; أمنيات على طريق الدعوة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان أمنيات على طريق الدعوة الإسلامية

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1986

مشاهدات 61

نشر في العدد 778

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 05-أغسطس-1986

المنى: بضم الميم جمع المنية، وهو ما يتمنى الرجل، والأمنية أفعولة وجمعها الأماني، وهو حديث النفس بما يكون وبما لا يكون، كما أنه تشهي حصول الأمر المرغوب فيه مع السؤال للرب في الحوائج (۱)، وعلى ذلك ما أذكره في هذه الورقات هو سؤال الله -تعالى القدير- وتذلل ببابه أن تتحقق أماني الأمس كما قال الإمام حسن البنا -رحمه الله-: «أماني الأمس حقائق اليوم»، وذكرى لهذه الأمور لا يعني أنها غير متحققة، بل قد تكون موجودة، فأدعو الله أن تتأصل، وقد تكون في بداياتها فأدعو الله الاستمرار فيها، كما أن هذه الوقفات هي تعبير عن دخول دار الخلوة ساعة ومشاورة نصيح الفكر، وتلميح تفريط الكسل في بضاعة القمر، وعدم احتقار يسير الخير، فالذود إلى الذود إبل ضلت، والذي يتلمح حلاوة العواقب ينسى مرارة الصبر.

  • حرص حسن البنا على بناء الرجال جعل من قلبه مرجلًا يغلي على الرغم من شدة هدوئه.
  • كان الناس يرون الإمام الشهيد في محيط الزعماء، ولكن بطابعه وطبيعته.
  • فليراجع الخصوم شهادات المستشرقين بالإمام الشهيد.

الأمنية الأولى:

 حسن البنا الإمام منهج في دعوة الإسلام.

    وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم؛ إن التشبه بالكرام فلاح، يقول الإمام أبو محمد التميمي: يقبح بكم أن تستفيدوا منا ثم تذكرونا ولا تترحموا علينا. (٢).

     هذا هو الأدب مع أصحاب الدعوة قادة الأمة، وما ذاك إلا أنهم منارات خير استضاء بها خلق كثير، ودعوة الإمام حسن البنا من هذه المنارات، وبهذا يقول الأستاذ حسن الهضيبي -رحمه الله- عن هذه الحركة المباركة:

«إن دعوة الإخوان المسلمين لم تعد دعوة محلية في حدود وطن صغير، وإنما غدت دعوة عالمية تشمل العالم الإسلامي بأسره، وتوقظ في المسلمين روح العزة والكرامة والتقوى، فهي اليوم عنوان إنبعاث لا نوم بعده، وتحرر لا عبودية معه، وعلم لا جهل وراءه، ولم يعد من السهل على أية طاغية أن يحول دون انتشار هذه الروح أو امتدادها، وما ذلك إلا أنها تعبير صادق عن شعور عميق يملأ نفوس المسلمين جميعًا، ويستولي على مشاعرهم وعقولهم، وهو أنهم لا يستطيعون اليوم نهضة بدون الإسلام؛ فالإسلام في حقيقته ضرورة وطنية واجتماعية وانسانية» (۳).

    فهذه المسيرة وهذه الحركة العجيبة لم يتبق أحد اليوم إلا واستفاد منها، فعلى سبيل المثال تذكر هذه المقابلة التي أجراها أحمد محمد عبد الرحمن مع الشيخ طه السماوي (٤) حيث سأله عن الشخصية التي تأثر فيها، أجاب بأنه تأثر بالإمام حسن البنا فقال: «عندما سمعت بأحاديث الناس عنه وما حكي لي عنه وعن جهاده في سبيل نشر دعوة الإسلام في كل قرية من قرى مصر، وما تحمله في سبيل ذلك من مشقة وجهد وما تحلى به في سبيل ذلك من صبر وحلم حتى انتشرت الدعوة في كل شير وبقعة في جميع أنحاء مصر (٥)».

