العنوان أنقرة وواشنطن.. وقرار الانسحاب والمنطقة الآمنة في سوريا
الكاتب د. سعيد الحاج
تاريخ النشر الجمعة 01-فبراير-2019
مشاهدات 57
نشر في العدد 2128
نشر في الصفحة 32
الجمعة 01-فبراير-2019
- دعم أمريكا للأكراد بسوريا وإيواؤها لـ»كولن» وتقارب تركيا مع إيران وروسيا أبرز ملفات الخلاف بين أنقرة وواشنطن
- إعلان «ترامب» سحب قواته من سوريا أربك حسابات أنقرة التي كانت على وشك إطلاق عملية شرق الفرات
تمثل العلاقات التركية - الأمريكية أحد الأمثلة الواضحة على الاضطراب والشد والجذب في مجال العلاقات الدولية خلال السنوات القليلة الأخيرة، فالبلدان اللذان تجمعهما عضوية حلف شمال الأطلسي منذ عام 1952م، وشراكة إستراتيجية منذ عام 1995م، يبدوان أحياناً أقرب للخصومة والعداء منهما للتحالف والتعاون.
تؤزم ملفات خلافية كثيرة العلاقة بين البلدين، ابتداءً من دعم الولايات المتحدة لفصائل كردية مسلحة في سوريا مصنفة على قوائم الإرهاب التركية، ومروراً بملف جماعة الخدمة وزعيمها «فتح الله كولن» المتهم بتنفيذ المحاولة الانقلابية الفاشلة، وليس انتهاءً بتقارب تركيا مع كل من إيران وروسيا بما في ذلك صفقة شراء منظومة «إس 400» الصاروخية من الأخيرة.
ولذا يمكن القول بأريحية: إن العلاقات بين البلدين متأرجحة بين الانفراج والتصعيد بين الحين والآخر، لكنها دائماً قائمة على أرضية متوترة ومشدودة بفعل ما سبق ذكره من ملفات خلافية، ومردُّ كل ذلك إلى عدم وصول الطرفين لصيغة جديدة من العلاقة بعد انتهاء الحرب الباردة والمتغيرات في طرفي المعادلة، خصوصاً تركيا وما شهدته على مدى السنوات الـ15 الأخيرة داخلياً وخارجياً، وبما انعكس على إدراكها لذاتها وما تريده لنفسها من مكانة وأدوار.
في يوليو الماضي، وعلى خلفية محاكمة تركيا للقس الأمريكي «أندرو برونسون»، هدد «ترامب» بعقوبات اقتصادية على تركيا، ونفذ بعضاً منها؛ مثل رفع رسوم استيراد بعض البضائع، إضافة إلى عقوبات على وزيري الداخلية والعدل التركيين، وقد ردَّت أنقرة بالمثل في أزمة ثنائية ساهمت في أزمة مالية تركية تراجع فيها سعر صرف الليرة في مقابل العملات الأجنبية بشكل ملحوظ وغير مسبوق، قبل أن تعود العلاقات للهدوء إثر إطلاق إحدى المحاكم التركية سراح القس وعودته لبلاده.
الانسحاب والتردد
فجأة، وبعد أشهر من قرار مماثل، أعلن الرئيس الأمريكي عن نيته سحب قوات بلاده المتواجدة على الأراضي السورية قريباً وبشكل كامل؛ وهو ما أربك حسابات أنقرة التي كانت على وشك إطلاق عملية عسكرية ضد قوات سوريا الديمقراطية شرق الفرات في سوريا.
ثمة ثلاثة سياقات مهمة دعت أنقرة للإعلان عن تأجيل إطلاق العملية العسكرية على لسان “أردوغان”:
أولاً: ضبابية الموقف بعد قرار «ترامب»؛ فالقرار الجديد لا يختلف كثيراً عن سابقه، في ظل وجود إشارات كثيرة على عدم توافق المؤسسات الأمريكية، وخصوصاً البنتاجون، على قرار الانسحاب، ما يعني أنه قد ينفذ وقد لا ينفذ، وقد ينفذ جزئياً أو كلياً، سريعاً أو بشكل متدرج وهادئ.
ثانياً: تجنب أي احتكاك مع القوات الأمريكية وضمان انسحاب هادئ لا يتأثر ولا يتبدل بالعملية العسكرية التركية.
ثالثاً: الحسابات الدقيقة لملء الفراغ الأمريكي بعد الانسحاب، ما يفرض على أنقرة تنسيقاً مع كل من الولايات المتحدة من جهة وروسيا وإيران من جهة أخرى، لمنع أي صدام غير مرغوب فيه بالحد الأدنى وتنسيق الجهود والأهداف والتحركات بالحد الأعلى.
ورغم أن تركيا لم تكن يوماً سعيدة بالدور الأمريكي في سوريا بعد أن تداخل وتماهى مع المشروع الانفصالي لحزب الاتحاد الديمقراطي، فإن قرار الانسحاب الأمريكي لم يكن كله خيراً لها، فلئن كان القرار يعني أن المشروع المذكور قد يُترك في مهب الريح، فإن الانسحاب الأمريكي –إذا نفذ– سيخل بالتوازنات في القضية السورية، التي كانت تركيا تستفيد منها في المناورة بين الولايات المتحدة وروسيا من جهة، فضلاً عن أن تخلي واشنطن عن قوات سوريا الديمقراطية ليس أمراً مقطوعاً به بعد الاستثمار بهذه القوات وتسليحها وتدريبها لسنوات طويلة.
