; أوزبكستان - حملة كريموف الاستئصالية تقود إلى حرب أهلية | مجلة المجتمع

العنوان أوزبكستان - حملة كريموف الاستئصالية تقود إلى حرب أهلية

الكاتب أسامة عبدالحكيم

تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-2000

مشاهدات 63

نشر في العدد 1430

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 12-ديسمبر-2000

کریموف: سأطلق النار بنفسي على من تثبت إدانته

هستيريا الحكومة ضد الإسلام تعيد التذكير بهجمة ستالين على الأديان قبل ۷ عقود

مع زوال الاتحاد السوفييتي عام ١٩٩١م وإعلان جمهورية أوزبكستان استقلالها، لاحت في الأفق بوادر عودة الأوزبك، شأنهم في ذلك شأن الشعوب الإسلامية الأخرى إلى الجذور الدينية. 

فقد ارتفعت أعداد المساجد التي تم بناؤها على نفقة الأهالي من ۸۲ مسجدًا عام ١٩٨٩م إلى ما يقارب ۷۲۰۰، ولا تكاد توجد منطقة سكنية واحدة على كل الأراضي الأوزبكية دون مكان للصلاة وتم تشييد أكثر من مائة مدرسة ومعهد ديني خصص أكثر من نصفها للنساء، وارتفعت أعداد طلاب المعاهد الدينية أضعافًا عدة وتدفق سيل الكتب الدينية وجرت محاولات بناء أجهزة شرطة شعبية دينية لحماية المواطنين، ولوحظ إقبال الناس على التعليم الديني وانتشر الحجاب وتوجه آلاف الطلاب إلى جامعات الدول الإسلامية لدراسة العلوم الشرعية، وأطلق الرجال لحاهم في ظاهرة استوقفت الكثير من المراقبين. 

قام المسلمون الأوزبك ببناء مساجدهم على نفقتهم ومن تبرعات وصلتهم من هيئات خيرية ورجال أعمال من أصول أوزبكية يقيمون في الخارج، وقاموا بانتخاب أئمة لهذه المساجد خارج نطاق الإدارة الدينية التي لم يكونوا يثقون بها نظرًا لخلفيتها الشيوعية ومواقفها المعروفة من الدين بشكل عام. 

امتطت القيادة الأوزبكية الموجة في بداية الأمر واستغلت هذه الظاهرة في بناء نوع من الهوية الوطنية لتعزيز نفوذها في السلطة، وكان الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف يستشهد بالآيات القرآنية والنصوص الدينية في أحاديثه وخطبه، بل وفي أثناء اجتماع انتخابي جرى عام ١٩٩١م في إقليم نمنغان وعد بتحويل أوزبكستان إلى جمهورية إسلامية، وأكد أنه لن يدخر جهدًا لتحقيق ذلك وسيعمل على أن تتمتع العقيدة الإسلامية بمركزها المرموق الذي تستحقه، وبعد انتخابه رئيسًا أدى اليمين الدستورية على «المصحف».

 ولكن... ما إن ترسَّخت أقدام كريموف في الحكم حتى انقلب على «الإخوة الأعداء» معتبرًا أن المسلمين يشكلون تهديدًا للأمن والاستقرار في بلاده «وما مثال افغانستان عنَّا ببعيد» كما قام بإطلاق تحذيراته من أن الحديث عن دولة إسلامية في أوزبكستان يثير فزع «المنقذين الأوروبيين» وشن حملة اعتقالات شملت العديد من علماء الدين من غير التابعين للإدارة الدينية الحكومية، وتم إغلاق المئات من المساجد بذريعة أنها بنيت «لأهداف أخرى» وجرى تحويلها إلى مخازن كما كان الحال عليه خلال العهد الشيوعي، وقامت الإدارة الدينية بوضع يدها على ما يقرب من ٤٠٠٠ مسجد وتعيين «أئمة حكوميين» تابعين لها وصدرت الأوامر للماكينة الإعلامية الحكومية ببث الإشاعات ضد علماء الدين وتشويه صورهم واتهامهم بالتعصب والإرهاب والرجعية مستخدمة للنيل منهم كل مفردات القاموس الشيوعي البائد. 

ويشارك التلفاز الحكومي في الحملة الإعلامية المنظمة ضد ما يسميهم به المتعصبين الذين ينوون قلب النظام الدستوري في الدولة ويحذر السكان من شرور أعداء الداخل. 

كما شنَّت السلطات حملة على الحجاب بحجة أنه «عربي»، وأن لباس الرأس للنساء في أوزبكستان يختلف عن الحجاب بالمفهوم المتعارف عليه، وانضم المفتي الرسمي عبد الرشيد قاري بهراموف إلى الحملة ذاتها زاعمًا أن الحجاب هو سعودي وباكستاني وأن المتحجبة هي وهابية تسير أولًا ثم يختبئ خلفها الرجال!!.

