العنوان أوروبا.. مؤتمر الأمن الأوروبي: الأمن العالمي يتحقق بطاعة الله وتحكيم دينه ...
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-مارس-1978
مشاهدات 61
نشر في العدد 392
نشر في الصفحة 12
الثلاثاء 28-مارس-1978
• البحث عن الأمن
العالم كله، شرقه وغربه، شماله وجنوبه، يبحث عن الأمن، الأمن بكافة أشكاله: الأمن السياسي والأمن الاقتصادي، والأمن الاجتماعي، والأمن الفكري ... وغير ذلك ويدفعه إلى بحثه المستميت والمستديم هذا شعوره بعدم الاستقرار في عصر وصف بحق أنه عصر الأزمات، والحروب، والانخناقات الحياتية والمشكلات الإنسانية العامة.
• الأمن الأوروبي
وفي هذا السياق عقدت عدة مؤتمرات في الفترة الأخيرة لبحث قضية الأمن والتعاون في أوروبا، وهي القارة التي كانت السبب في اشتعال الحربين العالميتين الأخيرتين ... عقد أولًا في هلسنكي عام 1975 وأصدر عدة قرارات في هذا الخصوص، ثم عقد المؤتمر الثاني في بلغراد. وقد اختتم أعماله مؤخرًا.
اشترك في المؤتمر 35 دولة، سبع منها تمثل المعسكر الشرقي، أو حلف وارسو، وخمس عشرة دولة تمثل الغرب، أو حلف الأطلسي، وثلاث عشرة دولة غير منحازة.
استغرق المؤتمر حوالي 9 أشهر من النقاشات والمناوشات الكلامية بين الشرق والغرب حول نتائج مؤتمر هلسنكي والمدى الذي ذهبت إليه الدول الموقعة على بيانه الختامي في التزامها بهذه المقررات.
• الحلقة المفرغة
وقد استهلك المؤتمرون ساعات طويلة في الدوران داخل دائرة مغلقة، حتى تحول المؤتمر، كما تقول «التايم» الأميركية، إلى ساحة الصراع المكشوف بين القوتين العظميين حول قضايا يحوم الشك في مدى صدق أي منهما في تبنيها.
وقد أدى هذا إلى نفاد صبر الدول المحايدة التي لم تشترك في المؤتمر إلا بسبب إحساس بالخوف من خطورة استمرار الصراع بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، وما يمكن أن يجره هذا الصراع من نتائج خطيرة ومدمرة على الأمن والسلام والإنسانية، لا في أوروبا وحدها، وإنما في كافة أرجاء العالم.
• البيان الختامي
وفي محاولة لإنهاء الأمر، تقدمت الدانمرك بمشروع بيان ختامي، صادق عليه المؤتمرون أخيرًا.
يتألف البيان من 19 فقرة، تتحدث عن كل شيء، كما تقول الصحافة العالمية، ما عدا القضايا الأساسية التي جاء من أجلها المندوبون، وبخاصة مسألة حقوق الإنسان والحريات الأساسية، فقد أكد البيان على اتفاق هلسنكي، لكنه تجاهل الخلافات بين الشرق والغرب، مكتفيًا بالإشارة إلى عدم تمكن المؤتمر من الوصول إلى اتفاق حول العديد من القضايا، على أن تجتمع الدول الأعضاء مرة ثالثة في مدريد، بعد سنتين، أي في عام 1980. وفي هذه الأثناء سوف يلتقي خبراء من الأقطار المعنية في اجتماعات على نطاق أضيق خلال هاتين السنتين للتباحث حول مسائل محددة، مثل الأمن، والعلم، والتعاون الثقافي والعلمي والاقتصادي، وستعقد هذه الاجتماعات المصغرة في سويسرا، وألمانيا، ومالطا، على التوالي.
• الموقف الأميركي
ولم يكن الخلاف بين الدولتين العظميين إلا بسبب تباين نظرتهما إلى مؤتمر الأمن، وما يهدف كل منهما إلى تحقيقه من ورائه.
أميركا أرادت أن تجعل من المؤتمر مضمارًا للتسابق في رفع راية حقوق الإنسان، التي جعلتها، منذ وصول كارتر إلى البيت الأبيض، من القضايا الأساسية في علاقاتها الخارجية. وقد أكد المندوب الأميركي أن بلاده سوف تواصل اهتمامها الخاص بهذه المسألة.
ولا يخفي المراقبون اعتقادهم أن الولايات المتحدة تريد تحقيق أغراض لا علاقة لها بحقوق الإنسان.
فمن جهة، تهدف الإدارة الأميركية إلى إضفاء سياسة أخلاقية على سياستها الخارجية، كتلك التي نادى بها الرئيس الأميركي ولسن في مطلع هذا القرن، وذلك لتحسين سمعة أميركا العالمية بعدما دنستها ممارساتها العدوانية والتسلطية في بقاع مختلفة من العالم.
وتريد أميركا، من جهة أخرى، أن تجعل من لافتة حقوق الإنسان سلاحًا لتكتيل العالم الرأسمالي- أميركا وأوروبا الغربية واليابان- وتسخيره لخدمة المصالح الاستراتيجية الأميركية السياسية والعسكرية والاقتصادية.
وأخيرًا تهدف أميركا إلى استخدام شعار حقوق الإنسان كورقة ضغط ووسيلة للتدخل في شؤون الاتحاد السوفيتي والدول الشرقية الأخرى، والاستفادة من ذلك في تحقيق مكاسب معينة خصوصًا في مباحثات الحد من الأسلحة الإستراتيجية «سالت 2». وهذا مما جعل المندوب السوفييتي يصرح بأن إصرار الأميركان على حكاية حقوق الإنسان سيجر العالم من جديد إلى أجواء الحرب الباردة.
• الموقف السوفييتي
أما الاتحاد السوفييتي، وهو صاحب فكرة المؤتمر أصلًا، فأشد ما يثيره الحديث عن حقوق الإنسان، لسببين: أولهما أنه يشعر أن أوضاعه الداخلية ومواقفه الخارجية أبعد ما تكون عن حقوق الإنسان بأي مفهوم فسرت، وإلا فكيف نفسر الكبت على الحريات السياسية والفكرية والدينية في الداخل؟ وكيف نفسر مجزرة المجر عام 56 وإسقاط الحكومة في تشيكوسلوفاكيا عام 68 وتأييده المطلق للحكم الإرهابي في الحبشة في سياسته ضد شعب أرتيريا وأوغادين؟ ... أما السبب الثاني فهو إدراك الاتحاد السوفييتي أن إبراز قضية حقوق الإنسان يعرقل تحقيق الأهداف التي يرجو الوصول إليها بركوب عربة مؤتمر الأمن الأوروبي.
ويرى المراقبون أن الأهداف السوفيتية تتلخص في أمور ثلاثة:
• أولًا: ترسيخ سياسة «الوفاق الدولي» التي هي عبارة عن اتفاق ضمني بينه وبين أميركا، لضمان مصالح الطرفين، ويرى الاتحاد السوفييتي أن سياسة التسلح الغربية الجديدة تتعارض مع الوفاق. ومن هنا فهو يشن حملة شعواء على التسلح بالصواريخ المجنحة والقنبلة النيوترونية وصواريخ إم إكس الباليستية الستراتيجية، والرؤوس النووية مك 10/12 وغواصات ترايدينت الحاملة للصواريخ وغيرها.
• ثانيًا: إقرار الحدود الأوروبية الجديدة، التي شارك الجيش السوفييتي في رسمها بعد الحرب العالمية الثانية، بإقامة دول «الديمقراطيات الشعبية» في أوروبا، إضافة إلى ضم أراض جديدة إليه.
• ثالثًا: الوصول إلى درجة مناسبة من التعاون العلمي- التكنولوجي بين الشرق والغرب، انطلاقًا من حاجة الاتحاد السوفييتي إلى التكنولوجيا والخبرة الغربية.
• الأمن يتحقق بطاعة الله وتحكيم دينه
وهكذا نلاحظ أن حقوق الإنسان وغيرها من الشعارات الإنسانية البراقة رفعت من قبل الجميع وهم أبعد الناس عنها، بل إنها ضاعت في زحمة سعي كل طرف، من الشرق والغرب، لتأمين مصالحه الذاتية.
وهذا أدى بالتالي، وبالضرورة، إلى تعسر الاتفاق بين الطرفين على الأمور التي تضمن مصلحة الإنسان الأوروبي خاصة والإنسان عامة، وتحقق أمنه واستقراره وتقدمه.
وهذا يؤكد الحقيقة الإسلامية القائلة: إن الأمن والسعادة لا يمكن أن يتحققا في عالم تسوده الجاهلية، وتمزقه أطماع الطغاة وتؤرقه صراعاتهم المستمرة.
وإذا كان فشل مؤتمر بلغراد دليلًا يضاف إلى قائمة الأدلة على صدق الحقيقة الآنفة، فإنه من جانب آخر لا بد أن يكون دافعًا للبشرية أن تبحث عن أمنها عند الله وفي اتباع حكمه، لا في هلسنكي أو بلغراد أو مدريد.
﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأنعام:82).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل