; أنعي إليكِ أمتي.. رحيلَ جيل | مجلة المجتمع

العنوان أنعي إليكِ أمتي.. رحيلَ جيل

الكاتب منير الغضبان

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1999

مشاهدات 67

نشر في العدد 1362

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 10-أغسطس-1999

قبل أن نتحدث عن وداع قادة هذا الجيل في هذا العام، لا بد أن نشير إلى الرواد الأوائل الذين افتتح بهم طريق الدعوة إلى الله في هذا الجيل وكانوا هداة الركب، وقادة القافلة.

الرواد الأربعة: الرائد الأول بلا منازع: هو الإمام الشهيد حسن البنا مؤسس دعوة الإخوان المسلمين في العشرينيات من هذا القرن، فهو الطاقة التي أيقظت العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه خلال بضعة عشر عامًا من حياته، وخط للجيل الإسلامي طريقه في الدعوة إلى الله وطريقه في العمل لإقامة دولة الإسلام وذلك بعد غياب دولة الخلافة عن الأرض وفي الثانية والأربعين من عمره، وفي خطواته الأولى أدرك أعداء الإسلام خطر هذا العملاق العظيم فتواطأت قوى الشر في الأرض عليه فقتلوه غيلة عام ١٩٤٩م، وهو في ريعان شبابه، بعد أن قاد جحافل الإسلام لحرب اليهود في فلسطين، ولو قدر الله تعالى له أن يعيش لكان اليوم في الثانية والتسعين من عمره، ومن عمر أقرانه الذين فقدناهم اليوم، لكن قدر الله خير فلا يزال يعيش في ضمير هذه الأمة وفي قلوب عشرات الملايين منها، وما من مكان ينبعث فيه إخوان مسلمون في أقصى المعمورة، إلا وحسن البنا هو الرمز والقدوة لهذا الجيل وما هو إلا نبتة من النبتات المحمدية التي تغذت على هدى القرآن والسنة وارتوت بالسيرة النبوية الكريمة.

الرائد الثاني: وكان استشهاد البنا هو فتيل الانفجار فيه، وعامل التحول عنده إلى حظيرة الدعوة إلى الله، وذلك أنه شهد فرح الغرب بمقتل الإمام البنا، فأدرك أن هذه الطاقة التي يفرح أعداء الإسلام بإخمادها، لا بد أن تبقى متوهجة عالية مشعة، وقرر أن يكون محطة الإشعاع بعد البنا الذي لم يتعرف إلى فكره وعبقريته ودربه إلا بعد استشهاده كان هذا الرائد هو سيد قطب والذي كان في عمر أخيه وأستاذه البنا، ولو قدر له كذلك أن يعيش لكان في سن القادة الذين افتقدناهم اليوم، وقدر لسيد قطب- يرحمه الله- وهو في أغلال السجن أن يسقي شجرة الإسلام بدمه، حيث أعدمه الطغاة ومضى في ظلال القرآن يجوب آفاق الأرض ويوقظ النيام، ويوقد التيار، ويغذي عزة المسلم واستعلامه بدينه.

الرائد الثالث: إنه الدكتور مصطفى السباعي، وهو الذي استقى من معين الإمام الشهيد في مصر، وكان أرضًا خصبة تملك أعلى الطاقات التي راحت تنفجر في كل مكان خاصة في ثرى الشام الطهور، ويلاحقه الاستعمار في كل مكان نفيًا وتشريدًا، وتعذيبًا وسجنًا، حتى استقر به المقام في سورية يضع الأساس لبناء دعوة الإخوان المسلمين فيها، وما كاد يهدأ ويمضي في البناء حتى عاجلته قضية فلسطين عن مهمته، فقاد كتائب الإسلام لحماية القدس الشريف، حيث كان على ثراها يوم كان قرار التقسيم.