تهديد جديد
بعد تصريحين من وزير خارجيته «مايك بومبيو»، ومستشاره للأمن القومي «جون بولتون»، استفزا أنقرة وأثارا غضبها بخصوص الملف السوري والعملية التي تنوي أنقرة إطلاقها هناك بما في ذلك حديث «بومبيو» عن قتل تركيا للأكراد، و»بولتون» عن عدم انسحاب بلاده قبل ضمان أمن الأكراد، هددها «ترامب» في تغريدة له في الرابع عشر من يناير الماضي بـ«تدميرها اقتصادياً إن هاجمت الأكراد في سوريا»، معززاً التقييمات التي رأت أن واشنطن لن تفرط بالفصائل الكردية المسلحة في سوريا بسهولة.
لكن الساعات القليلة التي تلت هذا التهديد حملت انفراجاً مفاجئاً في العلاقات بين الطرفين، إذ حمل اتصال هاتفي بين الرئيسين «أردوغان»، و«ترامب» أخباراً إيجابية حول تفاهم الرئيسين حول انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، وإنشاء منطقة آمنة في الشمال السوري.
المنطقة الآمنة، الفكرة التي طالما طرحتها تركيا وطالبت بها منذ عام 2013م ووجهت بالرفض الأمريكي، أتت هذه المرة على لسان «ترامب» وحروف تغريداته، وقد أبدت أنقرة تجاوبها مع الفكرة ورحبت بها أولاً لاحتواء أزمة محتملة مع الولايات المتحدة لا تحتملها ظروف اقتصادها قبيل الانتخابات المحلية، وثانياً كفكرة مبدئية عامة بانتظار التفاصيل التي يكمن فيها الشيطان عادة.
منطلقات البلدين تجاه المنطقة الآمنة مختلفة جداً؛ فقد كانت تركيا تريدها لحماية المدنيين من قصف النظام في ظل احتدام المواجهة العسكرية والمجازر والتهجير بكثافة، وبحيث يمكن لاحقاً إعادة/عودة جزء مهم من النازحين واللاجئين إليها، وبما يحمي حدودها وأراضيها، أما الولايات المتحدة فيبدو أنها تريدها لحماية قوات سوريا الديمقراطية من العملية العسكرية التركية المفترضة من باب إرضاء أنقرة وتقديم شيء لها يمكنها تقبله إذا ما سكّن هواجسها الأمنية.
الغطاء السياسي –لا سيما الدولي– مهم لتنفيذ الفكرة، وموقف كل من روسيا والنظام كذلك، والتفاصيل الفنية الكثيرة من مسافات ومساحات وبلدات وقرى وعمق مهمة كذلك، لكنها ليست ما يشغل بال أنقرة، أكثر ما يهم صانع القرار التركي هو هوية القوة/القوى التي ستسيطر على المنطقة الآمنة وتضبط الأمن فيها من جهة ومصير قوات سوريا الديمقراطية وبالتحديد إخراجها من المنطقة من جهة أخرى.
ولذلك، فقد أكد الرئيس التركي أن بلاده هي الأحق والأجدر بإنشاء المنطقة الآمنة باعتبارها ستقع على حدودها ويفترض أن تحفظ أمنها، ونقلت وسائل إعلام تركية تفاصيل المنطقة الآمنة التي تريد أنقرة تأسيسها بطول 460 كلم على طول الحدود السورية - التركية من نهر الساجور غرباً إلى مدينة المالكية شرقاً وبعمق 20 ميلاً.
لكن، وبسبب الخلاف العميق في الرؤى تجاه المنطقة الآمنة ودورها بين تركيا والولايات المتحدة، وبسبب تبدل الموقف الأمريكي مرات ومرات وبشكل سريع جداً وما نتج عنه من فجوة ثقة من الصعب جسرها بين الجانبين، لا يمكن الجزم بإمكانية إقامة المنطقة الآمنة فضلاً عن توافق وتعاون الطرفين بخصوصها.
ناقش اللقاء الذي جمع رئيسي أركان البلدين على هامش اجتماع رؤساء أركان الدول الأعضاء في “حلف الناتو” في 15 يناير الماضي التفاصيل الفنية الكثيرة المرتبطة بفكرة المنطقة الآمنة، لكن بلورة كل هذه التفاصيل لتصب في اتفاق يرضي أنقرة وواشنطن وباقي الأطراف في آنٍ معاً سيحتاج للكثير من الاجتماعات واللقاءات والحوار والتشاور، ليس فقط على محور أنقرة – واشنطن، وإنما كذلك على محور أنقرة – موسكو – طهران، وربما واشنطن – موسكو بشكل معلن أو غير معلن.
ولذلك، يمكن القول: إن “المنطقة الآمنة” المزمع إقامتها في الشمال السوري ما زالت فكرة عامة من حيث الأصل، ورغم ترحيب عدة أطراف بها، فإنها تمثل أمامها العديد من العقبات التي تجعل من المبكر جداً الحكم عليها بالنجاح، ما يضع علامات استفهام كثيرة إزاءها وإزاء الدورين الأمريكي والتركي في سوريا والعلاقات الثنائية بين البلدين في المدى المنظور.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل