العنوان أولويات العلمانيين
الكاتب محمد صلاح الدين
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أغسطس-1997
مشاهدات 72
نشر في العدد 1264
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 26-أغسطس-1997
لم يعد سرًّا حتى على عوام الناس أن تركيا تعيش منذ سنوات طويلة أزمة اقتصادية طاحنة، وتعاني أوضاعًا مالية مأساوية، يتخذها الاتحاد الأوروبي على الدوام ذريعة لرفض عضوية تركيا للسوق الأوروبية، ويكفي أن حملات الجيش على مليشيات حزب العمل الكردي في الجنوب تبتلع نصف الموازنة السنوية للبلاد.
وكان مخطط رئيس الوزراء التركي السابق نجم الدين أربكان أن يتوصل لحلول جذرية لنزيف المشكلة الكردية عبر قناتين احتواء المتمردين الأكراد من جهة بما يسميه أربكان إخوة الإسلام، ثم تحسين العلاقات وتوثيق الروابط مع دول الجوار الإسلامية سورية، وإيران والعراق التي تسكنها أقليات كردية على الحدود.
لكن تحالف القيادات العسكرية الإستراتيجي مع «إسرائيل» تحت المظلة الأمريكية يتناقض تمامًا مع مخطط أربكان بشقيه، فلابد من بقاء مشكلة الأكراد شوكة دامية في جنب تركيا. كما أنه لا مجال لعلاقات تعاون مع الأشقاء في دول الجوار؛ لأن ذلك كله ليس من مصلحة إسرائيل، ويظل الشعب التركي يدفع الثمن الباهظ بنصف ميزانيته؛ ليستمر تفوق وسيطرة «إسرائيل».
مشروع القيادات العسكرية الذي تتبناه اليوم الحكومة العلمانية لإلغاء مدارس تحفيظ القرآن وتخريج أئمة المساجد، يكلف تركيا مليارين ونصف المليار دولار؛ لأن الشريعة الإسلامية، كما زعم وورال صواش المدعي العام للمحكمة العليا في مرافعة قضائية رسمية لحل حزب الرفاه هي الخطر الأكبر الذي يهدد تركيا هذه الأيام.
كيف ستوفر حكومة مسعود يلماظ هذا المبلغ الضخم؟ ستتحمل ثلثه خزينة الدولة بطبيعة الحال، ويمول الثلث الثاني من ضريبة جديدة يدفعها الشعب التركي المسلم ويتم اقتراض الباقي من البنك الدولي بالفوائد الربوية.
وفي قرار مفاجئ صدر منذ أكثر من أسبوع أعلن البنك الدولي موافقة استثنائية عاجلة على مساعدة تركيا بمليار دولار دعمًا لما يسمى بمشروع تمديد التعليم الإلزامي لثمان سنوات، والذي يقضي بإغلاق مدارس الأئمة وتحفيظ القرآن، وهذا المبلغ جزء من مبلغ أضخم يدرس البنك تقديمه لتركيا لدعم ما يسمى ببرامجها الإستراتيجية في الصحة والإدارة والتعليم.
لقد صدر قرار البنك الدولي مع بداية مناقشة البرلمان التركي لمشروع تجديد التعليم، وفي قلب المظاهرات الشعبية الحاشدة المستنكرة للمشروع. مما يعتبر بوضوح تشجيعًا مباشرًا من الدول الكبرى المتحكمة في قرارات البنكلمخططات العسكر الأتراك لإلغاء التعليم الديني والمضي قدمًا في نهجهم العلماني المتطرف المعادي للإسلام.
وحتى أندية القمار وملاهي الليل وبؤر البغاء والفساد التي أفلح نجم الدين أربكان في إغلاقها بقرارات من البرلمان؛ ليوفر للشعب التركي عشرات البلايين من الدولارات التي تبتلعها هذه المفاسد والمافيا التي تديرها، يمكن أن يعيدها العلمانيون من جديد، تلك هي أولويات العسكر الأتراك وأشياعهم من العلمانيين مهما أضرت بالأمن القومي والاقتصاد الوطني والسلام الاجتماعي في البلاد وعلى افتراض استمرار الإسرائيليين والأمريكيين والمنظمات الدولية في مكافأة هذا النهج في محاربة الإسلام في تركيا لعزلها واحتوائها تمامًا في المعسكر الإسرائيلي المعادي لأشقائها وجيرانها من العرب والمسلمين، فإن الشعب التركي وحده هو الذي يدفع الثمن الباهظ لهذه السياسات المجنونة من أمنه ورخائه وقوت يومه ومستقبل ومصير بلاده.