; أمهات المؤمنين, سيرة محبة وعطاء متدفق (1-2) | مجلة المجتمع

العنوان أمهات المؤمنين, سيرة محبة وعطاء متدفق (1-2)

الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر الجمعة 13-أبريل-2012

مشاهدات 57

نشر في العدد 1997

نشر في الصفحة 54

الجمعة 13-أبريل-2012

يحظى التراث الإسلامي بأمثلة كثيرة وكبيرة عن دور الأمهات في تربية عظماء الإسلام باعتبارهم قدوة وهديًا ربانيًا للمسلمين في كل أنحاء العالم، وأولهم في هذا الشأن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم واللاتي لهن حق علينا عظيم، فهن أمهات المؤمنين كما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ ﴾ (الأحزاب:6)؛ أي في الحُرمة والاحترام والتوقير والإكرام والإعظام، فهن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة.

كل نساء النبي اخترن الله ورسوله على متاع الدنيا وزينتها وتحملن شظف العيش 

قدم لنا الرسول ﷺ قيمًا ثابتة في التعامل مع الزوجات من العدل والإنصاف والقوامة والرعاية وحسن الخلق

ولا يليق بالمسلم أن يجهل أمه أو ينساها، ولا يحل له أن يقطعها أو يعقها أو يرضى لها بالأذى والسوء، وإن من يدعي صدق محبته لنبيه فعليه أن يتعرف عليه وعلى من يحب من زوجات وبنات وأصحاب. 

سيرة زوجات النبي الطاهرات 

ومن هنا، فإن التعرف على بعض ما نقل إلينا من سيرة زوجاته الطاهرات اللاتي هن أمهاتنا، وقد عشن مع الحبيب في بيت واحد وتحت لحاف واحد فزكت نفوسهن وطهرت، وسمت أرواحهن وعلت وحسنت أخلاقهن بين يديه وعلى عينيه، والتعرف عليهن في بيت النبوة الزكي لتصدق محبتك وتزداد .

فتنة نائمة

ومن هنا نتساءل: أفلا يجدر بنا أن نزور أمهاتنا ونتجول معهن في رحلة تعارف لن تكلفك إلا ما تبذل من برك لهن وشوقك إلى الصحبة الخالدة في جنات النعيم؟ واحذر أثناء سيرك أن تبدل أو تتبدل فتكن سببًا في فتنة نائمة لعن الله من أيقظها فتخض في عرضهن مع الخائضين، أو تقعد عن النصرة بلسانك وقلمك وقلبك، أو تتخذ من تعددهن مادة للفكاهة وسبيلًا للافتراء وسببًا للطعن في شرع الله ونبيه ؟

زواج النبي ﷺ

ولقد كان زواج النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أربع زوجات خاصا به كما كان من خصائصه النكاح من غير ولي ولا شهود، وأبيح له من غير مهر أيضا وبلفظ الهبة.

وقد تزوج كل زوجة بأمر الله تعالى ولحكمة يعلمها الله وكلهن اخترن الله تعالى ورسوله على متاع الدنيا وزينتها، وصبرن وتحملن شظف العيش وقسوة الحياة وشدتها، وعشن معيشة الزهد والتقشف والورع الذي لا يتصوره عقل، وذلك طلبًا لرضا الله وعونا لنبيه على أداء رسالته ومشاركة في تبليغها للناس، فقد كن جميعًا رضي الله عنهن وعاء للعلم وداعـيــات إلى شرع الله وحافظات للدين.

خطوط عريضة

وحياتهن مع خير الخلق أكبر من أن توفيها سطور كلماتي تلك، لكني أخط فقط خطوطا عريضة من حياتهن تنبه وتذكر وتوقظ من يغفل، كما أنها تضيء الطريق للعاملين ويعلم الله تعالى كم زاد حبي لهن وكم تمنيت لقاءهن، فقد تعلمت من كل واحدة منهن، والحمد لله، وإن كنت لا أصل إلى مقام الحديث عنهن، فأين الثرى من الثريا وأين الأرض من السماء لكني أتشبث بحديثي هذا وأستمسك بخيوط المحبة على استحياء، لعل ذكرهن وحبي لهن يشفع لي عند الله؛ فأحظى بالقرب منهن، وأحشر مع من أحب يوم القيامة.

حرمة أمهات المؤمنين

وزوجات النبي صلى الله عليه وسلم لهن حرمة عظيمة ليست لأحد من النساء، فيحرم نكاحهن بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓاْ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦٓ أَبَدًاۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا  (الأحزاب: 53)، ويروى أن رجلًا من من المنافقين قال حين تزوج رسول الله ﷺ أم سلمة بعد أبي سلمة، وحفصة بعد خنيس بن حذافة: ما بال محمد يتزوج  نساءنا ! والله لو قد مات لأجلنا السهام على نسائه، فنزلت الآية في هذا، فحرم الله نكاح أزواجه من بعده وجعل لهن حكم الأمهات، وهذا من خصائصه تمييزًا لشرفه وتنبيهًا على مرتبته.

