العنوان أمن الخليج على الطريقة الروسية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1980
مشاهدات 68
نشر في العدد508
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 23-ديسمبر-1980
العجيب في موضوع أمن الخليج أنه رداء لم ينسجه أهل الخليج ولم يرغبوا فيه حتى الوقت الحاضر بالرغم من جميع أشكال التهديد بالقوة أو الإيحاء المستور أو الترغيب في حسن البضاعة.
فلقد حاولت الولايات المتحدة وأوروبا منذ منتصف السبعينات دفع دول المنطقة إلى إيجاد صيغة أمنية تكفل إمدادات النفط وحماية خطوطها الملاحية وكأن هذه الإمدادات مهددة بين لحظة وأخرى للانقطاع وإيقاف عجلة الصناعة الغربية! ومن قبل شعار أمن الخليج رفع شعار «البحر الأحمر منطقة سلام»، وكان المقصود بذلك الإبقاء على الأوضاع كما هي لأن مصلحة الولايات المتحدة راجحة فيها.
وفي أعقاب تفجر الثورة في إيران والغزو الروسي لأفغانستان ووضوح حركة الرفض الشعبي للسياسة الأمريكية الهوجاء والأنظمة الموالية لها، اتكأت الولايات المتحدة كثيرًا على الغزو الروسي لأفغانستان واتخذت منه حجة لإصدار مبدأ كارتر الذي يخول أميركا بالتدخل عسكريًا لحماية «المصالح الحيوية» في آبار النفط وطرق الإمدادات
والحق أن الولايات المتحدة كانت تتصرف في المنطقة وكأنها صاحبة حق لا ينازعها في ذلك أحد بما في ذلك أصحاب النفط والممرات المائية!
وهذا ليس بغريب على سياسة «القبضة الحديدية» التي نؤمن بها رائدة الرأسمالية فهي التي انتهجت سياسة الأحلاف والتكتلات العسكرية والسياسية، لضمان «مصالحها الحيوية».
لكن أن يأتي إعلان منطقة الخليج «منطقة أمن وسلام» على لسان ليونيد بريجينيف رئيس أكبر منظمة اشتراكية وتدعي نصرة الشعوب المظلومة كما ترفع شعار التعايش السلمي فيحتاج إلى دراسة وبيان، خاصة وأن الدب الروسي يحشر أنفه في موضوع أمن الخليج لأول مرة ودون سابق إنذار!
فماذا قال بريجينيف.. ولماذا؟
في أثناء زيارته للهند منذ أسبوعين أعلن بريجينيف دعوته «للولايات المتحدة وأوروبا واليابان والصين وكافة الدول المعنية الأخرى للتوصل إلى اتفاق حول الالتزامات المتبادلة التالية:
١- عدم إقامة قواعد عسكرية أجنبية في منطقة الخليج والجزر القريبة، وعدم استخدام أسلحة نووية أو أي أسلحة أخرى ذات قوة تدميرية على نطاق واسع في المنطقة.
٢- عدم استخدام القوة أو التهديد بها ضد دول منطقة الخليج وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
٣- احترام وضع عدم الانحياز الذي اختارته دول منطقة الخليج، وعدم جرها إلى أحلاف عسكرية بمشاركة القوى النووية.
4- احترام حق السيادة لدول المنطقة على مواردها الطبيعية.
٥- عدم خلق أية عقبات أو أخطار على التبادل التجاري الطبيعي وعلى استخدام الطرق البحرية التي تربط دول المنطقة بدول العالم الأخرى.
والشيء الذي يتبادر إلى الذهن مباشرة هو أن الاتحاد السوفياتي بإعلانه هذا قد رمى الكرة في الملعب الأميركي كما يقال، وهذا حق ولكن ليس كل الحق. فالاتحاد السوفياتي أراد أن ينسف ما تردده الولايات المتحدة من أطماع روسية في نفط الخليج واستغلال غزوه لأفغانستان لإثارة القلق والهلع لدى دول المنطقة، ومن هذا الباب فالإعلان منمق مهذب وما جاء فيه تتمناه جميع هذه الدول.
والإحاطة بالظروف والملابسات التي رافقت الإعلان السوفياتي تعين على أية حال في فهم المغزى والهدف.
