العنوان أوبك تتحرك داخل غرفة الإنعاش
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أغسطس-1986
مشاهدات 79
نشر في العدد 778
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 05-أغسطس-1986
افتتح وزراء منظمة الأقطار المصدرة للنفط «أوبك» مؤتمرهم رقم ٧٨ في ٢٨ يوليو الماضي في جنيف وسط أجواء تتسم بالقلق تجاه الأزمة النفطية التي ظلت تحاصر المنظمة منذ مطلع هذا العام وعلى الرغم من الإحساس المتفائل من قبل رئيس الدورة الحالية وزير النفط النيجيري رضوان لقمان في توصل المؤتمر إلى اتفاق حول معضلتي سقف الإنتاج وحصص الإنتاج إلا أن الوقائع والمعطيات تؤكد صعوبة إمكانية تحقيق تلك المهمة، ويعد مؤتمر جنيف استئنافًا لمهام المؤتمر السابق في بريوني مما جعل المقترحات تدعو للالتزام بمقرراته وفي هذا الشأن تقدم وزير النفط الجزائري بلقاسم نبي بخطة من سبع نقاط تقضي بتخفيض إنتاج المنظمة في حدود ٣ مليون برميل يوميًّا ويوضع هيكل جديد للأسعار وإعادة توزيع حصص الإنتاج لجميع الدول الأعضاء فيما عدا العراق وإيران وذلك تقديرًا لظروفهما الخاصة.. وتقترح خطة الوزير الجزائري تخفيض سقف الإنتاج للمنظمة ما بين ١٥- ١٦ مليون برميل غير أن غالبية الأعضاء ترى أن يظل الاقتراح السابق الذي يحدد سقف الإنتاج به 17,6 مليون برميل يوميًّا هو أساس للمناقشة في امتصاص الفائض النفطي في الأسواق علمًا بأن إنتاج المنظمة في فترة السقف الاختياري قد بلغت ۲۰ مليون برميل يوميًّا مما اقتضى معه التدخل من قبل المنظمة حتى لا يبلغ حجم التدهور في الأسعار نقطة اللا عودة ومن تم الانفراط الكلي للمنظمة.
استراتيجية أم تكتيك؟
تتأرجح إستراتيجية المنظمة منذ مؤتمر ديسمبر ١٩٨٥ بين استعادة الحصة الإنتاجية العادلة مقابل الإنتاج العالمي وتحديد سقف الإنتاج وتخفيضه من أجل الحفاظ على معدل مجزي للأسعار ونظرًا للتناقض الكلِّي بين الاتجاهين فإن المنظمة لا بد أن تتخذ أحدهما في خيار لا عودة عنه حتى تنفرج الأزمة الحالية ومتى تختار المنظمة فإن الاتجاهات داخلها ما زالت تنقسم وفقًا لنوعية التوجه المقترح فمثلًا تعد المملكة العربية السعودية وتؤازرها الكويت من أكثر الأعضاء دعوة للدفاع عن الحصة الإنتاجية العالمية ورفض وضعية المنتج المتمم التي ظلت تتبعها المنظمة منذ عام ۱۹۸۳ عقب مؤتمر لندن على الرغم من أن السعودية والكويت تعتبر في الجانب الآخر أكثر الأعضاء التزامًا بحصص الإنتاج والأسعار المعلنة وفي المقابل تقف مجموعة الثلاثة التي تضم الجزائر -ليبيا- إيران داعية إلى اتباع التخفيض المستمر في الإنتاج من أجل المحافظة على أسعار مرتفعة نسبيًّا، ولذا تأتي مسألة تحديد استراتيجية طويلة المدى في صدر المهام التي يركز عليها المؤتمر الحالي وفي سبيل التوصل إلى حل مُرضٍ وتحقيق تقدُّم ملموس في هذا الشأن فإن المؤثر يبدي قسطًا كبيرًا من المرونة وقد تداخلت طرق معالجة الخلاف الناشيء بين الأعضاء بعيدًا عن الرسميات التي قد تضع بعض الأعضاء في حرج سياسي.