وقدم نبراسًا للامة في الدعوة إلى الله من خلال تأسيس كلية الشريعة في الخمسينيات في سورية والتي كافح بكل ما يملك من طاقة حتى أنشأها، وبقيت مدرسة للدعاة، خرجت الأجيال التي تقود النهضة العلمية اليوم، ولو قدر له أن يعيش لكان في سن القادة الذين فقدناهم، فقضى وهو في التاسعة والأربعين من عمره فكرمته دمشق وجامعاتها، واحتضنته سورية بجوار مجدد الإسلام الشيخ محمد بدر الدين الحسني- يرحمه الله.

الرائد الرابع: وفي الوقت نفسه كان الإمام المودودي يحمل راية الإسلام في الهند وباكستان ويبني الأجيال المسلمة فيها وفي غيرها، وأحس الناس كأنما يقرؤون لإمام واحد سواء قرؤوا للبنا أو لسيد قطب أو للمودودي أو للسباعي أو للندوي، فكانوا جميعًا مدرسة واحدة تستقي من النبع النبوي العظيم.

وقدر للشيخ المودودي رحمه الله أن يقضي تحبه في نهاية السبعينيات من هذا القرن، ولعله كان أسن الجميع من رفاق دربه تاركًا خلفه مدرسته الحركية الإسلامية وهي الجماعة الإسلامية بباكستان القائمة على ثغر الإسلام هناك مع بقية العلماء والعاملين.

▪ رحيل الجيل.. وعام الحزن

وتابع القادة الكبار رفاق الدرب لمن قضوا نحبهم في سبيل الله، حيث قدر الله تعالى لهم عمرًا مديدًا شارفوا فيه على التسعين ونيف وتابعوا العطاء والكتابة والجهاد والهداية في سبيل الله، نذكر ممن سبقهم إلى الدار الآخرة في السنين القريبة أو البعيدة أمثال الهضيبي والغزالي والأميري والشعراوي وأبو غدة ويبقى حديثنا اليوم عن القادة الذين رحلوا خلال عام منصرم، مما هد ركن الدعاة إلى الله حزنًا على فقدهم وكأنما مثلوا رحيل الجيل كله.

وإذا كان المسلمون في الجيل الرائد أسموا عام الحزن بالعام الذي توفي فيه أعظم سندين لرسول الله ﷺ، في داخل بيته وخارجه، وهما: خديجة رضي الله عنها، وعمه أبو طالب، فمن حق هذه الأمة اليوم أن تدعو هذا العام عام الحزن وهي تودع أعلامها إلى الدار الآخرة.

وها نحن نذكر الأعلام الستة الذين فقدناهم هذا العام:

▪ علامة العراق ومؤرخ العصر محمود شیت خطاب

والذي كان درة العراق وبغداد، وكان آخر مهامه التي تقلدها المستشار العسكري لجامعة الدول العربية، وقد شارك في حرب فلسطين وجرح فيها، وكان من أكفأ الضباط العراقيين لكنه الإسلامي الوحيد فيهم، وحين نذكر العسكريين الإسلاميين في هذا القرن، فلا يسطع في سمائنا أمثال اللواء الركن- يرحمه الله.

اتجه بعد اعتزاله العمل إلى التاريخ للقادة العسكريين المسلمين ليقدم سلسلة قادة الفتوح في كل أصقاع الأرض الإسلامية عرضًا وتحليلًا ومقارنة، وذلك بعد أن كتب كتابه الأشهر فافتتح به هذه السلسلة «الرسول القائد»، إضافة إلى الكتب الفكرية الأخرى، حيث فاقت مؤلفاته خمسين كتابًا، لقد ربط القيادة بالعقيدة، ومارس حياة الإسلام فكرًا وواقعًا فكان مؤرخ الفكر العسكري الإسلامي في هذا القرن، وقدم حياته لعلمه ودينه حتى وافاه أجله وإنه مما يؤسى له ألا يسمع بوفاة شيخنا العلامة المؤرخ المجاهد إلا عرضًا، وأفردت له المجتمع ترجمة وافية قدمها الأديب السوري علي الطنطاوي يرحمه الله.