فالإعلان جاء في دولة الهند التي اعترضت صراحة على الغزو الروسي لأفغانستان وأبدت تخوفها وقلقها من جراء ذلك، وبسبب موقفها هذا لم يتطرق البيان الختامي لزيارة بريجينيف لها لموضوع أفغانستان، وكان الإعلان بمثابة «ترضية خواطر» لأنديرا غاندي وإعلانًا عن حسن النيات بالنسبة لدول المنطقة!
ثم إن الإعلان تزامن مع اجتماعات حلف شمال الأطلسي التي ناقشت التهديدات الروسية لبولندا بتركيز وطالبت باتخاذ إجراءات مضادة.
وما دامت بولندا ليست دولة أوروبية غربية بل هي دولة اشتراكية عضو في حلف وارسو فإن التدخل الروسي فيها لن يكسبه موقعًا جديدًا ضد حلف الأطلسي كما أن حلف الأطلسي لم يخسر شيئًا.
ومن هنا أراد الاتحاد السوفياتي أن يتحرش بمنطقة ظل إلى اللحظة يسلم أنها منطقة نفوذ غربي.
ويأتي الإعلان السوفياتي في وقت بدأت فيه سياسة الانفراج الدولي تتعرض للامتحان. فالغرب ينتقد الاتحاد السوفياتي بشدة بسبب تهديده لبولندا، والولايات المتحدة في عهد إدارة الحزب الجمهوري برئاسة ريغان تتخذ خطًا صعب المراس في السياسة الخارجية، وهي ماضية في محاولة الإبقاء على منابع النفط وممراته المائية ضمن مناطق نفوذها.
ولا ننسى بالطبع أن التخوف والقلق لدى دول المنطقة بسبب اشتعال الحرب العراقية الإيرانية وعدم توقفها حتى الآن، ربما تكون مناسبة لصيد روسي يدعم وجوده و يزيد نفوذه.
لقد قال المتحمسون لسياسة الدب الروسي إنه آن الأوان لتقوية الروابط مع الحليف الحتمي! لشعوب العالم الثالث وانطلقت دعوات للاستجابة لإعلان بريجينيف ودراسته!
وكان يمكن لنا ولدول المنطقة أن تصدق الادعاء الروسي لولا وقائع لا تزال ماثلة كالشمس في وضح النهار.
فدعوة بريجينيف هذه أطلقها بعد أن مضى عام على غزوه لأفغانستان ذاق فيه الشعب الأفغاني المسلم التشريد والقتل والحرمان والدمار على أيدي أنصار السلام، كما يزعمون!
والدعوة لو كانت صادقة لبادر الاتحاد السوفياتي إلى سحب قواته من أفغانستان ولكنه في الوقت الذي أراد فيه «ترضية خواطر» الهند طلب منها عدم الاعتراض على الغزو بل وطالب دول المنطقة بالتوصل إلى ميثاق أمن وسلام على أساس الدعوة التي وجهتها الحكومة المأجورة في كابل في شهر مايو الماضي وفحوى هذا الحل هو الدعوة لمؤتمر دون شروط مسبقة لتطبيع العلاقات بين دول المنطقة والتوصل إلى معاهدة سلام وأمن وتعاون وإجراء محادثات حكومية بينها لإيجاد ضمانات دولية لحفظ الأمن في المنطقة!!
وفي عرف الناطق باسم بريجينيف فإن الاتحاد السوفياتي ليس معتديًا بل إن باكستان هي المعتدية على حكومة بابراك كارمل!!
وتأتي دعوة بريجينيف هذه بجعل منطقة الخليج منطقة «أمن وسلام» بعد أن لعب دورًا كبيرًا في الإخلال بالأمن في القرن الأفريقي، فهو بعد أن لقي الولاء من سياد بري لم يتورع عن خذلانه والتحول إلى النظام الأثيوبي
بقيادة هيلامر يام عندما وجد أن مصلحته هناك. وراح يزوده بأسلحة الفتك والدمار لتقتيل وتشريد الشعب الأريتيري المسلم الثائر على الظلم من أجل الحرية والاستقلال.. وآنذاك لم تعد الثورة الأريتيرية حركة تحرر شعبي!
وفوق ذلك فإن الاتحاد السوفياتي كان قد ضمن إلى جانبه نظام الحكم في اليمن الجنوبي واستطاع أن يصل إلى «اتفاقيات صداقة وتعاون» مع بعض دول المنطقة كاليمن الديمقراطية وسوريا وقد لحقت بهما ليبيا!
