; أوضاع المسلمين في يوغسلافيا | مجلة المجتمع

العنوان أوضاع المسلمين في يوغسلافيا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أغسطس-1976

مشاهدات 49

نشر في العدد 311

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 03-أغسطس-1976

فتح الأتراك يوغسلافيا عام ١٤٦٣ م وانتشر الإسلام في هذه البلاد بسرعة كبيرة.. وحكم الأتراك يوغسلافيا ٤٤٠ عاما. تعداد المسلمين في يوغسلافيا حوالي أربعة ملايين، أي أنهم يكونون خمس سكان يوغسلافيا نصفهم يعيشون في جمهورية البوسنة والهرسك والباقون مقسمون على باقي الجمهوريات- صربيا ومكدونيا والجبل الأسود.

كما يوجد بكل المدن اليوغسلافية خارج مناطق المسلمين مجموعات منهم نزحوا إلى هناك لأجل العمل والمعيشة. كانت هناك محاولات من النصارى قبل الثورة اليوغسلافية لدمج المسلمين في المجتمع اليوغسلافي، وإذابتهم بين الكاثوليك والأرثوذكس، ولكن الفشل كان حليفهم، لقوة عقيدة المسلمين ورفضهم للتنصر أو مخالطة النصارى في أي شأن من الشئون. وعندما جاءت الحرب العالمية الثانية وحرب التحرير ضد الألمان أبلى المسلمون بلاء حسنا حتى اقترنت أسماؤهم بالبطولات، وكانت غالبية الخسارة من جانبهم وفقدوا الكثير، وهدمت جميع المصانع والمنشآت بمناطقهم في أثناء الحرب، وشهد لهم بذلك جميع سكان يوغسلافيا من القوميات الأخرى لفدائيتهم وتفانيهم للدفاع عن وطنهم. لذلك فإن الحقوق التي نالوها الآن قد اشتروها بدمائهم.

 ولكن بعد الحرب لم يرتح المسيحيين لقوة المسلمين، وخافوا أن تقوى شوكتهم أكثر في عهد الاستغلال ويقوم لهم كيان لا يرضاه الصليبيون الحاقدون. لذلك دبروا المؤامرات للقضاء على القوى الإسلامية، وكانوا يهجمون على قرى المسلمين الآمنة بالليل ويبيدونها عن بكرة أبيها، بل كانوا يتفننون في النيل من المسلمين وتعذيبهم وتقتيل الأطفال والنساء، هذا والمسلمون لم يفيقوا على هذه المؤامرة إلا بعد فوات الأوان، فأخذ المسلمون يردون العدوان بالمثل ويهجمون على القرى المسيحية ويبيدونها، وعندها روع المسيحيون وخافوا، وخاف الشيوعيون من أن ينقلب الأمر لحرب حقيقية بين المسلمين والصليبيين ويفلت زمام الأمر من أيديهم، لذلك تدخل الشيوعيون من الجانبين، وهكذا هدأت الحالة نوعا ما، ولكن عندها كون جماعة المسلمين تنظيما كان قوامه الآلاف من الشباب المسلم وسموه تنظيم «الشباب المسلمين» ويقال إن الفضل في قيام هذا التنظيم كان يرجع للشيخ أمين الحسيني عليه رحمة الله. وكان هدف هذا التنظيم الأول إقامة حكم إسلامي في مناطق المسلمين. وعندما شعر الشيوعيون بوجود مثل هذا التنظيم خافوا وبثوا عيونهم ومخابراتهم لمتابعة نشاط هذا التنظيم ومعرفة قادته للقضاء عليهم.

