العنوان ... أمهات المعارف: منطق.. الرفض.. والقبول
الكاتب محمد سلامة جبر
تاريخ النشر الثلاثاء 01-مايو-1973
مشاهدات 86
نشر في العدد 148
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 01-مايو-1973
... أمهات المعارف:
منطق..
الرفض.. والقبول
بقلم: الأستاذ محمد سلامة جبر
«والاسلام يحرر العقل، .. على النظر في الكون، .. قدر العلم والعلماء، .. بالصالح النافع من شيء، والحكمة ضالة من أني وجدها فهو أحق .. بها».
رسالة التعاليم
1-العلم إما شرعي أو ..
٢- وكلاهما أما أن يكونا ........ أو مذمومين..
۳- والمحمود أما أن يكون …. أو مستحبًا..
٤-والفرض أما أن يكون يا أو كفائيًا..
٥– والمذموم أما أن يذم .. والعمل به.
٦ – أو يذم العمل به دون .. ..
فهذه أقسام العلوم، فلا شرع .. والله المستعان.
المقصود بالشرعي والعقلى
1-المقصود بالعلم الشرعي.. وصل إلينا بالنقل والتلقي.. المعصوم صلى الله عليه وسلم من كتاب أو سنة، وهذا .. حياته صلى الله عليه وسلم........
بالاجتهاد الصحيح.
والمراد بالعلم العقلي ما يستقل العقل بإدراكه وحده دون الاستضاءة بنور الشرع كسائر العلوم الدنيوية..
وليس المقصود بالعلم الشرعي أن العقل لا مجال له فيه، ولكن.. نسبة العقل إلى الشرع كنسبة البحر إلى نور الشمس، فكما لا يفيد البصر الحاد في رؤية الأشياء في ظلمة الليل البهيم، فكذلك لا يملك العقل أن يدرك الحقائق الشرعية دون الاستضاءة بنور الشرع الحنيف، وهنا ضل من ضل فقدم العقل على الشرع وأول من النصوص ما رأى أنها تتعارض مع العقل في ظنه..
وليس في تقييد العقل بالشرع حط من قيمته؛ إذ القيد له كالضابط أن يجول في تيه لا يعلمه، وليس له القدرة بحكم خلقته أن يكشف تلك العوالم، ولكن له أن ينظر فيما بلغه بالنقل الشرعي الصحيح ويستنبط من الأحكام ما تسعه النصوص بالشروط المذكورة في كتب الأصول.
أما في غير مجال الشرعيات فللعقل أن يصول ويجول بحثًا عن الحقائق، فإنه مهما سما وتعالى فلن يزيده ذلك إلا .......
إلى معرفة المجهول الذي لن يزيده العلم به إلا العلم بزيادة جهله وصدق الله العظيم: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾) الكهف:١٠٩).
ومع ذلك فقد حث الشرع على النظر في الأكوان والفكر في أسرار الإنسان واعتبر ذلك مؤديًا إلى معرفة الحق الذي ضلت عنه البشرية قرونًا متطاولة.
قال تعالى:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت: ٥٣).
وقد استدل الشيخ محمد عبده -رحمه الله- بهذه الآية على البشرية مقبلة على بطريق الكشف العلمي وسواء كان هذا أو ليس بصحيح العلم لن يثبت من حقائق الغيب بعض ما جاء به الشرع ويبقى أن يردنا العلم بقوة منابع الإيمان وحقائقه اليقينية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها
العلم المحمود
والعلم المذموم
....................
أو عقليًا، والمذموم ما كان غير نافع في دين ولا دنيا سواء كان شرعيًا أو عقليًا.
فمتى يكون العلم نافعًا فيحمد أو غير نافع فيذم؟
فأقول:
أما من قسم العلوم الشرعية فالمحمود منها ما التزم .. المتعلم حدود الشرع وآدابه .. يناسبه، فلو قصد المبتدئ -مثلًا- إلى كتب الفقه المطولة أو علم الخلاف والجدل لكان هذ النوع من العلم مذموماً بالنسبة إليه محمودًا بالنسبة لغيره .. أتقن المبادئ وصعد إلى الغايات، وقد يكون من العلوم الشرعية ما ليس مستحب للخاص والعام على السواء؛ كالبحث في المسائل الفرعية الدقيقة التي لا يترتب عليهـا عمل، كالخلاف في النملة التي سمع سليمان عليه السلام كلامها هل كانت ذكرًا أم أنثى فهب أننا عرفنا جنسها .. يفيدنا ذلك وما العمل الذي يترتب على هذه المعرفة.
أما من غير العلوم الشرعية فالمحمود منها كل ما نفع الإنسان في مصالح دنياه، فإن الدنيا طريق الآخرة، فما لم .. الطريق فإن الوصول يتعسر وإذا تعسر الوصول لم تتحق ......
أنه غير مقصود لذاته، ولكن لغيره: أي للوصول إلى الآخرة.
وأما المذموم- من غير العلوم الشرعية-: فما لا نفع فيه ولا يعود على دنيا أو دين كأنواع التفنن في وسائل الإغواء والانحرافات التي هي من قبيل الترف ولا تظهر في أمة إلا نخرت في عظامها وأوهت عزائمها.