كما طُلب من مسؤولي الحكم المحليين الإبلاغ عن أي نشاطات دينية يقوم بها السكان المحليون في مناطقهم مثل التردد المستمر على المساجد وإعفاء اللحى وتعليم الأبناء الدين الإسلامي في المنازل وتم إغلاق قسم العلوم الإسلامية في معهد الدراسات الشرقية وإلحاق منتسبيه بأقسام أخرى.

 وتمت مصادرة مكبرات الصوت من المساجد، ويتم اعتقال كل من يعفي لحيته ويجبر على حلقها في دوائر الشرطة إن كان يرجو السلامة وإلا فالسجن ينتظره، وهناك من يحلق لحيته ولكن صورته على البطاقات الرسمية كجواز السفر ما زالت تحمل اللحية، فيتم اعتقاله على أساس أنه أصولي متخفٍّ!!.

وهناك الكثير من المعتقلين متهمون بأنهم كانوا يترددون على المساجد خلال التسعينيات أو حتى الثمانينيات وتصنف هذه المساجد الآن على أنها معادية للحكومة، لذلك فكل من يتردد عليها يعتبر عدوًّا للحكومة يجب اعتقاله. 

وتم اعتقال أكثر من ٥٠٠٠ شخص سبق أن أدوا فريضة الحج في التسعينيات ليزيد عدد المعتقلين على مائة ألف مسلم. وتم إنشاء سجن جديد مخصص «للمتطرفين الدينيين الذين لا يمكن إصلاحهم». 

عدد من المعتقلين حوكموا بتهمة إعداد متفجرات والحقيقة أنهم مزارعون يحتفظون بأسمدة كيماوية أزوتية، ولما كانت هذه الأسمدة تعتبر مكونًا أساسيًّا للمتفجرات فهذا يعني حسب رأي الادعاء أنها محاولات لصنع المتفجرات ولتنفيذ عمليات إرهابية.

ووفق تقارير منظمات حقوق الإنسان فإن عددًا من المعتقلين يتعرضون لعمليات اغتصاب في السجون لتحطيم معنوياتهم.

 وشملت الحملة على «المتدينين» الفصل من العمل ومن المؤسسات التعليمية وكما تم عزل كل رؤساء المجلس البلدية الذين سبق أن منحوا تصريحات بناء المساجد وغضوا النظر عن نشاطات دينية في مناطقهم وإقصاء عدد من أعضاء المجلس الرئاسي لترددهم المستمر على المساجد، وتم حصر الاتصالات بالمؤسسات الدينية الخارجية والتشدد في منح تأشيرات الدخول لمواطني دول معروفة بنشاطها الخيري والدعوي، ووضعت كل نشاطاتها المصرفية تحت المراقبة الشديدة. 

كما قامت الحكومة باستدعاء أكثر من ثلاثة آلاف طالب كانوا يدرسون في الجامعات الإسلامية بحجة أنهم يتلقون دروسًا في التطرف والأصولية والإرهاب وأعلن الرئيس كريموف بنفسه أن هؤلاء الطلاب قد جرى «إفسادهم»، وتم تدريبهم على استعمال الأسلحة والمتفجرات في الدول التي درسوا فيها وأن عليهم الحضور إلى مراكز الشرطة وإعلان توبتهم وإلا فسينزل بهم وبآبائهم أشد العقوبات.

واشتدت الحملة الحكومية ضد الإسلاميين خاصة بعد التفجيرات التي شهدتها العاصمة طشقند عام ۱۹۹۹م والتي اتهم الرئيس كريموف الإسلاميين بتدبيرها.

معروف أن أحدًا لم يعلن مسؤوليته عن هذه الحوادث التي يشير المراقبون إلى أنها منشية جديدة هدفها تبرير الحملة ضد الأصوليين.

 رغم أن أوزبكستان جمهورية دستورية وأن حرية العقيدة مضمونة للجميع وفق الدستور وأن الدين منفصل عن الدولة، إلا أن السلطات الثلاث تكاد تكون مختزلة بيد الرئيس وحاشيته ولا تحترم الحكومة مبدأ الفصل هذا وتدس أنفها في كل شاردة وواردة تتعلق بأمور الدين والإسلام خاصة، وبما أن أوزبكستان دولة دستورية وديمقراطية فقد سن مجلس النواب الأوزبكي في 1 مايو ۱۹۹۸م قانونين يحددان النشاط الديني في الجمهورية. 

القانون الأول: صدر تحت عنوان «قانون حرية العقيدة والمنظمات الدينية» يراعي هذا القانون حرية العبادة ويضمن عدم الملاحقة الجنائية وحق تأسيس المدارس وتدريب علماء الدين، إلا أن هذا القانون قد نص على عدد من الممنوعات يحظر القيام بها، وأهمها عدم تعارض أي نشاط ديني مع الأمن الوطني، ومنع تدريس الدين في المناهج الدراسية، وحظر تأسيس أي مؤسسة دينية خاصة كالمدارس ودور النشر وكذلك منع التعليم الديني خارج نطاق المدارس المرخص لها من قبل الحكومة وعدم ارتداء أي ملابس دينية في الأماكن العامة لغير رجال الدين و عدم نشر أو توزيع أي مواد دينية دون الحصول على إذن مسبق، والأهم من ذلك نص القانون على ضرورة إعادة تسجيل المؤسسات الدينية وفق شروط جديدة تحت عنوان منع نشاط أي مؤسسة لا يتم عادة تسجيلها.