وبعد أن استتب الأمن وآلت البلاد إلى أيدي الشيوعيين وتمكنوا من الحكم التفتوا على تنظيم الشبان المسلمين، وقتلوا عددًا كبيرًا من قادته ومثلوا بهم، كما أخذوا حوالي ألف شاب إلى السجون لمدة تتراوح ما بين ٥- ٢٠ سنة ولكن ثورة المسلمين لم تقف فخاف الشيوعيون من ذلك، فأعطوا المسلمين الحقوق التي كانوا يطالبون بها، واعترفت الحكومة الشيوعية بالحقوق القومية للمسلمين، وصار كل مسلم يحمل هوية مكتوب عليها أن قوميته وجنسه مسلم، كما اعترف لهم بتكوين طائفة دينية منفصلة عن الحكومة أعطيت لها كل الحريات اللازمة والصلاحيات لتنظيم شئون المسلمين ورعايتهم، وصار للمسلمين مجلسهم الإسلامي الأعلى وانتخب رئيس له، كما قام لكل قرية ومنطقة مجلس إسلامي يمثلها ويرعى شؤونها الدينية، وهذا النظام مستمر حتى الآن. هذا كما قامت مدرستين لتخريج أئمة المساجد.. واحدة منهما بسيراجيفو والأخرى ببرشتنه، هذا يعني الظروف ملائمة لكي يعيش المسلمون في يوغسلافيا حياة إسلامية وتنظم كل حياتهم وتدور حول صلاح عقيدتهم ودينهم، ولكن مع ذلك نجد أن الأمر غير ذلك، إذ إن الشيوعيين قد أعطوا المسلمين حريتهم بيد وأخذوها منهم باليد الثانية إذ إن الدولة هي المسيطرة والمسيرة لكل شيء من دور التعليم إلى الحياة الاقتصادية والمرافق جميعها، وهي التي تتحكم في أرزاق الجميع وتسيطر على عقولهم وبطونهم، ففي المدارس يلقن الأطفال الإلحاد والكفر ويدرسون الماركسية ويصورون لهم عدم جدوى الدين وأن الشيوعية هي المنقذ الوحيد لبني البشر، فتبلبل أفكار الشباب ويهيئون لهم الطريق الذي يقودهم إلى فساد الأخلاق والكفر وعدم الولاء لدينهم. هذا ويذهب أبناء المسلمين في وقت فراغهم إلى المسجد ليقوم الإمام بتعليمهم أصول دينهم ومبادئه ويسمى ذاك «بالمكتب» وهو المكان الذي يتعلم فيه أطفال المسلمين وشبابهم أمور دينهم ويتعلمون الصلاة وحفظ قليل من القرآن ويتخرج أئمة المساجد هؤلاء من المعهد الديني الثانوي، وهم في مكان الصدارة بالنسبة للمسلمين، لأنهم يمثلون جانب المعرفة والإلمام بالدين الإسلامي والشريعة والأحكام المختلفة، والمسلمون يحبون ويجلون علمائهم وأئمتهم ولكننا نجد أن الغالبية العظمي من هؤلاء الأئمة لا يقومون بواجبهم كما يجب وذلك من توعية وتبصير للمسلمين بأمور دينهم وتعليم أبنائهم والقيام بشئون المساجد ورعايتها، فكثير ما يصيب هؤلاء الأئمة الجشع ويكون همهم الأكبر الوصول إلى مطالبهم المادية أكثر من الرغبة في خدمة الإسلام ونصرته، خاصة وأن المسلمين هم الذين يدفعون لهؤلاء الأئمة أجورهم الشهرية ويهيئون لهم السكن وكل سبل الراحة وللأسف يستغل هؤلاء الأئمة جهل المسلمين وطيبتهم فيقصرون في واجباتهم وأداء مهمتهم الدينية وفي نفس الوقت يلاحقون المسلمين بطلب المزيد من المال والجاه، وهذا كله يرجع لسبب أساسي وهو أن هؤلاء الأئمة لم يذهبوا للدراسة في المعهد الإسلامي لحبهم للإسلام، ولكن لأن حلم الشباب هو أن يكون أحدهم في مكان الخوجة كما يسمونه، ليس لأجل الدين ولكن للمكانة الاجتماعية والحظوة التي يلقاها نتيجة لذلك وإنه يصبح الآمر الناهي لذلك نجد أن الأئمة هم أكثر المسلمين أبهة وفخفخة وحباً للدنيا ومظاهرها وكثير منهم تتنافى تصرفاتهم وأخلاقهم والمسلمون هنا عندهم مثل يقولونه «اسمع ما يقوله الخوجة ولكن لا تفعل مثلما يفعل».

 ومن ناحية أخرى فإن القائمين بأمر المعاهد الدينية لا يهتمون كثيرا بتربية هؤلاء الأئمة كما ينبغي لذلك نعتقد أنه لا بد أن يقوم بأمر مثل هذه المؤسسات العلمية عناصر إسلامية غيورة على دينها لتحمل أمانة توجيه هؤلاء الأئمة وصناعة الدعاة الغيورين المخلصين للإسلام.

