; أمي الحبيبة 1 | مجلة المجتمع

العنوان أمي الحبيبة 1

الكاتب أ. د. سمير يونس

تاريخ النشر السبت 10-أبريل-2010

مشاهدات 64

نشر في العدد 1897

نشر في الصفحة 50

السبت 10-أبريل-2010

من الحياة

د. سمير يونس (*)

dr_samiryounos@hotmail.com

أمى الحبيبة (1)

في عام يمنحونك يوماً
 

وكل سنين العمر لك فداء
  

يخفق القلب لموعد لقيا بيننا
 

ويبعدونك كلما اقترب اللقاء
  

في صمت توجعي تلوحين طيفاً
 

وفي محراب طهرك لي الشفاء
  

فوالله ما صلبوا على الطريق آمالاً
 

إلا وفاض القلب من نبع الرجاء
  

ونحن يا أم بعضُ من ثراك
 

وأنت ببهائك وكبريائك العنقاء
  

 

بدأت أخرج مع امرأة غير زوجتي

بعد واحد وعشرين عاماً من الزواج السعيد، بدأ يخرج مع امرأة غير زوجته وجاء هذا الخروج بعد إلحاح من زوجته التي أحبها وأحبته طول حياته الزوجية على مدار الواحد والعشرين عاماً !!

والسؤال هنا هو من تلك المرأة التي ألحت زوجته عليه كي يخرج معها ليعيش قصة حب جديدة ومن نمط خاص؟ إنها أمه.. أمه التي ترملت منذ تسع عشرة سنة.

يقول صاحب هذه القصة: شغلتني عن أمي ضغوط الحياة ومتطلباتها حيناً من الدهر، مسؤولياتي تجاه زوجتي وأطفالي الثلاثة، فكنت لا أزورها إلا نادراً، كنت مقصراً - غاية التقصير معها، وقد نبهتني زوجتي أكرمها الله- إلى هذا التقصير، فبادرت واتصلت بأمي، وقلت لها : أدعوك لتناول العشاء معي ونقضي معاً وقتاً جميلاً.. فسألتني: أنا وأنت فقط؟ فأجبتها : نعم ففرحت فرحاً شديداً، وقالت: كم اشتقت إلى أن نخرج جميعاً أنا وأنت وزوجتك وأطفالك، لكن شوقي إلى لقياك أكثر وأنت معي لنجدد الزمن الجميل ، أيام كنت أخرج معك، وأستمتع بصحبتك.

في الموعد الذي اتفقت معها عليه، كنت أطرق بابها.. كانت قد لبست ملابسها الأنيقة الوقورة، وكان الجو جميلا، عانق ذراعي ذراعيها، وخرجت معها وكأنها السيدة الأولى، وتوجهنا إلى مطعم فخم، يتميز بموقعه الجميل والهدوء الذي يكسوه.

وصلنا إلى المطعم في سعادة وسرور، وبدأت أقرأ قائمة الأطعمة والمشروبات، وهي تنظر إلي وتبتسم ابتسامة رقيقة تكسو وجهها بالتجاعيد، وتقول: كنت أقرأ لك وأنت صغير لا تستطيع القراءة، والآن ضعف بصري - وخاصة بعد وفاة والدك يرحمه الله - صرت أنت تقرأ لي فقلت لها : لعلّي أوفيك قليلاً من سابق فضلك علي.. أنا يا أماه مهما صنعت فلن أوفيك شيئاً من عطائك الوفير.

تجاذبنا أطراف الحديث في أثناء العشاء، ذكريات قديمة، وقصص ومواقف حديثة كان الحديث ممتعاً للغاية، لدرجة أننا نسينا أنفسنا من حلاوة الحديث وحرارة اللقاء، فظللنا نتحدث إلى ما بعد منتصف الليل.. نظرت في ساعتي وأشفقت عليها من السهر، ولولا ذلك لصرنا نتحدث للصباح. 

رجعنا ووصلتها إلى بيتها، وفي أثناء الطريق، كان لدي إحساس باحتياجي الشديد إلى قربها مني، فعرضت عليها أن تمكث معي وزوجتي وأطفالي في بيتنا، لكنها أبدت ميلها إلى الاستمرار مع أختي الأرملة وأولادها، حتى تعينها في محنتها وابتلائها ولولا ذلك لحملتها على رأسي إلى بيتي.. ولم أجد ما يخفف عني بعدها إلا أن أتفق معها على أن نخرج معاً أسبوعياً فوافقت ولكن بشرط أن تتحمل هي نفقات الخروج والنزهات، فحاورتها كثيراً، لكنها أصرت على ذلك.. ولكن قدر الله عز وجل كان أسرع من ترتيباتنا، واتفاقاتنا، فقد توفيت أمي بعد الاتفاق بأيام قليلة، إثر نوبة قلبية أصابتها بغتة.. حدث ذلك بسرعة مذهلة، لم أستطع أن أقدم لها أي شيء.