إشكالية حصص الإنتاج
في ظل انعدام إستراتيجية محكمة من قبل المنظمة وطويلة المدى فإن ألسنة التناقض قد امتدت إلى حصص إنتاج الأعضاء خاصة عقب تبنِّي المنظمة للسقف الاختياري للإنتاج وما تبع ذلك من تخمة الأسواق النفطية والانخفاض الحاد لمستوى الأسعار وتعتبر مسألة توزيع الحصص إحدى المشاكل الرئيسية في مؤتمر جنيف وقد أبدت سبعُ دول استعدادها لتخفيض إنتاجها بما يعادل 1.6مليون برميل يوميًّا في مجموعه وذلك ضمن جهود وزير النفط الإندونيسي د. سوبروتو في خطته الرامية إلى الخفض الطوعي في حصص إنتاج الأعضاء غير أن تشدد بعض الأعضاء يجعل خطة الوزير سوبروتو غير ذات جدوى فقد طالبت إیران بتعديل حصتها الإنتاجية البالغة ٢٫٢ مليون برميل يوميا وفي ذات الاتجاه تطالب كل من فنزويلا والإمارات العربية المتحدة بزيادة حصتها الإنتاجية وبهذا تصبح درجة تعقيد حلول التوزيع للحصص الإنتاجية شائكة وأكثر صعوبة مما ينعكس مباشرة على السقف المحدد لإنتاج المنظمة.. خاصة إذا ما استمر انخفاض الطلب العالمي على نفط المنظمة.. مما يدخل المنظمة في حلقة مفرغة «زيادة الحصص الإنتاجية- زيادة سقف الإنتاج- فائض في الأسواق- تدني الأسعار»
زيادة الحصص الإنتاجية:
وقد أبدت الكويت والعربية السعودية مزيدًا من المواقف المتعاونة من أجل دعم الأسعار فقد ذكر الشيخ يماني بأن بلاده مستعدة لخفض إنتاجها بشرط أن يكون المنتجون داخل وخارج أوبك على استعداد لفعل ذات الشيء.. وتبقى مشكلة توزيع الحصص الإنتاجية مدخل الحلقة المفرغة التي قد لا تتوانى في إدخال المنظمة في ذمة التاريخ.
ذيول الأزمة:
لم تكن أزمة المنظمة التي تولدت عنها انخفاض أسعار النفط مشكلة داخلية بحتة وإنما ظلت ردحًا من الزمن مشكلة خارجية متمثلة في وكالة الطاقة الدولية والتي كانت باستمرار تطمع في إدخال الإشكالات إلى أروقة المنظمة بدلًا من أن تبقى على الهامش وقد نجحت وكالة الطاقة الدولية إلى حشر المنظمة والانقسامات والأزمة في غرفة إنعاش دائمة واستغرقت المنظمة قواها في معالجة الإشكالات الداخلية وتخلت تمامًا من الإلفات إلى حبائل الشر التي ما زالت وكالة الطاقة الدولية تنصبها حول المنظمة داخل غرفة إنعاشها وهذا إنذار آخر وعلى فرض أن المنظمة توصلت إلى اتفاق فإن إستراتيجية وكالة الطاقة الدولية في خفض أسعار النفط ستبقى هي الأقوى خاصة وأن المخزون النفطي أصبح احتياطيًّا أخر ينافس احتياطيات دول المنظمة، فلا بد أن تضع المنظمة في حسبانها أن مسألة الارتفاع في الأسعار ما عادت سياسة سهلة تتحقق بمجرد اتفاق مؤقت وإنما تحتاج إلى صمود واسع من أجل إثبات قدرتها على التحكم في قوى الأسواق النفطية، هذا مما يحتِّم تبنِّي المنظمة الإستراتيجية الطويلة المدى والقادرة على امتصاص المواقف الفردية للأعضاء مع وضوح كامل في مدى تحصنات الأسواق بالفوائض .