العنوان أوزبكستان.. بين الاستبداد والثورة
الكاتب أحمد عبدالله
تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2013
مشاهدات 71
نشر في العدد 2055
نشر في الصفحة 36
السبت 01-يونيو-2013
- يشهد المجتمع الأوزبكي حركة أسلمة على مستوى قطاع واسع من المجتمع رغم تضييق النظام الحاكم
- «إسلام كريموف» يحكم أوزبكستان منذ انتهاء الحكم الشيوعي في عام ١٩٩٩ م وحتى الآن
- «روبرت بليك». واشنطن تجري محادثات بشأن استئناف مساعدة طشقند في برنامجها لتعزيز دفاعها ومكافحة الإرهاب
ما دفعني إلى كتابة هذه السطور تلك الأخبار التي تصل مسامعنا عن اضطهاد لا يزال يعيشه عشرات الآلاف من أصحاب الضمائر الحية في جمهورية أوزبكستان المسلمة الجريحة، وتلك التصريحات التي أدلى بها رئيس أوزبكستان «إسلام كريموف» لدى زيارته لروسيا والتي شدد فيها على خوفه الكبير مما يسميه الإرهاب في أفغانستان وخشيته من الحراك الشعبي الذي شهدته دول «الربيع العربي» أن يطال بلاده التي يحكمها منذ عشرات السنين بالحديد والنار.
«كريموف» منزعج جدا وبشكل خاص من الوضع في أفغانستان حيث صرح أن «لا أحد أعلن علينا الحرب، ولكن توسع زحف الإرهاب هو أسوأ من ذلك هذه القضايا ملحة جدا، وهي تطرق أبواب كل الذين يعيشون في جوار أفغانستان ما الذي يمكننا القيام به معا في مواجهة الخطر الذي يشهد نموا سريعا في المنطقة؟ من الأفضل أن نسبق هذا الحدث من أن نضربه على ذيوله»، حسب تعبيره.
بالطبع هذه التصريحات لم تأت من فراغ، فالحياة الدينية والإسلامية في أوزبكستان المسلمة لم تعد تطاق، وفاقت كل التصورات، الخوف والاضطهاد هو سيد الموقف في كل موقع على أرض الجمهورية ويتواصل هذا النمط من الحياة لعشرات السنين دون هوادة.
الولايات المتحدة-الراعية لكل من يناهض «الإرهاب»-كان ردها كالعادة جاهزا، وشاطرت مخاوف «الزعيم الأوحد» للأوزبك، فقد صرح مساعد وزير الخارجية لشؤون جنوب ووسط آسيا «روبرت بليك»، «بأن واشنطن تجري محادثات بشأن استئناف مساعدة طشقند في برنامجها التعزيز دفاعها ومكافحة الإرهاب»، وهذا يعني أن يبقى الشعب تحت وطأة الظلم إلى أن يأتي ما يخالف ذلك.
وبالرغم من النجاحات الاقتصادية التي حققتها البلاد منذ أن انهار الاتحاد السوفييتي، والتقدم في العديد من المجالات الاقتصادية الحيوية، بعد أن حازت كغيرها من الجمهوريات على «استقلالها» عن الهيمنة السوفييتية. فإن حالة الفقر وقلة اليد لا تزال ظاهرة في شوارع المدن والقرى الأوزبكية، كما أن أعداد المهاجرين الأوزبك لروسيا في تزايد مطرد، ويمثلون واحدة من أكبر الجاليات المهاجرة التي تعمل في مجالات الخدمات العامة والبناء والزراعة.
ويهتم «كريموف» بتطبيع علاقاته مع روسيا والولايات المتحدة بسبب انخفاض شرعية نظامه، فبعد أن انتخب لولاية ثانية في عام ٢٠٠٧م، قام «كريموف» مرتين بتغيير الدستور من أجل تأجيل الانتخابات التي من المقرر أن تكون في أبريل عام ٢٠١٥م.