أعود فأتحدث عن رئاسة المسلمين والتي هي مشكلة المسلمين الأولى والعقبة الكأداء التي يصطدم بها كل مسلم مخلص أو نشاط إسلامي مفيد، فالشيوعيون عندهم كثير من الطرق الملتوية ليكون رئيس العلماء من يريدون، وهو ذلك الشخص الذي عن طريقه ينفذون الكثير من رغباتهم ويبعد لهم كل العلماء المخلصين والدعاة الأقوياء ويعطل النشاطات الإسلامية المفيدة وذلك رغما عن الجبة التي يلبسها والأحمدية التي يحملها على رأسه. وللأسف أن حكوماتنا تتعامل مع أمثال هؤلاء على أساس أنهم يمثلون مصالح المسلمين ورغباتهم ولكن الواقع غير ذلك، فإن هؤلاء القادة هم الذين يضللون العالم الإسلامي وينقلون إليه حقائق مغلوطة وكذبا وتلفيقا عن أحوال المسلمين وما تعانيه مناطقهم من حرمان وإهمال وضيق في العيش.

 كما أنهم غير أمناء في وضع برنامج ثقافي تربوي جيد للمسلمين. كما يوجهون مجلاتهم وصحفهم الإسلامية في وجهة لا تخدم الإسلام في شيء بل على عكس ذلك تحسب هذه الصحف على المسلمين وليس فيها إلا الغث والتافه.

لذلك نحن نعتقد أنه لا بد من التركيز على العناصر الجيدة من أبناء المسلمين والاهتمام بتربيتهم وتوجيههم لتحمل أعباء العمل الإسلامي في المستقبل.. ولا بد أن نركز على هذه العناصر الجيدة لتنال قسطا أكبر من التعليم والدراسات العليا حتى نسد الكثير من النقص والفراغ في مجال العمل الإسلامي في يوغسلافيا. 

كما أحب أن أذكر الكلية الإسلامية لتي سوف تبدأ الدراسة فيها العام القادم وأهمية رصد كل ما يمكن من الوعي والنشاط لتوجيه هذه الكلية الوجهة الصحيحة وإلا سوف يكون ضررها أكثر من نفعها، لأن تخريج شباب ممسوخي الفكر، مزعزعي العقيدة لكي يقود سفينة المسلمين في بحر من الغرماء والمشكلات أمر يضر بالإسلام والمسلمين لذلك إننا نعتقد أنه لا بد من الاهتمام بالبرنامج والمنهج الذي سوف يدرس لهؤلاء الطلبة وأن يكون ذلك مناسبا والتحديات التي يقابلها المسلمون في هذا المجتمع، كما يجب العناية بالتربية والسلوك الأخلاقي.

وأهم شيء يجب الاهتمام به هو كادر التدريس الذي يقع عليه عبء تخريج الدعاة، فلا بد من الحصول على العلماء الأجلاء الأخيار من العالم الإسلامي للتدريس في هذه الكلية وذلك حتى يتم إعداد كادر للتدريس من أبناء البلد أنفسهم وأمامنا الآن فرصة لاختيار صفوة ممتازة من الشباب المسلم لكي يحضروا للدراسات العليا في جامعات الدول الإسلامية والغربية، ويجب أن نعد العدة للأخذ بزمام الموقف وعدم ترك الفرصة للشيوعيين لكي يزجوا بعملائهم ليخرجوا عقول الشباب ويخرجوا لنا شباب مزعزعي الفكر والعقيدة محسوبين على الإسلام.

 وإذا قارنا بين أحوال المسلمين في جمهوريات يوغسلافيا المختلفة نجد أن حالهم في جمهورية البوسنة والهرسك أحسن بكثير من أحوالهم في جمهوريتي مكدونيا والجبل الأسود. ففي مكدونيا هذه يوجد عدد كبير من الألبانيين الهاربين بدينهم من ألبانيا، وهم أكثر المسلمين تمسكا بعقيدتهم، ولكنهم وجدوا أن حال المسلمين في هذا الجزء من يوغسلافيا ليس أحسن بكثير من حال المسلمين بألبانيا، ولذلك بدأوا ينزحون من جديد لمناطق أخرى من يوغسلافيا أو خارجها، وذلك للاضطهاد والضغط الموجود في مكدونيا رغما عن أن نسبة المسلمين تشكل ٦٠% من مجموع السكان، ولكن حكام الجمهورية من البروتستنت «۳۰ %» لأن هؤلاء الأخيرين كلهم ممثلين في الحزب الشيوعي وهم الذين بيدهم السلطة، لذلك يضطهدون المسلمين ويضيقون عليهم، ويعملون على إزالة الإسلام من المجتمع ومن العقول، ويا له من حقد عندما تتحالف الصليبية والشيوعية ضد الإسلام. وقد قرأت مقالًا في إحدى الصحف قبل شهر مضى لأحد هؤلاء الحاقدين يدعو فيه لهدم مسجد شُيد حديثًا بإحدى القرى القريبة من مدينة أسكوبليا وهي قرية كونستانتس، يقول هذا الكافر: كيف يحق للمسلمين صرف الأموال الطائلة لبناء هذا الجامع وقريتهم في أمس الحاجة لمد مواسير المياه إلى المنازل وإنه لا توجد روضة للأطفال ولا مجاري لتصريف المياه؟ ويقول بدلًا من أن يتعاون هؤلاء المسلمون المتعصبون مع الحكومة لعمل المرافق التي تحتاج لها القرية يتبرعون بسخاء لبناء هذا الجامع «كانت صورة الجامع مرفقة مع الموضوع» ويطالب هذا الكافر السلطات بهدم هذا الجامع حتى يكون ذلك عظة يتعظ بها هؤلاء المسلمون الذين يبذرون الأموال فيما لا ينفع.