بعد عدة أيام من رحيل أمي الحبيبة وصلتني عبر البريد رسالة من المطعم الذي جلسنا به أنا وأمي، وهذه الرسالة كانت أمي قد كتبتها بخط يدها، وتركتها في المطعم، تقول فيها أمي يرحمها الله: "ابني الحبيب.. دفعت الفاتورة مقدماً، لأنني كنت أشعر وأنا معك أن جلستنا الجميلة هذه لن تتكرر في الدنيا وأحسست بأنني لن أكون موجودة في المرة القادمة، فدفعت فاتورة الطعام، لك ولزوجتك وأطفالك، الذين كنت أتمنى أن أكون معهم في هذه الليلة أحبك يا ولدي، وأحب زوجتك وأطفالك، وكل من يحبونك وتحبهم". 

يقول صاحب القصة: في هذه اللحظة وبعد انتهائي من قراءة رسالة والدتي شعرت بأنني أفهم معاني جديدة للحب لأول مرة في حياتي، فقد أضافت رسالة والدتي إلى معنى الحب معاني جديدة وجميلة لم أحس بها من قبل.

يخدم أمه المعوقة ذهنياً

هذه القصة التي أوردها فيما يلي ليست من نسج الخيال، ولكنها قصة حقيقية حكتها لي زوجتي، بعد أن سمعتها عبر الأثير يوم الأربعاء الموافق 31/3/2010م في إذاعة القرآن الكريم بدولة الكويت.. بطل هذه القصة ابن بار، ذهب بأمه إلى الطبيبة التي تعالجها ومن خلال الحوار، عرفت الطبيبة قصة هذه الأم مع ابنها، وأنه يصنع معها كما تصنع الأم بطفلها، يطعمها، وينظفها، ويغسل ملابسها، وكل مبتغاه من ذلك أن تكون سعيدة، وهو يبرها أعظم البر، في كل مجالات الحياة ويلبي رغباتها في غير طلب منها، ويكرمها وافر الكرم، برغم أنها لم تصنع معه ذلك في طفولته، فقد ربته جدته لأمه؛ لأن الأم كانت معوقة، لا تقدر على خدمته، إن هذا الابن البار نموذج عظيم ينبغي أن يتعلم منه أولادنا، فهذا الابن ليس نبياً ولا صحابياً، بل إنه أحد أبناء هذا العصر الذي يضج بعقوق الوالدين والقسوة عليهما.

إن هذه القصة تذكرنا بذلك الرجل الذي جاء عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يقول: أمي عجوز، ولا تقوى على الحركة، وأصبحت أحملها إلى كل مكان حتى تقضي حاجتها، وأحياناً لا تملك نفسها وتقضيها علي وأنا أحملها، أتراني بذلك قد أديت حقها ؟

فأجابه ابن عمر- رضي الله عنهما ولا بطلقة واحدة، حين ولادتك، إنك تفعل هذا وتنتظر لها الموت، أما هي فكانت تفعل ذلك معك وأنت صغير وتتمنى لك الحياة.

إنه الحب بمعانيه السامية الراقية لا ذلك الحب الذي شوهه البسطاء من أصحاب الشهوات، فيا له من حب راق جميل، يفيض حناناً ووفاء.

أنعم صباحاً أيا حباً بدا عجباً

في فجره مشرقاً يروي لنا الظماً

أيقظت في هوى قد يستحيل بما

يروى من الشعر أو قد زين الكُتبا

أماه حبيبتي:

أنت الملاك الذي يأوي بأجنحة

لمغرم متعب أعطاك ما وجبا

قصة مؤثرة

يحكي أحدهم: كان لأمي عين واحدة، وقد كرهتها لأنها كانت تسبب لي حرجاً مع زملائي ومن يعرفونني، وكانت تعمل طاهية طعام لتنفق علينا بعد وفاة والدي- يرحمه الله.

وذات يوم أتتني المدرسة وأنا تلميذ بالمرحلة الابتدائية لتطمئن علي وتتابع دراستي.. شعرت ساعتها بحرج شديد بسببها وتجاهلتها وعيرني أحد زملائي قائلاً على مسمع منهم: أمك بعين واحدة، وضحك أكثرهم سخرية مني ومن أمي، وحينها تمنيت أن تنشق الأرض وتبلعني، وأن تختفي أمي من حياتي.

وفي اليوم التالي واجهتها وكنت عنيفاً في قولي لها : لقد جعلت مني أضحوكة، واستهزأ بي زملائي، لم لا تموتين ؟!! ولكنها لم تجبني كلاماً، بل نظرت إلي نظرة عطف وحب وشفقة وآثرت الصمت، ولم تظهر تأففاً من كلامي ولا ضجراً، وكنت قاسياً غاية في القسوة، فكان حرياً بي بعد صمتها ورفقها بي أن أعتذر منها ولكني لم أعبأ بما قلت وكنت في ثورة الغضب والحمق، ولم أراع مشاعرها، ثم غادرت المكان وأنا أنهرها بلغة لفظية وغير لفظية.

يقول صاحب القصة: ومرت الأيام والسنون، ثم حصلت على منحة دراسية ببلد في شرق آسيا للدراسة، ونجحت في دراستي ثم تزوجت واشتريت بيتا بوطني ورزقني الله من زوجتي بأولاد، وكنت سعيداً ومرتاحاً في حياتي، لكنني لم أفكر لحظة في أمي التي تعبت حتى ربتني وإخوتي ووهبت حياتها وأوقفتها لتعليمنا وتربيتنا، وكنا نقذفها بالقسوة فتقابلنا بالحنان.

وفي يوم من الأيام طرق الباب طارق، فخرجت وأولادي يسابقونني صوب الباب لنرى من الطارق، فإذا بها ،أمي، جاءت لزيارتنا لأنها - كما صرحت - كانت تشتاق لرؤيتي ورؤية زوجتي وأولادي الذين لم تسعد برؤيتهم طوال حياتها.

وقفت أمي على الباب، وأولادي ينظرون إليها وبعضهم يضحكون، وأحدهم تراجع للخلف وكان أصغرهم، فطردتها ولم أستقبلها، وقلت لها: غادري هذا المكان حالاً، واغربي عن وجوهنا، ولا نرغب في رؤيتك مرة أخرى فأجابت بهدوء: آسفة يا بني، يبدو أنني أخطأت العنوان، ثم انصرفت أمي واختفت. 

وذات يوم أتتني دعوة من إحدى المؤسسات الاجتماعية المهتمة بالإصلاح الأسري، فكذبت على زوجتي وأخبرتها بأنني سأخرج لإنجاز عمل، وبعد الاجتماع ذهبت إلى البيت القديم الذي عشنا فيه مع أمي للاستطلاع والفضول فقط، وطرقت الباب فلم يجبني أحد، فسألت الجيران عن أمي فأخبروني بأنها رحلت عن الدنيا !! فلم تدمع عيناي دمعة واحدة، لكن أحد الجيران سلمني رسالة من أمي، ففتحتها لأقرأها، فإذا بها تقول لي:

"ابني الحبيب، كنت دائمة التفكير فيك سامحني يا بني، فقد أحرجتك بين زملائك في مدرستك، واعذرني لما سببته لك من حرج في زيارتي لك ببيتك، كنت سعيدة جداً عندما علمت أنك ستحضر الاجتماع الذي حددته إحدى مؤسسات الإصلاح الأسري، ولكنني ربما لا أستطيع مغادرة السرير لرؤيتك، وربما أكون قد غادرت هذه الحياة بسبب اشتداد المرض علي، لكنني أردت أن أوضح لك شيئاً، وهو أنك تعرضت لحادث عندما كنت صغيراً، وفقدت فيه عينك، فمنحتك عيني، وكنت في قمة سعادتي وفخري، لأن ابني يرى العالم بعيني، فسامحني.. مع حبي".

أمك المحبة

فما أعظم القرآن الكريم الذي أوصانا بالوالدين، وأبرز عطاء الأم ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14]. 

وما أعظم وصية رسولنا الرؤوف الرحيم الكريم صلى الله عليه وسلم عندما سئل: من أحق الناس بحسن صحابتي قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أبوك» (متفق عليه).

(*) أستاذ المناهج وأساليب التربية الإسلامية المساعد

الرابط المختصر :