; أمريكا وإيران والعراق | مجلة المجتمع

العنوان أمريكا وإيران والعراق

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1980

مشاهدات 96

نشر في العدد 478

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 29-أبريل-1980

 لماذا تصب أمريكا الزيت على النار المشتعلة بين إيران والعراق؟

موقف أمريكا يبحث عن ذريعة يبرر لها تدخلها في الخليج

عندما قال الناطق السياسي للبيت الأبيض في مطلع هذا الشهر:

«فيما إذا تطور الخلاف بين إيران والعراق إلى صدام مسلح، فلن تجد الولايات المتحدة الأمريكية مناصًا من التدخل في المنطقة، لأنها تعتبر أي صدام مسلح بين إيران والعراق إنما يمس الأمن الدولي ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، والنظرة الأمريكية إلى مثل هذا الحدث لا بد وأنها ستأخذ باعتبارها أن العلاقة المؤثرة بين إيران والعراق تخرج من الحيز المحلي إذا تطورت إلى صدام مسلح».

بمثل هذه اللهجة خاطب البيت الأبيض مؤسساته المتفرعة عنه في عالمنا الإسلامي، وبمثل هذه الذريعة فعلًا تدخلت الولايات المتحدة في فيتنام وكمبوديا وكوريا وبلاد أخرى من دول العالم الضعيف أو ما يسمى اصطلاحًا «بالعالم الثالث».

وإذا عدنا إلى فحوى الموقف الأمريكي الواضح في الإعلان الأمريكي، وربطناه بما يعلن يوميًا عن حشود أمريكية تمخر عباب المحيط الهندي وتدخل بوابة خليج النفط العربي، لأمكننا أن نقف على ما تريده الآن أمريكا من كل من إيران والعراق.

لقد لاحظ بعض المراقبين أن الولايات المتحدة بدأت منذ بداية الأزمة بين البلدين الجارين «إيران والعراق» تحاول اللعب أو بالأحرى القفز فوق الأحداث، محاولة بذلك تأزيم الموقف بين البلدين المسلمين.

وقد اتخذت أمريكا وسائل كثيرة لذلك ظهرت انعكاساتها في الصور التي تحاول نقلها صحافة الغرب ووكالات الأنباء والصهيونية التي ما انفكت تتناول الجوار الإيراني- العراقي على أنه مبني على تاريخ مليء بالمآسي والحروب والفتن، حتى أن بعض الصحف الأمريكية مثل صحيفة «کرستان مدنيتور» الصهيونية بدأت منذ فترة ليست بالقصيرة تفلسف الخلاف العراقي الإيراني بأشكال مختلفة تدعو القارئ إلى الاعتقاد بأن حربًا بين حضارتين متنافرتين سوف تقوم بين هذين البلدين المسلمين.

ونحن هنا- وعن قصد- لا نريد أن نثير الفوارق الطبيعية بين أهل البلدين، والتي يمكن أن نلاحظها بين كل قطرين متجاورين كبعض العادات المحلية مثلاً، وإنما نريد أن نؤكد أن الشعوب الإسلامية مهما اختلفت في بعض المحليات الشكلية فإنها تظل مشدودة وبقوة إلى عقيدتها وإسلامها وتراثها- هذا على مستوى الشعوب، بغض النظر عمن يحكم إيران ومن يحكم العراق لتبقى بعد ذلك المقالات التي تدمجها الصحف الأمريكية واليهودية إنما هي تعكس الموقف الأمريكي مما يحدث بين إيران والعراق.

وبعد هذا لا بد من الخروج برؤية نجيب فيها على السؤال التالي:

