمقم قبل أن ينطلق وقبل أن يمسك بقبضته الحديدية رقابنا ونؤدي الجزية له عن يد ونحن صاغرون.
على أن جهود أمريكا تبقى لتحقيق مصلحة غير المسلمين والأمر بعد ذلك عند جماهير الأفغان كما يلي:
۱ - إن أمريكا غير مقبولة أبدًا لدى جمهور المجاهدين الذين يحملون السلاح في خنادقهم وقد تجد أكثر من ٩٠٪ ناقمين على أمريكا نقمتهم على روسيا.
٢ - إن المجاهدين المخلصين يرفضون أن يتسلموا روبية واحدة من أمريكا وهذا الذي صرح به حكمت يار في أمريكا لدى الصحفيين بأننا لم نتلق أي مساعدة من أمريكا ولا من مخابراتها.
3 - هنالك خمسون مليون دولار خصصتها أمريكا للتعليم في داخل أفغانستان هذا العام ورفض المجاهدون وعلى رأسهم سياف وحکمت یار أن يتسلموها بعد محاولات يائسة من المستشار الأمريكي عن التعليم في السفارة الأمريكية في باكستان. لقد رفضوا أن يفتح الأمريكان مدارس سواء في بيشاور أو أفغانستان رغم أنه يوجد أكثر من مليون طالب أفغاني يتسكعون في الطرقات ليس لهم مدارس حتى فيالخيام.
إن ابن الأستاذ سياف نفسه عمره في الخامسة عشرة ولم يكمل الأول الابتدائي، أما عن التعليم في داخل أفغانستان فيحتاج مجلدًا كاملًا لوصف مأساته ومصيبته.
4- إن المناورات الحالية بين أمريكا وروسيا إن خدع بها المجاهدون فستؤدي إلى إلقاء المجاهدين للسلاح من أيديهم لتستقر روسيا أو حكومتها إلى ما شاء الله في أفغانستان ريثما يأتي موعد للقفزة الأخرى على المياه الدافئة في بحرالعرب عبر إقليم بلوشستان.
5 - لقد خدعت روسيا بخاری من قبل فهادنت المجاهدين البسمشي على أن تعطيهم استقلالهم وحريتهم وبعد ستة أشهر عادت واحتلت بخاری بعد أن سقط السلاح وانتهى الجهاد وانتهت بخاري إلى أجل لا يعلم مداه إلا الله.
٦ - إن أمريكا تريد أن تظهر بمظهر الوصي على الجهاد الأفغاني وأنها أمه التي تحضنه وظئره التي ترضعه وإن الأمور بأيديها وإن مقاليد الجهاد في قبضتها فنعوذ بالله من ولاية الكافرين ومساندة الظالمين قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: ٥١ - ٥٧).
فنرجو الله أن ينصر الجهاد والمجاهدين وأن يحفظ ثمرات الجهاد للأبرار وأن يحرمها الطغاة والأشرار وأن يحشرنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.