٣- ٤- أما ما كان فرض عين من العلوم الشرعية: فهو العلم بكل ما لا غنى للمسلم عنه؛ ليستطيع أداء ما افترض عليه واجتناب ما نهى الله عنه، فيجب على كل مسلم معرفة ما لا يتم الإيمان إلا به من أمهات العقائد، كما يجب عليه إدراك كيفية أداء العبادات المفروضة على وجهها الصحيح، ومعرفة المحرمات من الأقوال والأعمال حتى لا يقع فيها على جهل بها، إذ لا عذر للجهل في دار الإسلام، ولا يلزم المسلم تعلم كل ذلك دفعة واحدة، ولكن بحسب كل واقعة يواجهها عقيب بلوغه سن التكليف، فأول ما يجب عليه علمه بعد بلوغه: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، مع فهم المعنى الظاهر المتبادر إلى الذهن دون تكلف، ثم يتدرج حتى يعرف أركان الإيمان المعروفة التي لا يتم الإيمان إلا بها، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ثم إذا دخل وقت الظهر مثلا فيجب عليه أن يعلم كيفية أدائها وشروط صحتها، ثم إذا عاش حتى رمضان وجب عليه تعلم أحكام الصيام، ولو مات قبل ذلك لا يسأل عن جهله؛ إذ لم يجب عليه بعد وكذلك الحكم في الحج وغيره،
والحاصل أن الواجب على كل مسلم تعلم ما لا بد له من تعلمه؛ لأداء ما فرض عليه والتوقي عما نهى عنه، وما سوى ذلك من العلوم الشرعية مما يزيد على ما قدمت فهو من باب المستحب لأفراد الأمة، إلا أنه يجب وجوبًا كفائيًا وجود المتخصصين المجتهدين الذين يستطيعون سد حاجة المجتمع المسلم في باب الفتوى وبيان حكم الله فيما يتجدد من وجوه المعاملات على مر العصور.
أما فرض العين من العلوم الدنيوية: فما احتاج إليه المسلمون ولا يستطيع القيام به إلا فرد أو جماعة أوتوا الأهلية والاستعداد لذلك العمل، فمثلًا لو احتاج المسلمون إلى «قنبلة نووية» فإن وجوب صنعها يلزم علماء ذلك الفن وجوبًا عينيًا، إذا كان ذلك لا يتم إلا بتعاونهم وتظاهرهم، أما إذا كان بإمكان البعض تحقيق وجودها فالوجوب كفائي لا عيني، يعني: يسقط الإثم عن الجميع بقيام البعض بأداء الواجب.
ومن قبيل فروض الكفاية أيضا: وجود العدد الكافي من الأطباء والمهندسين والمعلمين ونحو ذلك، مما تتوقف عليــــه مصالح دنيا المسلمين، والواجب على الأمة أن تعمل على إيجاد هؤلاء المتخصصين ممن يملكون بفضل الله المواهب التي تؤهلهم لما انتدبوا إليه.
٥ - أما ما يذم علمه من العلوم والعمل به على السواء، فما ورد النهي عن تعلمه شرعًا، كالعلوم التي يزعم أصحابها أنها توصلهم إلى معرفة الغيب، كعلم الكف والرمل والتنجيم وما شابه ذلك، فإنها علوم لا تأتي بخير وشرها كبير وضررها عميم، وقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيما رواه ابن عبد البر بسند حسن: «نعوذ بالله من علم لا ينفع»
٦ - أما ما يذم العمل به دون العلم، فمذاهب أهل البدع والأهواء والفلسفة وما شابه ذلك، فهذه علوم يصرف عنها العامة والخاصة على السواء؛ لأنها مصدر فتنة لهم، وإذا كان فيها شيء من النفع، فيضمحل إلى جانب الشر العظيم الكامن في تلك العلوم، أما بالنسبة لخاصة الخاصة ممن يؤثرون بإذن الله ولا يتأثرون، ويقودون إلى الحق بتوفيق الله ولا ينحرفون، فهؤلاء يباح لهم الاطلاع على تلك العلوم لكشف عوارها، وفضح أباطيلها، بل يجب ذلك أحيانًا، إذا استشرت البدعة وانتشرت الفتنة واضطرب الناس حتى لا يكاد الحق يستبين لهم، وقد حدث مثل ذلك في عصر« الإمام الغزالي» - رضي الله عنه- فأحاط بتلك العلوم حتى فاق في علمها أصحابُها، ثم رد عليهم في كتب متعددة، أهمها: « تهافت الفلاسفة» و«المستظهري» وأنزلهم من عليائهم بعون الله وأراح العامة من شرهم والحمد لله.
فإذا وجدنا اليوم أن مذهبًا معينا من المذاهب الضالة قد انتشر بين العامة والخاصة وفتنهم أو كاد أن يفتنهم، وجب على البعض أن يحيط علمًا بذلك المذهب ثم يكشفه ويبين بطلانه قبل أن ينتشر ويستشري، فإن نشره يساعد على الفتنة، فيجب الكف عنه وعدم الإشارة إليه، ورحم الله من قال: «الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها».
وبعد؛
فهذه مجامع أقسام العلوم بحسب ما يسر الله لي، فمن أراد الزيادة، فليرجع الى «الإحياء» الجزء الأول، فإنه واجدٌ فيه خيرًا كثيرًا- إن شاء الله-.
الرابط المختصر :