; أنا وهي ورمضان.. | مجلة المجتمع

العنوان أنا وهي ورمضان..

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-2014

مشاهدات 88

نشر في العدد 2073

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 01-يوليو-2014

ملف رمضان 

مبارك عليكم الشهر

أنا

ـ لقد حلّ وقت خاص بالنفس والأسرة والأمة يحق أن تُهَنَّأ عليه وتبارك

ـ لا شيء أحق أن يفرح العبد به من فضل الله ورحمته

ـ في رمضان شهر القرآن يطمح الإنسان أن يكون اجتماع الناس علي الخير فتأتي البركة

كل عام وأنتم بخير، كل سنة وأنتم طيبون، رمضان كريم... تهاني وتحيات بالشهر المبارك عندما يحل، فتحل معه بهجة الأعياد، وفرحة الأفراح، لقد حلّ وقت خاص بالنفس والأسرة والأمة يحق أن تُهَنَّأ عليه وتبارك.

هل لأنه شهر وحدة الأمة؟

هل لأنه شهر الطاعة؟

هل لأنه شهر صلة ألأرحام؟

هل لأنه شهر مواساة الفقراء؟

هل لأنه شهر الاجتماع على الطعام والصلاة؟

هل لأنه شهر القرآن؟

قد يكون هذا كله، مع اختلاف في درجات الأخذ من كل فرع ذُكِر.

فرح يشعر به المسلمون في كل أنحاء العالم، لا يعرفون سرّه، وقد لا يستطيعون التعبير عنه، وأظنه فرحا ربانيا أي من عند الله، يمتزج بالسلام والأمن في النفس، وأصوات القرآن، ونداء الصلوات، وتسبيح الملائكة، وتغريد الطيور وإشراق الكون..

ولا يعجبني أن يقتصر الأمر – يا زوجتي- على تعليق الزينات والرايات، وسعادة الأولاد والبنات وهم يجرون ضاحكين في الطرقات بفوانيس رمضان، وموائد الإفطار في الشوارع.. وفي نفس الوقت لا يزال هناك من يعق والديه، أو يقطع رحمه، أو يؤذي جاره، أو يعتقل بريئا،أو يقتل من يقول ربي الله! فكيف يكون الشهر مباركاً لهؤلاء؟! بل لم يعظم هؤلاء حرمات الله عز وجل "ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه" (الحج- 30) والحرمات جمع (حرمة) وهي ما يجب احترامه وحفظه من الحقوق والأشخاص والأزمنة والأماكن.

لقد أمر الله تعالى عباده بالفرح بفضله ورحمته "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون" (يونس- 58)، يقول ابن القيم: "وذلك تبع للفرح والسرور بصاحب الفضل والرحمة، فإن من فرح بما يصل إليه من جواد كريم محسن بر، يكون فرحه بمن أوصل إليه ذلك أولى وأحرى".

قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والحسن وغيرهم: "فضل الله: الإسلام، ورحمته القرآن".

وذكر الله الأمر بالفرح هذا عقيب قوله: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ..." (يونس- 57)، ولا شيء أحق أن يفرح العبد به من فضل الله ورحمته، كما جاء في المدارج، التي تتضمن الموعظة (التي هي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب)، وشفاء الصدور (المتضمن لعافيتها من داء الجهل والظلمة والغي والسفه)، وما آتاها ربها من الهدى (الذي يتضمن ثلج الصدور باليقين وطمأنينة القلب به، وسكون النفس إليه، وحياة الروح به، والرحمة (التي تجلب لها كل خير ولذة وتدفع عنها كل شر ومؤلم).

(فذلك خير من كل ما يجمع الناس من أعراض الدنيا وزينتها. فإنه ليس بموضع للفرح لأنه عرضة للآفات ووشيك الزوال).

هذه المعاني يا زوجتي تبدو جلية في شهر رمضان شهر القرآن وموعظته وشفائه، ويطمع الإنسان أن يكون اجتماع الناس والأمة عليها، فيأتي إليها الخير ويحل عليها البركة وبهذا يكن بحق تستحق التهنئة (مبارك عليكم الشهر). ويكون الفرح حقيقيا بتغير القلوب إلى الأفضل، لا بزخارف الأسواق، وألوان الموائد، ومسلسلات التلفاز، والسحور الراقص، والألعاب النارية.

آن للأمة، ونحن لبناتها، أن تستثمر هذا الشهر (المبارك) استثمار الذي يتاجر مع الله "يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم"، وشهرا بعد شهر، وسنة بعد سنة يتم التغيير فنلاحظه ونبارك لأنفسنا مجيء عام جديد يحمل الأمل في عودة خيرية الأمة، وكل عام وأنتم بخير.

هي..