▪ علامة الجزيرة الشيخ عبد العزيز بن باز

وفي الشهر الأول من هذا العام الهجري كانت وفاة العالم الجليل الشيخ عبد العزيز بن باز الذي عرفه العالم بصفته المفتي العام للمملكة العربية السعودية، ولئن مارس اللواء خطاب الحياة العلمية الجهادية في الجيش، فقد كان ابن باز- رحمه الله- المفتي الحي في العالم الإسلامي، لأنه يفتي في دولة تعلن انطلاقها من القرآن والسنة، فهي تعود إليه باستمرار، أما في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، فيكون دور المفتي في الظل لحضور المناسبات الدينية، ولا يعني الدولة وأجهزتها من قريب أو بعيد وإنما يلجأ إليه الأفراد، يستفتونه في أمورهم الخاصة كانت فتاوى الشيخ ابن باز يرحمه الله ومن ورائه هيئة العلماء، واقعًا حيًّا للتنفيذ، ومن هنا تكمن أهمية عمله، إضافة إلى زهد وتواضع ونصرة الضعفاء والمساكين مثلث فيه أخلاق العلماء، واقعًا حيًّا وقدوة حسنة، فكان فقدانه خسارة جسيمة.

▪ شهر الأحزان الغرباء الثلاثة

وجاء شهر ربيع الأول، وكان هذا الشهر ابتداء هو شهر فرحة الأمة الإسلامية، وشهر حزنها على مدار التاريخ، ففي ربيع الأول عام واحد للهجرة، كان أكبر أعراس هذه الأمة وافتتاح أمجادها في الهجرة الكبرى في الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وبعد عشر سنين وفي الشهر ذاته، كانت وفاة المصطفى له، وغياب هذا النور عن الوجود، وصدق حسان- رضي الله عنه:

فإذا أتتك مصيبة تأسى لها***فاذكر مصابك بالنبي محمد

وهو الأدب الذي أدبنا إياه رسول الله ﷺ، إذ قال فيما أخرجه ابن ماجه عنه: «يا أيها الناس، أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة، فليتعز بمصيبته بي، عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإن أحدًا من أمتي لن يصاب بمصيبة أشد عليه من مصيبتي» ابن ماجة حديث رقم ١٥٩٩.

▪ أديب العصر محمد علي الطنطاوي

أمده الله تعالى بالعافية قرابة تسعين عامًا من عمره، لم ينقطع فيه عن العطاء، وكان أكبر ما قدمه للأمة هذه الذكريات التي بلغت ثمانية أجزاء نقل فيها تاريخ القرن كله عامة وتاريخ سورية خاصة، العلمي والاجتماعي والديني والسياسي بأسلوب قشيب من القصة المؤثرة والجملة البديعة والفقرة الرشيقة، وستبقى سورية مخزونة في «ذكرياته»، لا تستطيع عاديات الزمن أن تمحوها بعد أن سجلها لنا كاملة وسجل فيها المآثر العظيمة لهذا الجيل بساسته وعلمائه وفقهائه، ومفكريه ومصلحيه نقل لنا كيف تربى هذا الجيل، وكيف صبر وكيف جاهد وكم ضحى وكم حورب وثبت على دينه وعقيدته إنها سورية العروبة والإسلام، ومن عاصمتها دمشق، حكمت الدنيا قرابة قرن من الزمان وفتحتها بالإسلام العظيم، لقد كانت تمشق ومازالت درة التاريخ، ولم يدعها الطنطاوي- رحمه الله- حتى خلدها في كتاب خاص وخص مسجدها الأموي بكتاب كذلك.

لقد كان الأدب وسيلة لا غاية عنده، سخره الخدمة الدين وما كتابه «تعريف عام بدين الإسلام» إلا أنموذج من نماذج تقديمه لعقيدة الإسلام وحقائقه بأبسط أسلوب وأسلس عبارة.