     وبعد هذه الاستطرادة نقول تمنياتنا على الحركة أن نتبنى بخطى جدية منهجية هذا الرجل، والتي أذكر منها على سبيل المثال:

1 - التتبع الدقيق لأمور الشرع، والتورع عن ورود الشبهات، وبهذا يحدثنا الأستاذ عباس السيس (٦) فيقول:

    عصر ذات يوم فوجئنا بحضور فضيلة المرشد إلى الإسكندرية، وقال: إنه جاء تلبية لدعوة علي باشا ماهر لحضور حفل زفاف ابنه، وكيف فضيلته أحد الإخوة الذين رافقوه ليذهب إلى الحفل، فإذا لم يجد فيه أي مخالفة شرعية اتصل بالأستاذ تليفونيًا حتى يحضر، وإذا وجد ما يسبب أي إحراج قام هو بالواجب، وانتظر فضيلته فترة من الوقت فلما لم يتم الاتصال التليفوني قال: ألا يوجد أحد من إخواننا عنده أي مناسبة؟ قلت له: إن الأخ محمد خليل شرف الدين سيعقد قرانه الآن في منزل إصهاره بشارع الميناء الشرقية، فقال هيا بنا، وكلفني بشراء هدية، وركبنا إلى المنزل، وأدركنا الحفل واستقبلنا استقبالًا حارًا مفرحًا؛ حيث كانت مفاجأة أضفت على الحفل وقارًا وسرورًا، وتحدث الأستاذ حديثًا خفيفًا، وهنأ الأسرتين ودعا للعروسين».

٢ - البساطة في المظهر والثقة بالنفس:

    يقول الكاتب الأمريكي «روبير جاكسون» عن الإمام حسن البنا لفت نظري إلى هذا الرجل سمته البسيط، ومظهره العادي، وثقته التي لا حد لها بنفسه، وإيمانه العجيب بفكرته (۷).

    ولثقته بنفسه كان يهتم ببناء الرجال، فيقول جاكسون في هذه القضية: «وقد أتيح لي أن ألتقي بوالده الوقور، الشيخ عبد الرحمن البنا، وسمعته يتحدث مع بعض الإخوان أنه كان يتمنى لو أن ابنه وضع الكتب في أمر الإسلام واكتفى بذلك، وقد رد عليه الأستاذ البنا بأنه منشرح الصدر لمعالجة الإسلام عن طريق تآلف الرجال (۸)، وهذا الحرص على بناء الرجال جعل من قلبه مرجلًا يغلي ولهيبًا يضطرم، وإن كان حين تلقاه يبدو هادئًا غاية الهدوء، ومع هذا الحرص على تجميع الرجال لم يتخل عن أخلاقه، يقول جاكسون:

     كان مذهبه السياسي أن يرد مادة الأخلاق إلى صميم السياسة بعد أن نزعت منها، وبعد أن قيل إن السياسة والأخلاق لا يجتمعان، وكان يريد أن يكذب قول تاليران: «إن اللغة لا تستخدم إلا لإخفاء آرائنا الحقيقية»، فقد كان ينكر أن يضلل السياسي سامعيه أو أتباعه أو أمته، وكان يعمل على أن يسمو بالجماهير، ورجل الشارع، فوق خداع السياسة وتضليل رجال الأحزاب (۹).

     ومع الظلام السياسي والجهل الديني الذي كان في زمانه إلا إنه كان على ثقة بنصر الله، ولنستمع إليه وهو يحدث جاكسون عن عودة الإسلام إلى الحكم:

«وحدثني الرجل القرآني عندما أخذت أراجعه رأيه في صبغة الإسلام للشرق».

قال: أضرب لك مثلًا بتركيا: إنها ستعود إلى الإسلام، وإن عوامل ذلك العود قد تبدت منذ الآن.

    كان هذا الحديث بيني وبينه عام ١٩٤٦، وقد لاحظت في السنوات التالية ما تحقق من قول حسن البنا في مايو ١٩٥٠، بعد أن أمضى الرجل إلى ربه حيث هزم حزب مصطفی كمال، وانتصر الحزب الذي كان يقال عنه إنهرجعي (۱۰).

3- الجد بالحركة وعدم المساومة في الدين والفكرة:

    يقول جاكسون: وحاول الإنجليز أن يقدموا عروضًا سخية فرفضها الرجل في إباء، ونامت الأحزاب في انتظار الهدنة، وظل الرجل الحديدي الأعصاب يعمل أكثر من عشرين ساعة لا يتعب ولا يجهد، كأنما صبغت أعصابه من فولاذ.

    لقد كان يحب فكرته حبًا يفوق الوصف، ولم يكن في صدره شيء يزحم هذه الدعوة، كان يعشق فكرته كإنما هي حسناء، لا يجهده السهر، ولا يتعبه السفر، وقد أوتي ذلك العقل العجيب الذي يصرف الأمور في يسر، ويقضي في المشاكل بسرعة، ويفضها في بساطة، ويذهب عنها التعقيد (۱۱).

