العنوان أهمية الدعوة خارج المساجد
الكاتب زينب الغزالي الجبيلي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-فبراير-1996
مشاهدات 67
نشر في العدد 1189
نشر في الصفحة 58
الثلاثاء 20-فبراير-1996
إلى الأخت الداعية
قالت لي تلميذتي النجيبة، التي أحترم ذكاءها وأقدره: أراكِ يا أستاذتي تركزين دائمًا على دور الأخت الداعية في المسجد وأفضل الطرق والوسائل والمقومات لأداء هذا الدور بنجاح وتوفيق وقبول من الله، وأعرف أن لك خبرة طويلة في هذا الميدان، وأن الداعيات في عصرنا الحاضر في حاجة شديدة للاستفادة من هذه الخبرة لتحقيق أفضل النتائج، وأنا لا أقلل من أهمية المسجد ودوره المؤثر في المجتمع الإسلامي، ولكن يا أستاذتي أخشى أن يتصور البعض أن الدعوة إلى الله قاصرة على العمل في المساجد، ولا علاقة لها بما يجري خارجه في واقع الحياة، كما أنني أعرف أن القادرات على العمل الدعوي في المساجد قلة، وأن هناك الكثيرات اللائي يصعب عليهن أداء هذا الدور، بينما يمكنهن أداء واجبات دعوية لا تقل أهمية - في رأيي - عن دور المسجد، فما رأيك يا أستاذتي؟
فقلت لها: يا ابنتي الحبيبة: إنني أتفق معك في أن المسجد له دوره المؤثر في حياة الأمة المسلمة، وكان وسيظل منبع النور ومشعل الهداية ورائد الخير في حياة المسلمين أجمعين، ولذلك تراني أهتم بدوره، وكيفية أداء هذا الدور على أفضل صورة، لكنه رغم هذه الأهمية، ليس المكان الوحيد للدعوة إلى الله.
إن رواد المسجد هم مسلمون شعروا بحاجتهم إلى الإيمان والطاعة، فتوجهوا إليه يلتمسون المزيد من القرب من الله ويغترفون من معين الإيمان والسكينة، فهم الأقرب إلى الاستجابة لأوامر الله، والأكثر شوقًا وحرصًا على تعلم أمور دينهم، ولذلك أجد من الأهمية أن يستقبلهم الدعاة المؤهلون ليزيدوا من هذا الإيمان المتدفق، ويستفيدوا من هذه القلوب العطشى لنور الله فيرتقوا بها إلى الدرجات العلا، ويسموا بها إلى المنازل الرفيعة، لكن النظرة العامة تكشف أن رواد المسجد ليسوا هم كل الأمة ولا حتى نصفها، ولا حتى ربعها، فأين بقية الأمة المسلمة؟! إنها بالطبع خارج التربية المسجدية، بعيدة عن هذه النعمة، وهذا العطاء الرباني، فكيف تتوجه الدعوة إليهم؟ وكيف تصل إلى أفرادهم وتجمعاتهم؟ كيف تقربهم من الله عز وجل؟
هذه القضية يجب أن نوليها الاهتمام بصورة كافية حتى نعيد إلى المجتمع الإسلامي صورته وجوهره الصحيح، إن الدعاة إلى الله يجب أن يتوغلوا في عمق المجتمع، ويصلوا إلى كل الطبقات، ويقتحموا كل المستويات، والداعية قوي بإيمانه متماسك بطاعته لله عز وجل، بينما العاصي ضعيف بمعصيته متهالك بسبب بعده عن طريق الله.
لقد أتاح الله لي فرصة العمل الإسلامي في أوساط العصاة، وكانت لي جولات طيبة قبل خمسين عامًا مع السائرات في طريق الرذيلة، يوم أن كانت «الدعارة» لها تصريح رسمي في مصر، فتاب على يدي الكثيرات وساهمت في تزويجهن وحثهن على التوبة والدخول في أهل الإيمان والطاعة، وقد استفدت من هذه التجربة أن الداعية لا يجب أن يقصر نشاطه وجهده في الميادين المهيأة فقط، بل عليه أن يبحث عن الذين يحتاجون إليه في كل اتجاه.
وسائل عديدة
الأخت الداعية يجب أن تؤهل نفسها للعمل الإسلامي مع غير الملتزمات، من خلال وسائل عديدة، لا تحتاج في غالب الأحيان إلى مقدرة في الخطابة، منها مثلًا: المشاركة في العمل العام، حيث يتيح ذلك الاقتراب والاحتكاك ببعض الشخصيات المؤثرة في المجتمع، وبالتالي تعديل رؤيتها نحو الالتزام والطاعة، واستمرار الصلة بها يقربها أكثر من الله، ويصحح لديها الكثير من المفاهيم المغلوطة.. ومنها المشاركة في توجيه الرأي العام سواء من خلال المظهر الملتزم، أو السلوك الرشيد، أو القول المفيد والمؤثر، أو النصيحة الحانية.
الأخت الملتزمة لا يجب أن تنعزل عن كل ما يؤثر في حياة الناس، بل عليها أن تشارك فيه مشاركة التأثير والتوجيه، مثل الرحلات العامة، وأنشطة النوادي الاجتماعية والرياضية والخيرية، ولجان الزكاة، وجمعيات البر والخدمة الاجتماعية، عليها أن تشارك في المناسبات العامة، وإرسال التهاني والتعازي والمجاملات الخاصة، عليها أن تشارك في كل ما يؤدي إلى إضفاء المظهر الإسلامي على صورة المجتمع، فذلك كله في النهاية يسرع في خطى الأمة نحو الالتزام بدينها والاقتراب من هدي رسولها الكريم صلى الله عليه وسلم، ولعل هذا الجهد الكبير المقبول من الله يدخل تحت الآية الكريمة ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ (آل عمران: 110).
إن عمل الأخت الداعية خارج المسجد لا يقل أهمية، بل ربما يزيد عن عملها داخل المسجد، وهذا العمل يحتاج إلى ترتيب وتأهيل خاص، ويحتاج إلى صبر ومجاهدة، ويحتاج إلى حسن تقدير ووعي وسعة أفق، ويحتاج كذلك إلى روح الإقدام والابتكار والتطوير، وأنا أحب دائمًا العقلية التي تفكر وتبتكر وتبدع في وسائل العمل الدعوي.. أسأل الله القبول والتوفيق والسداد.