وقال الشافعي يرحمه الله: وأزواجه ﷺ اللاتي مات عنهن لا يحل لأحد نكاحهن، ومن استحل ذلك كان كافرًا، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓاْ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦٓ أَبَدًاۚ  (الأحزاب: 53)،

اتخاذ التعدد مادة للفكاهة وسبيلًا للافتراء طعن في شرع الله

حرم الله نكاح أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم من بعده وجعل لهن حكم الأمهات تكريمًا وتمييزًا

زوال النكاح بالموت

واختلف العلماء في أزواج النبي يا الله بعد موته، هل بقين أزواجًا أم زال النكاح بالموت؟ وإذا زال النكاح بالموت فهل عليهن عدة أم لا ؟ فقيل: عليهن العدة، لأنه توفي عنهن، والعدة, عبادة. 

وقيل: لا عدة عليهن لأنها مدة تربص لا ينتظر بها الإباحة، وهو الصحيح، لقوله عليه السلام: «ما تركت بعد نفقة عيالي»، وروي «أهلي»، وهـــــــذا اســـم خاص بالزوجية، فأبقى عليهن النفقة والسكنى مدة حياتهن لكونهن

نساءه، وحرمن على غيره، وهذا هو معنى بقاء النكاح.

وإنما جعل الموت في حقه عليه الصلاة والسلام لهن بمنزلة المغيب في حق غيره، لكونهن أزواجا له في الآخرة قطعًا بخلاف سائر الناس، لأن الرجل لا يعلم كونه مع أهله في دار واحدة، فربما كان أحدهما في الجنة والآخر في النار، فبهذا انقطع السبب في حق الخلق وبقي في حق النبي صلى الله عليه وسلم وقد قال عليه السلام: «زوجاتي في الدنيا هن زوجاتي في الآخرة». وقال: «كل سبب ونسب ينقطع إلا سببي ونسبي فإنه باق إلى يوم القيامة».

خير النساء

وأمهات المؤمنين رضى الله عنهن هن خير النساء، فقد اصطفاهن الله تعالى لنبيه وحبيبه ﷺ، ولا يختار الحبيب لحبيبه إلا أفضل اختيار، آمن بالله ورسوله أصدق إيمان، وعشن مع النبي ﷺ، وشاركن في بلاغ دين الله، أحبهن النبي ﷺ، وأحسن عشرتهن، وقدم لنا ولكل الأزواج من خلال سيرته العطرة معهن قيما ثابتة في التعامل مع الزوجات من العدل والإنصاف والقوامة والرعاية وحسن الخلق، وأثبت للجميع على مر العصور أن المرأة جزء من المجتمع لا يتجزأ ولا غنى عنه بحال، فأكرمها، وبين أن لها حقوقا مكفولة بشرع الله، وعليها واجبات، وأن الزواج مودة ورحمة وعشرة بالمعروف.

خواطر داعية

بقلم: عبد الحميد البلالي ([*])

al-belali@hotmail.com

أثر الكلمة الطيبة

بفضل الله تعالى يتم استدعائي من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لإلقاء خاطرة إيمانية في العشر الأواخر من رمضان في المسجد الكبير، وفي خاطرة العام الماضي ١٤٣٢هجرية، تكلمت فيها عن بعض المعاني الإيمانية، وتطرقت إلى الاستفادة من رمضان بالامتناع عن العادات السيئة والتي منها التدخين وهكذا ذكرتها عابرة، وبعد مضي ستة أشهر قابلني شاب، وسلم علي بحرارة وقال لي: أنا فلان، ولك الشكر الجزيل فقد تركت التدخين بسبب خاطرتك الرمضانية.. حمدت الله تعالى على ذلك، ودحرت الشيطان الذي يدخل على الوعاظ والدعاة والعلماء، ويحبط هممهم في النصح، بحجة قلة المتعظين والمتأثرين، والمتغيرين، فهذه الحادثة وأمثالها تثبت بأن للكلمة الطيبة أثرًا عظيمًا في النفوس، وقد يُري الله تعالى الواعظ في الدنيا أثر موعظته على الآخرين على صورة هداية أحدهم، أو إقلاعه عن عادة أو معصية، أو أنه قد لا يريه ذلك، اختبارا لإيمانه بأنه مكلف بالتبليغ فقط، وليس عليه هداية الآخرين، كما قال تعالى: ﴿ لَّيۡسَ عَلَيۡكَ هُدَىٰهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۗ ﴾ (البقرة: ۲۷۲)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَيۡكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ  (عبس: 7).

([*]) رئيس جمعية «بشائر الخير» الكويتية

الرابط المختصر :