4- التميز بالشخصية القيادية:

    يقول جاكسون: لقد كانت شخصية حسن البنا جديدة على الناس، عجب لها كل من رآها واتصل بها، كان فيه من الساسة دهاؤهم، ومن القادة قولهم، ومن العلماء حججهم، ومن الصوفية إيمانهم، ومن الرياضيين حماسهم، ومن الفلاسفة مقاييسهم، ومن الخطباء لباقتهم، ومن الكتاب رصانتهم.

    ولم يكن الغرب ليقف مكتوف اليدين أمام مثل هذا الرجل الذي أعلى كلمة الإسلام على نحو جديد، وكشف الرجل الشارع حقيقة وجوده ومصيره، وجمع الناس على كلمة الله، وخفت بدعوته ريح التغريب والجنس ونزعات القومية الضيقة، واعتدلت لهجات الكتاب، وبدأ بعضهم يجري في ركب «الريح الإسلامية» (۱۲).

    كان الناس يرونه غريبًا في محيط الزعماء بطابعه وطبيعته، فلما مات كان غريبًا غاية الغرابة في موته ودفنه، فلم يصل عليه في المسجد غير والده، وحملت جثمانه النساء، ولم يمش خلف موكبه أحد من هؤلاء الاتباع الذين كانوا يملئون الدنيا لسبب بسيط، هو أنهم كانوا وراء الأسوار.

    لقد نقل الرجل بعد أن أسلم الروح إلى بيته في جوف الليل، ومنع أهل البيت من إعلان الفاجعة، وغسله والده، وخيم على القاهرة تلك الليلة كابوس مزعج كثيب، ولقد كان خليقًا بمن سلك مسلك أبي حنيفة، ومالك، وابن حنبل، وابن تيمية مواجهة للظلم ومعارضة للباطل، أن تختتم حياته على هذه الصورة الفريدة المروعة التي من أي جانب ذهبتتستعرضها وجدتها عجيبة مدهشة (۱۳).

5 - حبه لدعوته:

     كان -رحمه الله- يتميز بشغفه بدعوته، وإيمانه وإقناعه بها، وتفانيه فيها، وانقطاعه إليها بجميع مواهبه، وطاقاته ووسائله.

    وهذه السمة بلا شك من السمات الرئيسية للدعاة والقادة الذين يجري الله على أيديهم الخير الكثير، ولذلك نرى تأثيره العجيب -رحمه الله- في نفوس أصحابه وتلاميذه، وعمقه التربوي في الجيل الذي أنشأه، وبهذا يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله: (١٤)

    هذه بعض الملامح في شخصية رجل الدعوة، ومثلها كثير، ولكن عجز الكثير عنها مع طول الأمد، وقلة اليقين، لذلك نتمنى ونؤكد على أمنيتنا أنه لا بد من دراسة سيرة رجل الدعوة الحركية للاستفادة، فمن الخطأ أن ينتسب الإنسان إلى شيء، ثم يسيء إليه بإعطاء صورة تخالف الصورة الحقيقية لرجل الدعوة المنتسب إلى هذه الحركة، وذكرنا لهذه الأمنية ناتج من رؤيتنا لعناصر متعددة ومن جنسيات مختلفة تنتسب لهذه الحركة اسمًا، وتخالفها فهمًا وسلوكًا وتربية وحركة.

(1) لسان العرب مادة مني» 3/539 دار لسان العرب.

 (۲) رسالة المسترشدين للحارث المحاسبي، تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ص 4.

(۳) حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية ص ٩ – ١٠.

(1) أحد زعماء الجماعات الإسلامية في مصر.

(٥) منار الإسلام مجلة إسلامية شهرية تصدر عن وزارة الأوقاف بدولة الأمارات، العدد السادس، السنة الحادية عشرة، جمادى الثانية سنة ١٤٠٦هـ.

(6) حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية ص ١٦١.

(۷) حسن البنا الرجل القرآني ص ٧، بقلم روبير جاكسون، ترجمة أنور الجندي.

(۸) نفس المرجع ص ٩ – ١٠.

(۹) نفس المرجع ص ۱۲.

(۱۰) الرجل القرآني ص ۲۸.

(۱۱) حسن البنا الرجل القرآني ص ٢٧.

(۱۲) نفس المرجع ص ۱۹ 

(۱۳) نفس المرجع ص ٣٦ – ٣٧.

(١٤) دراسات إسلامية لسيد قطب ص ۹۷.

الرابط المختصر :