لقد كان الشيخ الطنطاوي يحلم أن يضمه ثرى دمشق التي أحبها وأحبته وفداها وفدته لكن مما خفف عليه لوعة الحرمان والغربة أن يوارى جثمانه في أحب البقاع إلى الله في مكة المكرمة، في الوطن الثاني لكل مسلم وسيبقى علمه إن شاء الله وأدبه حيًّا في ضمير الأجيال إلى قيام الساعة إذا مات ابن آدم انقطع عمره إلا من ثلاث صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، وهنيئًا لشيخنا الطنطاوي علمه الذي هو عمله المثمر حتى يوم الدين.

▪ فقيه العصر مصطفى الزرقاء

وإذا كانت دمشق عاصمة الأمويين قد أنت وحنت أنين الإبل، وحنينها لفقد أولادها يوم فقدت الشيخ الأديب الطنطاوي، فإن حلب العاصمة الثانية لسورية والتي نبت ابنها مصطفى أحمد الزرقاء في ربوعها وتلقى العلم في مساجدها ومدارسها، ونهل من علمها حتى بلغ مبلغ الرجال، ثم خرج منها طالبًا للعلم في ديار الغرب، وعاد إليها لتضمه إلى قلبها، وتوليه ثقتها كلما ترشح نائبًا عنها، فيدخل غمار السياسة السورية نائبًا في البرلمان لدورات عدة، ورئيسًا للكتلة الإسلامية فيه، وزيرًا أكثر من مرة، وفي أكثر من عهد حتى ليحسب المرء أنه تفرغ للسياسة، وترك العلم، لكنه كان البحر الذي لا ساحل له، فلم يكن يشغله عن العلم شاغل وخاصة بعد أن تبوأ موقعه في جامعة دمشق أستاذًا بكلية الحقوق، وبعد أن أنشئت كلية الشريعة، كان من أعظم أساتذتها، ومضت السياسة بأهلها، وبقي العلم الشامخ في الفقه الإسلامي، حتى غادر الزرقاء دمشق إلى الشق الثاني من الشام في الأردن، حيث تلقته الجامعة الأردنية، ومعظم أساتذتها وإدارييها من تلامذته بدمشق، تلقته ليكون أستاذ الفقه الإسلامي بهذه الجامعة ما ينوف على ربع قرن، وكان أكبر من أن تحويه جامعة أو تحوطه كلية، فغدا علمًا من أعلام الفقه الإسلامي في الأرض، وعرفته مجامع الفقه الإسلامي في الأرض كلها، وحين قام الاقتصاد الإسلامي في الربع الأخير من القرن العشرين، كان الزرقا أكبر دعائمه ودعاته، وحوله إلى واقع عملي من خلال المصارف الإسلامية وكان مستشارًا فقهيًا للعديد من هذه البنوك.

لقد كانت المشكلة الكبرى التي يعاني منها المسلمون مشكلة الفكر الإسلامي الذي يعتمد على النظرات العامة التي قد تخطئ وتصيب، وقد تصطدم بكثير من الأحكام الجزئية في الإسلام فنحن إما أمام مصلح فاهم لعصره ومشكلاته لكنه بعيد عن الإسلام أو بضاعته في فقه الإسلام ضعيفة، فيضع الحلول لهذه المشكلات على الرأي والتحليل، وإما أمام عالم حافظ للمتون والأسانيد متقن للنصوص من كل الفنون لكنه لا يفقه مشكلات عصره فهمًا دقيقًا عميقًا، ولا يستطيع أن ينزل علمه على النازلات التي تستجد بالأمة فيبقى علمه بعيدًا عن معالجة المشكلات.