وماذا تريد أمريكا من العراق وإيران؟

ولكي تكون الرؤية واضحة والإجابة على هذا السؤال دقيقة، يحسن بنا أن نلاحظ سياسة الوفاق بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، تلك السياسة التي سمحت للروس الشيوعيين أن يدخلوا بزحفهم العسكري إلى أفغانستان المسلمة، لضرب الثورة الإسلامية المظفرة فيها، حيث إن الثورة الإسلامية في أفغانستان كانت على وشك استلام زمام الحكم في البلاد بعد أن حرر المجاهدون الأفغان المقاطعات الأفغانية من حكم نور محمد تراقي. وسكتت أمريكا عما حصل في أفغانستان، وعلم العالم أجمع على حد قول ديبلوماسي بريطاني في إحدى العواصم الأوروبية، أن الاستخبارات الأمريكية كانت على علم كامل بما يريد الروس أن يفعلوه في أفغانستان، وهذا يعني بالتالي أن البيت الأبيض الأمريكي كان على علم بالغزو الروسي لأفغانستان قبل حدوثه، ولعل الدولتين كانتا قد اتفقتا على عدم السماح لأي نظام إسلامي بالقيام في المنطقة الإسلامية التي تشهد في هذه الآونة انبعاثًا حركيًا للإسلام يهدف إلى تحكيم كتاب الله وسنة رسوله في جميع مجالي الحياة.

ومن خلال سياسة الوفاق هذه قلنا ذات مرة لا بد لأمريكا من أن تقبض ثمن سكوتها عن الغزو الروسي لأفغانستان،- وتساءلنا مرارًا أين ستكون الضربة الأمريكية، كما إننا أشرنا في أكثر من عدد من أعداد المجتمع إلى أن أمريكا قد تقوم بعملية في الخليج الغني بالنفط بعد أن غاب الشرطي الإيراني الذي كان الشاه يثبت وجوده في الخليج لمصلحة أمريكا والغرب الصليبي واليهودية الدولية.

ومعنى هذا أن هناك ثمنًا يقوم على عمل عدواني سوف تقبضه أمريكا ضمن سياسة الوفاق مع الاتحاد السوفياتي. وهذا يقودنا إلى حقيقة التصور الأمريكي لما يحصل في المنطقة، ذلك أن المراقبين ما عادوا ليختلفوا على أن الولايات المتحدة الأمريكية تبحث الآن عن ذريعة قوية تدعوها إلى إعلان تدخلها العسكري المباشر في الخليج. وقد حاولت قبل هذا أن تستغل الذرائع إلا أنها فشلت.

 فالإطاحة بالشاه لم تكن في المنظور الأمريكي حجة قوية تدعوها للتدخل في المنطقة.

 مسألة احتجاز الرهائن الديبلوماسيين في السفارة الأمريكية لم تكن كافية لتدخل أمريكا وضرب المنطقة بحجة احتجاز دبلوماسييها في طهران. ولا سيما أن دول الخليج العربي أعلنت مرارًا عن شجبها لمثل هذه النوايا الأمريكية السيئة.

إذا فيجب- حسب المنظور السياسي للبيت الأبيض- أن تكون هناك ذريعة دولية كبيرة تعلن عن تدخلها. ولعل ما يحصل على حدود العراق وإيران هو الذريعة التي تحاول أمريكا تفخيمها على المستوى الدولي.. لتبرر بعد ذلك دخولها العسكري الذي تعد له منذ وقت لم يعد بالقصير.

أما لماذا تبحث أمريكا عن مثل هذا المبرر؟

لعل ذلك يعود إلى ظروف دولية وأخرى أمريكية بحتة، فأمريكا لم تعد كما كانت في بداية السبعينات صاحبة الهيمنة الكاملة على خلفائها الأوروبيين، ولا سيما أن قصر الإليزيه يبحث من زمن عن باب للدخول في لعبة القط والفأر. أما الظروف الداخلية للولايات المتحدة الأمريكية فهي تدعو حكومة الرئيس كارتر إلى إعداد الأسباب الكافية الوجيهة لإقناع الشعب الأمريكي بدعوى التدخل في مناطق العالم عسكريًا على غرار ما كان يحصل في الستينات من هذا القرن. ويبدو أن لاقتراب موعد الانتخابات الأمريكية أثرًا كبيرًا في الموقف الأمريكي من مسألة التدخل، فالشعب الأمريكي الآن يريد من كارتر وهو يخوض معركته الانتخابية أن يقدم له المبرر الكافي لأي حل عسكري. ولن يجد كارتر مبررًا سوى العمل على صب الزيت فوق النار على حدود طهران وبغداد.

الرابط المختصر :