الأخطار السياسية لنظام «كريموف» تتنامى، وتشتد وتتصاعد الصراعات بين الخلفاء المرجحين لـ«كريموف»، وخاصة التنافس المحموم بين ابنة الرئيس «غولنارا كاريموفا»، و«اليد اليمنى» لرئيس الدولة النائب الأول لرئيس الوزراء «رستم عظيموف».
وإزاء هذه الخلفية، فإن «كريموف» يفهم كل القيود التي تفرض عليه في التقارب مع الغرب، الذي ليس مستعدا أن يغض الطرف عن كل الانتهاكات الواضحة جدا للقانون في محاولة منه للحفاظ على السيطرة على البلاد. على خلاف روسيا التي أثبتت منذ فترة طويلة أنها على استعداد للدفاع عن النخبة الحاكمة ضد أي محاولة لتغيير السلطة من الأسفل، ولذلك نفهم جيدًا سبب هذه التصريحات من موسكو.
لماذا هذا الخوف؟
السؤال المطروح: لماذا كل هذا الخوف من دول الجوار والأحداث التي تجري في دول الربيع العربي البعيدة، خاصة أن الرجل يضع يده على جميع مفاصل الدولة منذ عشرات السنين؟! والحقيقة أن الوضع في الجمهورية لا يبعث على الطمأنينة، فبعد تواتر الأخبار عن تدهور صحة الرئيس، وعدم بته في الشخص الذي سيخلفه على عرش السلطة ستبقى الأمور تتجه نحو كل الاحتمالات. من ناحية أخرى، فإن المناطق المجاورة لأفغانستان تشهد حراكا متزايدا للحركة الإسلامية الأوزبكية التي ترعى الكفاح المسلح ضد النظام، وبالرغم من أن النظام في طشقند «العاصمة» يحارب كل مظهر إسلامي فإنه يحسب لتلك المجموعات المسلحة ألف حساب، نظرا لموقع أوزبكستان الجيوسياسي الاستراتيجي، وتضارب المصالح في تلك الجمهورية بين روسيا من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى، وإمكانية-ولو نظريا-استعمال تلك المجموعات كأوراق ضغط على الحكومة للحصول على مكاسب على أرض الواقع.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى الأسلمة التي يشهدها المجتمع الأوزبكي، والذي يعتبر من أكثر المجتمعات ارتباطا بالدين، بالإضافة إلى الحراك الشعبي الذي بدأ يتطلع إلى الحرية بعد نجاح الثورات العربية في دول الربيع العربي.
السؤال الآخر المهم بالنسبة للمتابعين، ما يتعلق بالسيناريوهات المطروحة في ظل ما ذكرناه. الأكيد أن الوضع في تلك الجمهورية القفص سينتهي يوما ما، سواء في وجود «إسلام كريموف» أو بعده!! من خلال ما نراه من حراك شعبي، وتململ داخل الشارع وانقسام المجتمع إلى طبقتين شاسعة الهوة بينهما: مجتمع المسؤولين ورجال الدولة والأغنياء وغالبية الشعب الأوزبكي الذي يزداد فقرًا يومًا بعد يوم بالرغم من الثروات الكبيرة التي تمتلكها الجمهورية.
ونشير هنا إلى العجب العجاب الذي تعيشه كل الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى« كازاخستان طاجيكستان تركمنستان أوزبكستان وقرغيزستان» وجمهورية أذربيجان في جنوب منطقة القوقاز، فكل هذه الجمهوريات حافظت على رؤسائها الذين قادوها منذ العهد الشيوعي على خلاف كل الجمهوريات المسيحية الأخرى «أوكرانيا وجورجيا وروسيا وأرمينيا.» والحديث اليوم عن توريث الحكم للأبناء كما حصل في أذربيجان، على الرغم من أن الجميع يتكلم عن «دول ديمقراطية» فيها تنافس ديمقراطي على السلطة.