وإذن فالاتحاد السوفياتي بهذا الإعلان إنما أراد الحفاظ على مكاسبه في أفغانستان واليمن الديمقراطية والحبشة وسوريا وبعدما يستقر الأمر ضمن وضع دولي وأمني سرعان ما ينهار يتحرك من جديد للحصول على مكسب جديد!
والاتحاد السوفياتي إنما أراد كذلك أن يوضح للعالم أنه ليس مراقبًا للوضع في هذه المنطقة الذي ظل نفوذه فيها محدودًا على حد تعبير وزير الخارجية الفرنسي فرانسوا بونسيه، بل ينبغي أن يكون مشاركًا في أي ترتيب أو حل سياسي لأزمة الشرق الأوسط، خاصة وأنه يدرك أن أميركا ودول أوروبا تبذل جهودًا ومساعي حثيثة لفرض حل لقضية فلسطين والشرق الأوسط عمومًا يضمن مصالحهم.. فإذا كانت هذه هي الدوافع والأسباب وراء الإعلان السوفياتي بشأن أمن الخليج فكيف ينبغي أن يكون الموقف؟
دوليًا: أميركا ودوائر حلف شمال الأطلسي ردت ردًا قاطعًا يرفض الاقتراح السوفياتي فقد علق عليه الناطق باسم مؤتمر حلف شمال الأطلسي أنه «لم يأت بجديد» كما قال بأن التدخل السوفياتي غير مقبول.
عربيًا: تفاوتت المواقف بين ساخر أو مجامل أو رافض كلية.
خليجيًا: صدرت بعض التصريحات الرسمية التي تتصف «بالدبلوماسية»
أما الموقف الحقيقي فلم يعلن حتى الآن وتتوقع بعض المصادر المغلقة إلى أن هذه الدول تجري محادثات لتوحيد مواقفها وذلك أثناء انعقاد المؤتمر الإسلامي في يناير القادم.
هذه هي خلاصة المواقف الرسمية المعلنة حتى الآن، فهل هذا هو الموقف المطلوب!!
والذي نريد أن نؤكد عليه في هذا المقام سبق وأكدنا عليه مرارًا: إن مفهوم الأمن على النحو الغربي مرفوض تمامًا و يجب أن يكون كذلك على الطريقة الروسية مهما كانت العبارة منمقة وتدق على الوتر الحساس، ذلك أن الأمن يجب أن يكون أمن المنطقة وشعوبها لا أمن مصالح أعدائها الطامعين فيها.
وما دامت المسألة تتعلق بأمن الشعوب فينبغي استبعاد أي شكل من الاتفاقيات أو الضمانات ذات الصفة الدولية.
ينبغي رفضها أولًا لأنها تعني صراحة دعوة العدو للتدخل في شؤوننا الداخلية ولترتيب أوضاعنا الخاصة.. ومرفوضة أيضًا لأن الاتفاق الدولي ظهرت الحجة على أنه اتفاق هش سرعان ما يخترق و يهمل.. وما أمر اتفاق هلستكي ولا قرارات الأمم المتحدة عنا بخاف أو مجهول.
واذا كان التصور الأميركي والروسي لأمن الخليج مرفوضًا فإنه ينبغي أن يكون التصور الأوروبي مرفوضًا أيضًا..
وعلى الذين يغازلون أوروبا عمومًا وذوي العيون الزرقاء والأعصاب الباردة في بلاد الضباب خصوصًا أن يدركوا أن الأمن لا يأتي إلا من الداخل، وما دمنا شعوبًا إسلامية وحكومات تدعي الإسلام وترفع شعاره فالأمن يكون أولًا تحكيم منهج الله ويكون ثانيًا بإشاعة العدل والحرية بين الناس ويكون ثالثًا بالمشاركة الشعبية في صنع القرار السياسي والاقتصادي ويكون رابعًا بالقسمة بالسواء بين الناس في الحقوق والواجبات وفرص العمل.. وفوق هذه الأصول فلا بد من إدراك أن الأمة الإسلامية واحدة وإذا ما ظلت متفرقة فستظل ضعيفة مقصوصة الجناح.
الأمن هو أمن الشعوب الإسلامية وتمتعها بخيراتها وليس أمن المصالح الغربية ولا أطماع بريجينيف.. فهل يعي قومنا ما يراد بهم أم أنهم يغفلون، فيؤتون من حيث لم يحتسبوا؟!