العنوان أهلا بشهر الصيام
الكاتب الشيخ عبد الله النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1980
مشاهدات 90
نشر في العدد 489
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 15-يوليو-1980
أهلا بشهر رمضان.. أهلا بشهر الإسلام.. ولِمَ لا نرحب به؟ وهو الذي أنزل الله فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان؛ فهنيئًا فيه الفرحة بقدومه للطائعين، وهنيئًا فيه البشرى بحلوله للمتقين، هنيئًا لهم الرحمة في أوله، وهنيئًا لهم المغفرة في أوسطه، وهنيئًا لهم في آخره العتق من النار.
واستقبلت الأمة المحمدية هذا الشهر كما تستقبله كل عام؛ لأن نبي هذه الأمة أخبرها: «إن كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى في حديث قدسي: «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي».
نعم استقبلت الأمة المحمدية شهرها الكريم بإيمان صادق فحبسوا الأنفس عن شهواتها وفطموها عن مألوفاتها، التماسًا للثواب الذي أعده الله للطائعين، وادخره لعباده المتقين وليس أشد على النفس من أن تمنع عما اعتادت عليه، ولكن ذلك على المؤمن يسير؛ لأن المؤمن يعلم يقينًا أنه بعمله هذا أطاع ربه المطلع على سره وجهره، وأن صومه هذا لله وحده العالم بأن عبده هذا ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجله.
الصيام جهاد، ولكنه جهاد مع النفس وصراع معها، يشترك فيه كل مسلم، لا فرق فيه بين ذكر وأنثى، ولا بين كبير وصغير، وجهاد النفس أقوى أنواع الجهاد، إنه صراع داخلي ليس كصراع الأعداء وجهًا لوجه، وأبسط ألوان - هذا الجهاد أن الحياة لا تسير مع كل إنسان كما يشتهي فالحياة يسر وعسر، وسعادة وشقاء، وصحة ومرض والنفس البشرية طماعة لا تقنع بما تجد هكذا خلق الله البشر، وعلى هذا فطرهم، ولا تبديل الخلق الله، لكن الصوم يعلمنا أن نقنع بالموجود ولا نطمع في غير الموجود.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:183).
والحياة كلها صراع.. إذن لا بد من تدريب، وخير تدريب لنا نحن أمة الإسلام أن ندرب هذه النفس على الامتناع الاختياري، فنمنعها حتى عن الموجود في فترة من الوقت وتعود هذه النفس القدرة على تحمل الامتناع متى تحكمت فينا ظروف الحياة.
وشهر رمضان خير زمن للتدريب...
الحمد لله رب العالمين الذي منحنا من الفرائض التعبدية ما يهذب أخلاقنا، ويصلح أحوالنا ثم يجزينا به فيما بعد بالثواب الجزيل.
وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الصوم جنة «بضم الجيم»، والجنة هي الوقاية يقي بها المؤمن إيمانه من كل ما يخاف عليه. وليس يملك المؤمن شيئًا أعز ولا أغلى عنده من إيمانه يحميه من الجهل والفسوق والعصيان يحميه من الصخب وسوء الخلق. يحميه في السر والعلن.
والصوم جنة... هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعات طويلة من النهار يمنع المؤمن فيها نفسه عن طعامه وشرابه وملذاته، يجاهد فيها الشر وما يقربه من الشر في السوق وفي العمل وفي البيت يجاهد فيها فتنًا تحيط به من كل جانب، قرين سوء ينافق ويخادع، وسوسة شيطان، نفسًا أمارة بالسوء، نفسًا تحيط بها شهوات، بصرًا ينظر إلى مغريات...
وكل ما دعاه داع منها صاح فيها إيمانه.. إني صائم.. إني صائم... وهكذا يحمي الصوم الإنسان مما يحيط به، وهذا ما أوحت به إلينا الآية الكريمة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:183).