القانونالثاني: شمل تعديل بعض القوانين المدنية والجنائية المتعلقة بخرق القانون على أساس ديني، فعلى سبيل المثال يعاقب كل من يؤسس جماعة دينية يحظرها القانون، وكل من يقنع آخرين بالانضمام إلى جماعة دينية، وكل من يضم أحداثًا إلى جماعة دينية دون إذن والدهم وشمل القانون الجنائي وفق التعديل الجديد السجن لمدة أقلها خمس سنوات لكل من يؤسس مجموعة دينية خلافًا للقانون، أو يعيد نشاط مجموعة سبق حلها وكذلك السجن ثلاث سنوات لكل من يساهم في نشاط مثل هذه المجموعات والسجن حتى عشرين سنة ومصادرة الممتلكات لكل من ينضم إلى مجموعة دينية أصولية متطرفة انفصالية، أو أي مجموعة دينية محظورة أو يشارك في نشاطها. 

وكان المجلس النيابي قد وافق على منح لجنة شؤون الأديان التابعة لمجلس الوزراء صلاحيات واسعة تشمل الرقابة على الهيئات الدينية المحلية واعتبارها المؤسسة الاستشارية الوحيدة للشؤون الدينية في الجمهورية وحصر الجانب المعلوماتي المتعلق بالشؤون الدينية بها وحدها. 

ومن ضمن الصلاحيات الممنوحة لهذه اللجنة التنسيق مع الأقسام المختصة في جهاز المخابرات لمراقبة مضمون خطب الجمع ومصادر تمويل المساجد والعاملين بها وصلاحية طردهم في حال الاشتباه بمصادر التمويل وقامت الحكومة بإنشاء جهاز خاص مهمته مراقبة عدم تسرب أي مواد إعلامية دينية من الخارج.

 في الواقع فإن التهديد الذي تواجهه الحكومة هو تهديد داخلي بالأساس وليس خارجيًّا، وذلك نتيجة الأساليب التعسفية التي تنتهجها والتي تذكر بالأساليب التي اتبعها ستالين في حملته على الأديان قبل سبعة عقود، وإن ما تقوم به الحكومة لا يمكن وصفه إلا بالهستيريا على حد وصف مراقبي منظمات حقوق الإنسان في أوزبكستان.

 وتحاول الحكومة تبرير هذه الحملات التعسفية على أنها موجهة ضد الأصوليين والمتطرفين الذين يحاولون إسقاط الحكومة بالقوة وليست ضد المسلمين العاديين لذلك تقوم المؤسسات الحكومية المختصة بإصدار المطبوعات والكتب ذات الطابع الديني، وتمويل بعض بعثات الحج لكن الحقيقة أن هذه الحملات هي لمراقبة الحجيج من الاحتكاك بغيرهم من حجاج الدول الإسلامية الأخرى والأوزبك الذين غادروا في أثناء الحكم الشيوعي.

 لا يعير السكان في أوزبكستان الإجراءات الحكومية هذه أي اهتمام، ويعلمون حقيقة العلم أن التهم الموجهة إلى المعتقلين -محاولة تغيير النظام الدستوري القائم بالقوة- هي تهم ضبابية، لذلك فإن المحاكمات تتحول إلى محاكمات للنظام كما أن تشييع جثمان كل من يقضي نتيجة التعذيب يتحول إلى مظاهرات غضب ضد الحكومة. 

الرئيس كريموف صرَّح أمام أعضاء المجلس النيابي بأنه سيطلق النار بنفسه على كل من تثبت إدانته وما ينفك يتعهد بتخليص البلاد من الأصولية التي تهدد أمنها وبذلك يكون الرئيس الأوزبكي قد وضع نفسه طرفًا أساسيًّا في الصراع، والخوف الآن هو من بروز جيل جديد يسعى للانتقام من ظالميه نتيجة هذه السياسة الاستئصالية، وبالتالي تتضخم كرة الثلج وتنشب حرب أهلية، زرع النظام الحاكم بذورها. 

هذا الجيل بدأ يعبر عن نفسه عسكريًّا من خلال هجماته على العديد من المواقع الحكومية صيف هذا العام والعام الماضي فيما اعتبر عملية جس نبض عسكرية لتحديد مواقع ضعف النظام وقوته. 

يبقى الحل بالتعددية وسياسة الانفتاح على كل التيارات وخاصة ذات الثقل الشعبي.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل