العنوان ملوك الآخرة (37)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 06-فبراير-2010
مشاهدات 61
نشر في العدد 1888
نشر في الصفحة 56
السبت 06-فبراير-2010
أوهام وردود «1»
تناولنا في العدد الماضي الصفة الثانية عشرة من صفات عباد الرحمن، وهي ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (الفرقان: ٦٨)، وفي هذا العدد نناقش بعض الأوهام التي يعتمد عليها المجيزون لقتل المسلمين والردود عليها.
الواقع المُر
إن مما يؤلم، ويدمي القلب أن الذي قتل من المسلمين على أيدي المسلمين في الصومال، وأفغانستان، وباكستان، والجزائر، والعراق، ومصر، والشيشان، أضعاف أضعاف ما قتل على أيدي غير المسلمين من الأمريكان والروس وغيرهم، وما ذلك إلا بسبب الفكر الخاطئ المبني على اجتهادات، أو جهل بالدين ينطلقون من خلاله إلى تحليل دم المسلم، وجواز قتله، بل التمثيل به.
أبرز هذه الأوهام
لا شك أن هؤلاء الشباب المنتشرون في أصقاع العالم الإسلامي، ويقومون بعمليات التفجير، والنسف، وغيرها من الأمور، لقتل المسلمين بشكل مباشر أو قتل غير المسلمين ومعهم يموت الكثير من المسلمين، وفي كثير من الأحيان يموت من المسلمين أضعاف أضعاف غير المسلمين، في العملية الواحدة، وينطلقون مما يعتقدونه حقائق مسلمة، وفهم خاطئ، واجتهادات لا تطابق ما جاء به الإسلام وأمر به ومن أبرز هذه الأوهام التي يعتمدون عليها في قتلهم للمسلمين:
(1) كُفر الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله
هذه أبرز الأوهام عند المستحلين لدماء المسلمين، وقد تحدث عنها الكثير من العلماء المعاصرين، ويكفي نقل ما ذكره الشيخ رشيد رضا في «تفسير المنار» عندما سئل يرحمه الله أيجوز للمسلم المستخدم عند الإنجليز الحكم بالقوانين الإنجليزية، وفيها الحكم بغير ما أنزل الله؟
وأجاب يرحمه الله: هذا السؤال يتضمن مسائل من أكبر مشكلات هذا العصر، كحكم المؤلفين للقوانين وواضعيها لحكوماتهم، وحكم الحاكمين بها، والفرق بين دار الحرب ودار الإسلام فيها، وأننا نرى كثيرين من المسلمين المتدينين يعتقدون أن قضاة المحاكم الأهلية الذين يحكمون بالقانون كفار، أخذًا بظاهر قوله تعالى:
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: 44)، ويستلزم الحكم بتكفير القاضي الحاكم بالقانون تكفير الأمراء والسلاطين الواضعين للقانون، فإنهم وإن لم يكونوا الفوها بمعارفهم فإنها وضعت بإذنهم وهم الذين يولون الحكام ليحكموا بها ويقول القاضي من هؤلاء: أحكم باسم الملك أو الحاكم فلان، لأنني نائب عنه بإذنه، ويطلقون على الأمير لفظ «الشارع».
أما ظاهر الآية فلم يقل به أحد من أئمة الفقه المشهورين، بل لم يقل به أحد قط، فإن ظاهرها يتناول من لم يحكم بما أنزل الله مطلقًا سواء حكم بغير ما أنزل الله تعالى أم لا.
وهذا لا يكفره أحد من المسلمين، حتى الخوارج الذين يكفرون الفساق بالمعاصي ومنها الحكم بغير ما أنزل الله، وأختلف أهل السُنة في الآية، فذهب بعضهم إلى أنها خاصة باليهود وهو ما رواه سعيد بن منصور، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عباس قال: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة: 45)، ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: 47) في اليهود خاصة، وذهب بعضهم إلى أن الآية الأولى التي فيها الحكم بالكفر للمسلمين والثانية التي فيها الحكم بالظلم لليهود، والثالثة التي فيها الحكم بالفسق للنصارى، وهي ظاهر السياق.
وذهب بعضهم إلى أن الكفر هنا ورد بمعناه اللغوي للتغليظ لا معناه الشرعي الذي هو الخروج من الملة، واستدلوا بما رواه الحاكم وصححه، والبيهقي في السنن عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال في الكفر الواقع في إحدى الآيات الثلاث: إنه ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة، كفر دون كفر.
وذهب بعضهم إلى أن الكفر مشروط بشرط معروف من القواعد العامة، وهو أن من لم يحكم بما أنزل الله منكرًا له، أو راغبًا عنه لاعتقاده بأنه ظلم، مع علمه بأنه حكم الله أو نحو ذلك مما لا يجامع الإيمان والإذعان» (1).
فتكفير الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله، هو أحد المبررات الرئيسة التي يعتمدون عليها في استحلال دمه، ودم المؤيدين لحكمه، وخاصة الوزراء والقضاة والشرطة، وذهب بعضهم حتى موظفي الدولة، لأنهم رضوا بالحكم بغير ما أنزل الله، ولأنهم ينفذون هذا الحكم (۲).
(2) ما لا يتم الواجب إلا به
وهذه من الأوهام الأخرى التي يستدل بها بعض الشباب في إباحة قتل المسلمين.. يقول المستشار سالم البهنساوي يرحمه الله: «استدلوا بالقاعدة الفقهية: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، وقالوا: عزل الحاكم الظالم والباغي واجب، ولكن لا يتم هذا إلا بقتل من يحمونه أو قتل فئات الشعب الملتفة حوله في المحافل، ولهذا فمن الواجب عندهم قتل هؤلاء جميعًا توصلا إلى عزل الحاكم الباغي، أو قتله وهذا الاستدلال تشوبه عدة أخطاء، أظهرها:
1- ن هذه القاعدة هي مصطلح من وضع البشر وليس نصا في القرآن أو السُنة، وبالتالي فالاستناد إليها لا يكون في إباحة قتل بريء كما لا يأثم من خالفها.
2- إن مجال تطبيق هذه القاعدة قاصر على ما إذا كان مدلول الخطاب في القرآن أو السُنة يؤدي إلى الالتزام بهذا الشيء كواجب ضروري بوصفه جزءا من الواجب الأصلي، فالأمر بالتطهر للصلاة واجب بالقرآن والسُنة، ولكن لا يتم إلا بالبحث عن الماء، والعمل على توفيره، فصار توفير الماء واجبا هو الآخر (3).
3- إن من قال بهذا المصطلح لم يزعم أن حكم الواجب الأصلي هو ذات حكم الواجب الفرعي، فالزنا محرم بالقرآن والسُنة والنظرة الآثمة تؤدي إلى الزنا، وهي لذلك محرمة كذلك ولكن حكمها ليس هو حكم الزنى.
لهذا فإن كان الحكم الشرعي هو جواز قتل الحاكم المرتد، فإن هذا القتل ليس واجبًا بالنسبة للشعب الموجود أثناء المحفل، ولا بالنسبة للحراس».
*******
الهوامش
(1) تفسير المنار - لرشيد رضا 6/407، 406 – بتصرف، ط. دار المعرفة.
(2) للمزيد من التفصيل في هذه المسألة، يراجع كتاب: الحكم وقضية تكفير المسلم للمستشار سالم البهنساوي.
(۳) تفصيلات القاعدة في: المستصفى في علم الأصول للغزالي 1/71.
(4) الحكم وقضية تكفير المسلم - للبهنساوي ص ٣٧٠،٣٦٩، ط. دار البحوث.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل