العنوان أنّات الصغار!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1974
مشاهدات 115
نشر في العدد 209
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 16-يوليو-1974
أنّات الصغار!
نحن اليوم نعيش بين غابات من الأفكار، فالكل يأتي بالأفكار، لكن القليل هو الذي يصيب، وأصبح الإنسان فينا يجد في اللحظة الواحدة ويسمع أكثر من رأيين في موضوع واحد، وفي الغالب يكون الرأيان خاطئين لما سأوضح والصحيح يأتي من غير مصدر.
كنت أسير مع أحدهم، فإذا به يفاجئني قائلًا: يا أخي إن أمهات اليوم ليس عندهن من الحنان ذرة وقد أصبح الطفل لا يتعرف على أبويه لأنه لا يشعر بالأبوة والأمومة نحوهما، وقال أصبحت الأم ترضع أبناءهـا الحليب المجفف ودرعها مليء، فلم وهبها الله ذلك؟ أعتقد أنه من أجل إبراز جمالها.
لا والله من أجل تربية ذلك الطفل الذي قد يكون له شأو إذا ما ربـي تربية حسنة، ثم أردف يقول: وكذلك أصبحت تخرج إلى حفلات السهر والسمر وكذلك إلى العمل لتترك ولدها عند الخادمة إن لم يكن وحيدًا في البيت، وأخيرًا قال: هناك العديد من الأمثلة على ذلك وأن هذا النوع من الأمهات يشكل نسبة حوالي ٥٠٪ من الأمهات في مجتمعنا.
فأنظري أيتها الأم الرؤوم إلى ابنك كيف يتكلم، هل تعتقدين أنه يحيا في عالم خيال فيستوحي أفكاره منه؟ لا والله أنه يكسبها من الواقع المر الذي نحياه وإن كان قد غالى في رأيه بعض الشيء، غير أن مغالاته نابعة من إحساس عمـيق بهذا الموضوع الخطير.
وبعد أيتها الأم العزيزة، ألا تعلمين بأن الطفل في المراحل الأولى من سني حياته يحتاج إلى الحنان أكثر من أي وقت تال؟ وهل تعلمين بأن فقده لحنانك يؤدي به إلى العيشة الحيوانية، بل أقل منها حيث لا حنان، كما كان يربى جنود السلاجقة الأتراك؟ ألم تعلمي كل ذلك؟
فأدركي موقفك قبل فوات الأوان ودعك من الحفلات الصاخبة التي ما هي إلا تيار فساد ومضيعة للوقت وذلك للخروج بالمرأة عن حلقة واجبها، وكي تعمل الأم على تدمير ولدها بيدها، فعودي إلى عشك لأن الفراخ في انتظار الطعام ألا وهو الحنان.
تقوم بعض النساء لتقول، إن الخادمة كفيلة بأن تقوم بكل ما يحتاج! وهي تعتقد أن ما يحتاجه طفلها هو طعام ولبس وعناية صحية فقط، متناسية بذلك الدور الفعال الذي يلعبه حنان الأم في بناء شخصية ولدها، وأعتقد بأن الخادمة مهما كانت كريمة فلن تفي الطفل حقه من العناية حتمًا وأما من ناحية الحنان فلن يتذوق طعم حنان الأمومة منها على الرغم من وجود بعض الناس ممن شبوا في أحضان الخادمة فحلت لهم محل الأم وهذا نادر جدًا، إذ أن الناحية المادية تطغى على خادمات عصرنا أكثر من روح الواجب.
هذا من ناحية ترك الطفل والخروج إلى الحفلات الصاخبة والزيارات السفيهة، مدعين بذلك أن ذلك تقدم ورقي وهو في الحقيقة انحطاط وتأخر وذلك لترك الواجب، وأما بالنسبة للعمل، فالعمل يتطلب ترك الأطفال عند الخادمة، حسن، لكن، هل الحياة دعتك إلى العمل خارج إطار عملك؟ ألم تعلمي بأن عملك الأول والأخير تربية جيل وبناء أسرة وإسعاد زوج؟ ألم تعرفي ذلك؟ وأية سعادة أجمل منها بين ربوع أزهار بيتك (أطفالك)، فالعمل خلق للرجل وتربية الأجيال خلقت للمرأة، فحيادنا عن سنة الحياة إنما هو من قبيل التحدي لها، وتحدي الحياة بجهل إنما هو بداية الضياع وذلك لترك الواجب والقيام بغير المطلوب منها.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فأمهات عصرنا يرضعن أطفالهن الحليب المجفف وقد يكون لهن بعض الأعذار، ولكنى ألوم اللاتي ليس لهن أعذار غير العمل والتعب، فلتعلم هذه الأم أن الرضاعة من أثداء الأم إنما هي من أهم الروابط التي تربط الأم بولدها، فمن أرادت أن تتنكر لأمومتها فلترضعه المجفف، ومن أرادت أن تحفظ عليها أمومتها فعليها أن ترضعه من أثدائها إذا لم يوجد المانع.
كلمة إلى كل أم ضاعت في هذا السبيل، دعوة لها لتعد إلى حقيقتها فمن تنكر لحقيقته تنكر لإنسانيته ولا أعتقد أن امرأة عربية حرة تقبل لنفسها أن إنسانيتها وكرامتها بتخريج جيل حاقد على العالم يهوي بالمجتمع إلى بئر عميقة يصعب عليه الخروج منها بعد ذلك.
والله الموفق
«الشبراماتي»
الرابط المختصر :