العنوان أمهاتنا (٣): حفصة بنت عمر (رضي الله عنها) ... العابد الأمينة
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 02-يوليو-2011
مشاهدات 60
نشر في العدد 1959
نشر في الصفحة 54
السبت 02-يوليو-2011
ولدت بمكة قبل البعثة بخمسة أعوام ونشأت بين أبوين كريمين... فأبوها عمر بن الخطاب رضي الله عنه مكالمة وأمها زينب بنت مظعون رضي الله عنها
تعلمت الكتابة وجمعت بين العلم والإيمان والقول والعمل.. فقد روت عن النبي صلى الله عليه وسلم ستين حديثًا
كانت خطيبة مفوهة بليغة عابدة تقية ورعة صوامة قوامة
لقد اجتمع لها الشرف من جميع أطرافه فزوجها هو نبي الله خاتم الأنبياء وخير البرية، وأبوها ثاني الخلفاء الراشدين المبشر بالجنة الورع الزاهد التقي النقي الذي لا ينطق إلا حقًا، ولا سلطان للشيطان عليه، فما سلك طريقًا إلا ويهرب منه فرقًا وخوفًا.
تعلمت الكتابة وجمعت بين العلم والإيمان والقول والعمل، فقد روت عن النبي ستين حديثًا، منها عشرة في الصحيحين كانت خطيبة مفوهة بليغة عابدة تقية ورعة صوامة قوامة.
- الإجازة في الشريعة
إنها السيدة حفصة أمنا وزوجة نبينا في الدنيا والآخرة رضي الله عنها وأرضاها.
مولدها ونشأتها..
ولدت حفصة بمكة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنوات ونشأت بين أبوين كريمين فأبوها عمر بن الخطاب الذي كان ترتيبه الأربعين في الإسلام، والذي قال عنه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر» وقد كان عمر من القلائل الذين يجيدون القراءة والكتابة في ذلك الوقت، أما أمها فهي زينب بنت مظعون رضي الله عنها. أخت الصحابي الجليل عثمان بن مظعون، وأما أخوها فهو الصحابي الجليل عبدالله بن عمر أكثر الناس تتبعا لآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كانت حفصة زوجة لخنيس بن حذافة السهمي الذي كان من أصحاب رسول الله وهو الوحيد الذي شهد بدرًا من قومه بني سهم، وقد أسلمت معه وهاجرا إلى الحبشة مع المهاجرين الأولين إليها، ثم إلى المدينة، وشهد أحدا ثم مات بعدها في دار الهجرة من جراحة أصابته في تلك الغزوة: فترملت حفصة وهي لم تزل بعد شابة في الثامنة عشرة من عمرها.
اختيار الأب زوجًا صالحًا لابنته...
لقد حفظ الإسلام للمرأة حقها في العيش مكرمة في ظل زوج يرعاها، وأسرة تضمها، وبيت يأويها، ودعا الآباء وأولياء أمور النساء إلى إيجاد ذلك بالطرق المشروعة الميسرة دون تضييق على الزوجين.. قال تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (النور: ٣٢)، قال القرطبي: هذه المخاطبة تدخل في باب الستر والصلاح أي زوجوا من لا زوج له منكم - من الرجال والنساء - فإنه طريق التعفف والخطاب للأولياء.
وهذا ما فعله عمر تجاه ابنته الأرملة الشابة، كما روى عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: «أتيت عثمان بن عفان، فعرضت عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي الا أتزوج يومي هذا، قال عمر رضي الله عنه: فلقيت أبا بكر الصديق، فقلت: إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلىّ شيئًا وكنت أوجد عليه مني على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فانكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئًا؟ قال عمر: قلت: نعم، قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي، إلا أني كنت علمت أن رسول الله قد ذكرها، فلم أكن الأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها رسول الله قبلتها» (البخاري).
تأملات في زواج حفصة...
وإذا ما تأملنا الطريقة التي تزوجت بها حفصة، وجدنا أن أباها لم يشعر بالحرج وهو يبحث ويختار لها زوجًا صالحًا، ويعرض عليه الزواج منها تصريحًا لا تلميحًا، ولعل هذا كان سائدًا في المجتمع آنذاك، لكنه على كل الأحوال قد يكون عاملًا مساعدًا لنا للتقليل من حالات تأخر من الزواج، وزيادة معدلات العنوسة التي تجثم بصدرها على كثير من بلداننا الآن.
فأين هذا الفهم الراقي العمر من المفاهيم التي سادت مجتمعاتنا من حرج كثير من الآباء أن يختاروا لبناتهم أزواجا صالحين تصريحًا أو تلميحًا، خاصة في أوساط البنات اللاتي يبتعدن عن إنشاء أي علاقة مع الشباب ورعًا وتقوى وخوفًا من الله؟
وأين هذا الفهم من الأب إذا رأى من ابنته إعجابًا ورضا بهذا أو ذاك: فيساعدها على العفة بدلا من أن تنساق في مزالق الحب الخفي بعيدًا عن العيون؟
فلماذا صارت ثقافة العيب والكرامة تقيدنا في هذا الباب، وقد فعلها من هو أكرم منا جميعًا الفاروق عمر رضي الله عنه؟ فكانت النتيجة رائعة وهي زواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بيد أن الآباء يتخوفون من ذلك لبعد هذا المفهوم عن كثير من الشباب الذين يخطئون ويظنون بتلك الفتاة الظنون ويقتلون أباها بالنظرات جيئة وذهابًا: لأنه ألمح لهم برغبته في تزويجها، ينظرون إليها وكأنها فتاة حاملة كاسدة معيبة حتى يصل الحال للأسف إلى التصريح سرًا وجهرًا بمقولة السوء فيها، ويكون الترفع عليها وعلى والدها وكانه ارتكب إثمًا مبينًا.
وقد يشعرها من يتزوجها منهم بالدونية ويصارحها بتساهل وليها معه في مهرها وجهازها وسرعة تزويجها والرضا منه بالقليل، وكان أباها ارتكب منقصة لا مكرمة!
إن الأمر لو عقلناه لوجدناه سهلًا بسيطًا لا يحتاج منا إلى تعقيد أو تأويل والحياة تتطلب مرونة أكثر. وكما تقبل من الرجل أن ينهج نهج عمر فيذكر ابنته أو اخته للزواج فلنقبل أيضًا من الطرف الآخر أن ينهج نهج أبي بكر وعثمان إن لم يكن به حاجة للزواج من تلك المرأة فيعتذر برقة ولطف دون أن يجرح مشاعر أحد أو يسيء إليه، وقصة حفصة خير نموذج نحتذيه.
المتعلمة الفصيحة...
وكما كان أبوها كاتبًا قارئًا، كانت حفصة كذلك وكأنها وجدت قدوتها فيه فأرادت أن تتشبه به، وقد جاء في فتوح البلدان للبلاذري، أن أم المؤمنين حفصة كانت تتعلم الكتابة في الجاهلية على يد امرأة كاتبة تدعى الشفاء العدوية، فلما تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم طلب إلى الشفاء أن تعلمها تحسين الخط وتزيينه كما علمتها أصل الكتابة.
وهذا درس آخر نأخذه من سيرة أمنا حفصة رضي الله عنها، وهو أن على الزوج أن يساعد زوجته على طلب العلم، وأن ييسر لها سیله، وهذا ما فعله النبي مع زوجه حفصة حين أراد أن تكمل ما بدأته في الكتابة.. فهل يعي الأزواج ذلك؟! لقد تعلمت حفصة وبلغ من فصاحتها أنها خطبت بعد استشهاد أبيها خطبة بليغة جامعة دونتها كتب السير.
العابدة الزاهدة..
ولم تكن حياة حفصة مع النبي صلى الله عليه وسلم حياة الترف والمترفين بل تحملت شدة المعيشة وقسوتها، وخيرت فاختارت الصبر على ذلك، أو ارادت الله ورسوله والدار الآخرة، وهكذا تكون الزوجة الصالحة تعين زوجها على أداء دوره ورسالته التي يحملها، وتصبر على الأواء الحياة ومتاعبها متى كانت وتحتسب ذلك عند الله عز وجل لتنال الجزاء الأوفى. ولم تعرف حفصة العبث والعابثين، وما كتنت مفرطة في حق ربها، وإنما تتقرب إليه بالطاعات التي كانت خيرا عليها في الدنيا والآخرة، فقد روى قيس بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة بنت عمر، فدخل عليها خالاها قدامة وعثمان ابنا مظعون فبكت وقالت: «والله ما طلقني عن شيع (نقص)»، وجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قال لي جبريل عليه السلام: «راجع حفصة، فإنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة» (الألباني السلسلة الصحيحة).
وهذه رسالة إلى كل زوجة أن اتقي الله تعالى وتقربي إليه وهو لن يضيعك، كما أنها رسالة لكل زوج حتى يعلم أن صلاح زوجته وتقواها شافع لها عند الله تعالى، أفلا يكون شافعًا عنده في إمساكها بالمعروف زوجة له وإن لم يكن لها في قلبه عظيم حبة فليست كل البيوت مبناها على الحب وقديمًا هم رجل بطلاق امرأته وقال: لا أحبها، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «أو كل البيوت بنيت على الحب؟ فأين الرعاية والتذمم؟» الأمينة على المصحف...
وقد اختيرت حفصة من بين أمهات المؤمنين بعد انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى لتحفظ النسخة الخطية للقرآن الكريم، فكانت الصحف عند أبي بكر في حياته حتى توفاه الله عز وجل، ثم عند عمر في حياته حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر (رواه البخاري).
لم يحفظ المصحف عند أحد كبار الصحابة من الرجال بل أودع عند امرأة أليس في هذا تقدير للمرأة المسلمة؟ لقد عادت الموازين إلى نصابها يوم حرر الإسلام المرأة وجعل لها من الحقوق ما ليس لها في أي مجتمع فها هي أمنا حفصة خير دليل على ذلك فهي الزوجة الصالحة والمؤمنة المتعلمة الداعية العابدة الزاهدة القوية الصابرة الصوامة القوامة المسؤولة الأمينة وقد مات عنها النبي صلى الله عليه وسلم لكنها ظلت على العهد حافظة له من بعده حتى لحقت به في السنة الخامسة والأربعين للهجرة، ودفنت بالبقيع، فرضي الله عن أمنا حفصة وجمعنا بها في جنات النعيم.
المراجع
- عظماء الإسلام، محمد سعيد مرسي ص ١٣.
- تراجم سيدات بيت النبوة رضي الله عنهن د. عائشة عبد الرحمن.
- صور من سير الصحابيات عبد الحميد بن عبد الرحمن السحيباني، ص ۱۱۳.
- عودة الحجاب القسم الثاني جمع وترتيب محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدم ص ٥٦٨.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل