العنوان أولو الألباب
الكاتب سلمان سعید
تاريخ النشر الثلاثاء 01-يونيو-1976
مشاهدات 80
نشر في العدد 302
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 01-يونيو-1976
أهم صفات أصحاب العقول الصحيحة الخالصة من شوائب النقص: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران:190، 191). الشاهد في هذه الآيات أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ في ارتفاعها واتساعها وتزيينها بزينة النجوم والكواكب، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ في انخفاضها وكثافتها وما فيها من البحار والجبال وأشجار وزروع وثمار ومنافع مختلفة الألوان، كما قال في آية أخرى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ﴾ (الذاريات: 20) الآية. ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: تعاقبهما بنظام ثابت من حيث طول الليل وقصر النهار، وطول النهار وقصر الليل، ثم يعتدلان. «لآيات» أي: لدلالات واضحة وبراهين بينة تدل على الخالق سبحانه وتعالى. ﴿لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: لأصحاب العقول الصحيحة الخالصة من شوائب النقص.
ثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾ أي: لا يقطعون ذكر الله في جميع أحوالهم، وهذه الصفة الأولى لأولي الألباب. وثبت في الصحيحين، عن عمران بن حصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب».
واعلم أن المراد من الذكر في الآية عمومه، وليس مقصورًا على الصلاة، وإنما هو بأنواعه الثلاثة التي ذكرها العلامة صديق حسن خان في تفسيره فتح البيان في مقاصد القرآن، فقال: «وقيل: الذكر يكون باللسان؛ وهو التسبيح والتحميد، ونحو ذلك من الأذكار المأثورة، ويكون بالقلب، وهو التفكر في الدلائل الدالة على وحدانية وبدائع خلقه، ويكون بالجوارح؛ وهو الاستغراق في الأعمال التي أمروا بها مثل الصلاة وسائر الطاعات التي الجوارح فيها فعل». المجلد الأول، ص٢٥٢.
سؤال: ما هو أثر الذكر في حياة الإنسان؟
قلت: إن الجواب الشافي لهذا السؤال هو حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه، مثل الحي والميت»، وقال أيضًا: «من قعد مقعدًا لم يذكر الله تعالى فيه، كانت عليه من الله تعالى ترة، ومن اضطجع مضجعًا لا يذكر الله تعالى فيه، كانت عليه من الله ترة» أي: نقص وتبعة وحسرة.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37) أي: أن فيما تقدم من سورة «ق»، أو ما في «القرآن» جملة واحدة لذكرى؛ أي تذكرة الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، الذين يحملون القلوب الحية والعقول الصحيحة الخالصة من شوائب النقص، أما الذين قلوبهم ميتة وعقولهم مهجرة، وفي آذانهم وقر، فلا يسمعون هذا القرآن، وإن سمعوه أو قرؤوه فهم لا يعقلون منه شيئًا؛ لأن القلب الميت الغافل أنى له أن يفقه كلام رب العالمين، وهو بعيد عن ذكره؟!
والمراد من القلب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ هو القلب الحي لقوله عز وجل: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (يس: 69، 70) الآية. وقيل: المراد بالقلب هنا العقل. قلت: لا تناقض بين القولين لارتباطهما معًا، فحيثما وجد القلب الحي وجد العقل الصحيح الخالص من شوائب النقص. انتهى.
فالذكر أثره عظيم؛ إذ يحيي الإنسان ويميزه عن سائر الحيوانات الأخرى.
كلمات في الذكر:
1- قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سبق المفردون»، قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات».
واعلم -يا أخي- أن ذكر الله في كل آونة وفي كل وقت هو للقلوب كالهواء للأبدان.
2- قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ذكر الله للإنسان كالماء للسمك، فانظر كيف يعيش السمك بعيدًا عن الماء، وأما الصفة الثانية لأولي الألباب هي: التفكر في آيات الله القرآنية والكونية؛ قال تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فجاء التفكر في مخلوقات الله تعالى وآياته الدالة على وحدانيته وقدرته وحكمته وعلمه بعد أن أحيا الله قلوبهم بذكره، فكان التفكر والتدبر والتمعن بعد هذا الاساس -ذكر الله- جدوى؛ إذ رجع أولي الألباب من التفكر بالانتفاع التام: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾... الانتفاع الذي به وصفوا ربهم بصفات الكمال كما أمر، ونزهوه عن النقائص التي لا تليق بجلاله سبحانه وتعالى. ولتوضيح ما قلت بأن الذكر أساس التفكر النافع، هو ما نسمع ونشاهد في حاضرنا أن علماء الغرب قد وصلوا إلى القمة في علوم الفلك والجيولوجيا؛ ولكن على الرغم من هذا المستوى الرفيع في هذه العلوم ما خرجوا بعدها بما خرج به الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات، من وصف ربهم بصفات الكمال وتنزيهه عن النقائص، بل ازدادوا كفرًا وجحودًا بالله تعالى. فنسأل الله أن يجعلنا من الذين قال فيهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (الأنفال: 2- 4).