ورغمًا عن فقر المسلمين وعوزهم الشديد فهم يتبرعون بسخاء لإقامة بيوت الله وصيانتها، ويدفع كل مسلم شهريًا ما لا يقل عن ١٠٪ من دخلهم، وذلك حتى يضمنوا تعليم أطفالهم لأمور دينهم ومن يصلي بهم الجمعة والأعياد والتراويح.. ومن يصلي على موتاهم، بل ويشعروا بالطمأنينة للخوجة بجلبابه والأحمدية على رأسه وذلك الجامع الشامخ الذي يسمعون منه النداء.. الله أكبر.. الله أكبر. ومعظم المسلمين يشتغلون بالأعمال الحرة كالزراعة والرعي، وهؤلاء المسلمون بمكدونيا الذين يلتحقون بالأعمال الحكومية كعمال في المصانع أو كمهندسين وفنيين وغيرهم من ذوي المؤهلات يجب عليهم لكي يضمنوا هذه الوظيفة عدم الذهاب إلى المساجد والظهور في المناسبات الإسلامية، إن الحالة فعلًا تختلف عما يلاقيه إخوانهم المسلمون في ألبانيا حيث المواجهة والعداء السافر للإسلام علنيًا، فلا جوامع ولا شعائر تقام، أما هنا في مكدونيا فالجوامع مفتوحة والمسلم يعلن عن ديانته ولكن محظور عليه أداء الصلاة أو دخول المسجد إذا كان موظفًا حكوميًا وإلا فسوف يتعرض للاضطهاد فالطرد والجوع فالضياع، وإذا ألقينا نظرة على الجوامع فإنا نجد أن روادها من الشيوخ الكبار الذين تتراوح أعمارهم فوق الستين، لأن الشباب لا يعرف عن دينه شيئا، فالمناهج التي تدرس لهم في المدارس كلها تعمل على هدم العقيدة وبذر بذور الشك في العقول يضاف إلى ذلك دور البرامج الإذاعية والتلفزيون والتي تخدم اعتراض الشيوعيين الملاحدة، ومما يحز في القلب ويزيد الشباب بعدًا عن دينهم هو جهل العلماء هنا أو عمالتهم وتقربهم إلى السلطة وذلك ليضرب الإسلام بأيدي أبنائه وعلمائه والذين هم في مكان الصدارة بالنسبة للمسلمين، ففي حديث أذيع على شاشة التلفزيون لرئيس المسلمين بمكدونيا- بدري أفندي- خريج الجامع الأزهر الشريف بالقاهرة، يقول رئيس علماء المسلمين، إن الإسلام لا يدعوه لأن يذهب الأطفال والشباب إلى المساجد لأن ذلك سوف يعوضونه عندما يكبرون ويحالون للتقاعد ويكون عندهم فراغ أكبر، وأن واجبهم الآن هو الالتفات فقط إلى دروسهم العلمية التي ترفع من شأنهم وتساعدهم على تقدم البلد ونهضته. فإذا كان هذا رئيس المسلمين ومفتيهم وخريج الأزهر يقول مثل هذا القول فماذا إذًا قد بقي للشيوعيين فعله.. إن مثل هؤلاء العملاء قد كفوهم مئونة التصدي والتخريب داخل صفوف المسلمين. 

ولكن لله الحمد لا يزال هناك مسلمون يعيشون بتحد لكل ما هو حولهم سعيدين بإيمانهم بربهم ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 839

68

الثلاثاء 20-أكتوبر-1987

ثقافة : العدد 839

نشر في العدد 486

61

الثلاثاء 24-يونيو-1980

قراؤنا يكتبون (486)