ـ حين يحل رمضان أشعر بالبركة تغمرني فتحل علىّ في وقتي وطعامي ومالي وعملي

ـ رمضان فرصة لزرع الآخرة ونماء العمل وزيادته بمضاعفة الأجر ونيل السعادة في الدنيا والآخرة

ـ نريد أن تحل بركة رمضان علينا في بيوتنا فنرى اتحاد أفراد الأسرة صوما وإفطارا وصلاة وقياما وذكرا وطاعة

حين يحل شهر رمضان يا زوجي أشعر بالبركة تغمرني، تنساب نسائمها حولي فتحل علىّ في وقتي وطعامي ومالي وعملي، بل وأهلي وولدي، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: "أتاكم شهرُ رمضانَ، شهرٌ مبارَكٌ.." (صححه الألباني) فما أجدرنا بالغوص في أعماق أيامه ولياليه سعيا وراء تلك البركة واستخراجا للآلئها المبثوثة فيه.. في ساعاته ودقائقه وثوانيه، وأن نشمر في طلبها كما نطلب الطعام والشراب وقت السحور والإفطار.

 والبَرَكة: السعادة. والبَرَكة: النماء والزيادة "وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْض" (96 الأعراف). 

وحبذا البركة في كل أحوالنا، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نطلبها، ففي طعامنا "اللهم بارك لنا فيما رزقتنا". وفي أفراحنا "بارك الله لكما وبارك عليكما"، ومع المولود "بورك لك في الموهوب لك" وفي  تحيتنا  "فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة"ـ وفي غير ذلك. 

ولا شك أن رمضان فرصة لزرع الآخرة وحرثها ومن ثم نماء العمل وزيادته بمضاعفة الأجر والجزاء اللامحدود وهذا من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة. 

ومن بركات شهرنا المبارك أنه اختص بالصيام.. هذا الركن العظيم من أركان الإسلام المنفرد بالأجر المميز.. "كل عملِ ابنِ آدمَ يُضاعفُ الحسنةَ عشرةَ أمثالها إلى سبعمائةِ ضعفٍ. قال اللهُ عزَّ وجلَّ: إلا الصومُ. فإنَّهُ لي وأنا أجزي بهِ" (مسلم).

كما أنه اختص بنزول الكتاب المبارك القرآن الكريم، "شَهْر رَمَضَان الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن.." (الْبَقَرَة: 185) "وهذا كتاب أنزلناه مبارك" (155 الأنعام). وَقَالَ: "إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة"(الدُّخَان 1 – 39). 

ومن بركاته أن فيه ليلة العمر "ليلة القدر خير من ألف شهر" وحلول الرحمة والأمن والسكينة إذ "تفتحُ فيه أبوابُ الجنَّةِ، وتُغلَق فيه أبوابُ الجحيم، وتُغَلُّ فيه مَرَدَةُ الشياطينِ.." (صححه الألباني). كما أن في طعامه بركة "تسحَّروا، فإن في السَّحورِ بركةً" (البخاري). 

فكما ترى يا زوجي هذه البركات التي تتوالى مع الشهر المبارك تدفعنا لأن ننشدها في حياتنا ونأخذ بأسبابها، وحياة المسلم تكون مباركة بقدر ما يأخذ بأمر الله ويتبع رسوله صلى الله عليه وسلم. 

لذا نريد أن تحل بركته علينا في بيوتنا فنرى اتحاد أفراد الأسرة صوما وإفطارا، وصلاة وقياما، وذكرا وطاعة، وبرا وإحسانا. أن تحل بعباداتنا فنرى أثرها في حياتنا "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"، أن تحل بأخلاقنا فتبدلها إلى الأحسن، وبأعمالنا فنخْلصها ونتقنها، وبأنفسنا فنغيرها ونصلحها، وبمجتمعاتنا فترقى وتتقدم. 

أن تحل على علمائنا فيصدحوا بالحق لا يخافون في الله لومة لائم، أن تحل على الراعي فيتحلى بالعدل وعلى الرعية فتسمع وتطيع. بركة تحل على أفراد الأمة ومجموعها كي يعتصموا بحبل الله جميعا ولا يتفرقوا. 

نريد يا زوجي أن تحل البركة بساحة الصائمين فيصير للصائم ورد يومي منها ليسلك درب المباركين، فقد كان من بركة سيدنا عيسى عليه السلام في قوله "وجعلني مباركا أين ما كنت" (31 مريم) أي ذا بركات ومنافع في الدين والدعاء إليه ومعلما له، آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأرشد الضال وأنصر المظلوم، وأغيث الملهوف. وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أعظم الناس بركة، فقد كان رحمة للعالمين. 

الرابط المختصر :