لكن الله تعالى أكرم هذه الأمة بهذا الألمعي العبقري الذي جمع بين الجانبين، فكان أعمق ما يكون في فهم عصره ومشكلاته وعايشها حين خاض غمار السياسة إلى أبعد امادها، ثم كان أعمق ما يكون فهمًا ودراية بالفقه وأصوله وأصول الاجتهاد فيه، فيغوص في بحار الفقه ليستخرج منه الدر الذي يناسب دواء مشكلات العصر لا يحول دونه تعصب لمذهب، ولا يعوزه خلل في الاطلاع، ولا تحبسه عصبية لرأي أو بلد أو جنس، ولذا كان بحق أستاذ الفقه الإسلامي في هذا الجيل، وكان اطلاعه على القوانين الغربية یزیده دربة وقدرة على فهم الغث والثمين منها لقد اعترف بفهمه كل فقهاء عصره، وأقروا بأستاذيته لهم، رغم مخالفتهم له أحيانًا بالاستنباط والاجتهاد.

لقد كان الزرقاء ابن حلب الشهباء والطنطاوي ابن دمشق الفيحاء، لقد كانا قرينين في الدراسة والجهاد والعلم والسن، وفي الدعوة إلى الله، وكما كان أبو بكر وطلحة التيميان- رضي الله عنهما- يدعيان بالقرينين، لأن نوفل بن العدوية الأسدي عدا عليهما فأسرهما وأوثقهما في حبل واحد، لأنهما تابعا محمدًا على دينه وعذبهما ليتركا هذا الدين فسقط وثبتا، كذلك كان الرائدان العظيمان الزرقاء والطنطاوي قرينين حتى في السن، وكثيرًا ما كان يردد أستاذنا الطنطاوي قوله: وأخيرًا اعترف الأستاذ الزرقاء أنه أكبر مني بسنتين، وقد تسنم الطنطاوي أعلى مناصب القضاء في الشام مستشارًا في محكمة النقض، وتسنم الأستاذ الزرقاء أعلى منصب سياسي مختص بالقضاء، فكان وزيرًا للعدل كما كان وزيرًا للأوقاف في سورية أكثر من مرة.

وهكذا وبعد خمسة عشر يومًا فقط يقضي الشيخ الزرقا نحبه بعد أخيه، ليكونا قرينين في الحياة وبعد الممات.. ومات كلاهما غريبًا عن وطنه.

▪ ثالث الغرباء.. د. محمد خير العرقسوسي

وقد قضى نحبه بعد أسبوع من وفاة الزرقاء وهو الأستاذ بجامعة أم القرى بمكة المكرمة وأحد كبار علماء التربية في العالم الإسلامي، لقد كان أول شخصية إسلامية في سورية حازت علي شهادة الدكتوراه في التربية، وبقي منار هدى الأساتذة التربية جميعًا في تنزيل أصولها وفروعها على الإسلام وكان حريصًا على إبراز فكرة مفادها أن كل ما في التربية الغربية من إيجابيات هو من صميم الإسلام وأصوله، لقد كان صامتًا بعيدًا عن الأضواء، ونرجو الله تعالى بذلك أن يحفظ عمله كله خالصًا عند ربه، وكثير من مآثره لم تُعرف إلا بعد موته، فقد قدر الله تعالى لي أن أشارك في تعزية أهله وذويه الأسمع عجبًا من عظمة هذا الفقيد، لقد أصر وهو تحت العناية المركزة في المستشفى أن يخرج منها ليشارك في مناقشة رسالة دكتوراه لأحد تلامذته، وعاد بعدها إلى العناية المركزة.

أما العجيبة الثانية فهي أنه أصر على قراءة رسالة كاملة لإحدى طالباته وهو في العناية المركزة كذلك، ووضع عليها ملاحظاته وتصويباته مخالفًا قرار الأطباء في ذلك، هذا ما سمعته من أهله الأدنين.

أما ما سمعته من أحد زملائه الذين كانوا تلامذته أنه عندما كان يحضر الدكتوراه تحت إشرافه تحتمت عليه الاستقالة من عمله، وهو عاجز ماديًّا، فجاءه الدكتور العرقسوسي وعرض عليه نصف راتبه وأصر على ذلك ليتابع الأستاذ تحصيله العلمي، ولا تحول الظروف المادية دون ذلك، هذا ما سمعته خلال أقل من نصف ساعة من مآثره فكم من المآثر المدفونة بينه وبين ربه عز وجل لا نعرفها، وهي رصيده في صحيفة حسناته عند ربه عز وجل إن شاء الله لقد جاب الأرض الإسلامية فدرس في المغرب ثلاث سنوات، وأقام فيها صرحًا علميًّا إسلاميًّا من الروضة حتى الجامعة، وكان يمضي كل صيف ليرعى هذا الصرح، ووافاه أجله هناك في آخر ربيع الأول، وهو يغذي هذا البناء العظيم ليحول به التربية الإسلامية من فكر نظري إلى تطبيق واقعي ودرس في جامعات المملكة السعودية قرابة ربع قرن بين جامعة الإمام وجامعة أم القرى.

▪ العالم العامل الصامت مناع القطان

وفي شهر ربيع الآخر نسمع بنعي العالم العامل المجاهد الأستاذ مناع القطان، الذي كان على ثغور الإسلام جهادًا وتضحية في مصر والسعودية، وهو من الرعيل الأول الذين قدر لهم أن يتربوا على يدي الإمام الشهيد حسن البناء وشارك في حرب القناة ضد الإنجليز، وعندما فتحت له آفاق العمل الإسلامي في الديار السعودية، لم يتردد أن يكون على هذا الثغر، أما موقعه فهو في بناء المناهج ابتداء ثم أستاذًا في جامعة الإمام محمد بن سعود، ثم مديرًا للمعهد العالي للقضاء، فكان أستاذ الأساتذة الإسلاميين الذين تخرجوا في هذه الجامعة، ومن المعهد والذين آل إليهم حراسة الفكر الإسلامي في هذا القطر، وبقي كتابه في الثقافة الإسلامية للمرحلة الثانوية بصفوفها الثلاثة مرجعًا فكريًّا وعلميًّا ينهل منه الشباب ويتربون على ثقافته الواسعة وكانت له الريادة في المشاركة بوضع السياسة التعليمية للمملكة.

لقد كان حاضرًا في كل خطوة من خطوات تطوير التعليم، وشريكًا في الكثير من المؤتمرات العلمية والمجامع الفقهية.

هذا بالنسبة للجانب العلمي عنده أما الجانب الاجتماعي، فهو مع قضايا الأمة الإسلامية وهمومها لا ينقطع لحظة عن المشاركة في مناصرتها وتبنيها وتوضيحها وإبداء الرأي المناسب لمعالجتها.

ورغم تقدمه في السن فقد بقي الطلعة الذي يفقه فن الخطاب مع الشباب الإسلامي، ويولي قضاياهم الفكرية والعلمية والمعاشية جل وقته واهتمامه كان هو والشيخ الفقيد ابن باز- رحمة الله عليهما- من مدرسة واحدة في قضاء حاجات المحتاجين، وتسخير جاههما لعون البائسين، والمعوزين والمتظلمين، وكان يلتقي مع الشيخ الفقيد كذلك في مدرسته القائمة على إسداء النصح للأمة كلها أئمتها وعامتها النصح لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم كما في الحديث النبوي الشريف، وكان قدوة في العمل أكثر منه قدوة في القول، وضع بصماته في بناء الأساس للنهضة الإسلامية تاركًا البروز في امتداد البنيان لغيره.

لقد قضى قادة هذا الجيل.. كل واحد منهم كان وحيد عصره في علمه واختصاصه، ورحل وقد وضع بصماته على الجيل الوارث الذي له أعلامه الكبار، راجين الله تعالى أن يمتعنا بهم ولن تسقط الراية أبدًا إن شاء الله ليتمثل لنا قول رسول الله ﷺ: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك».. والحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :