العنوان أيامي في مصر (2 من 2)
الكاتب د. محمد بن موسى الشريف
تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2007
مشاهدات 62
نشر في العدد 1763
نشر في الصفحة 42
السبت 04-أغسطس-2007
■ الصحوة الإسلامية انطلقت منها .. وواقع البلاد يثبت أن المستقبل فيها للإسلام.
■ كيف تبقى مصر معتمدة في غذائها على فتات الغرب وفيها نيلها الجاري وهو نعمة الباري؟!
■ لا يليق بمصر ولا بمكانتها الرائدة في التاريخ والواقع المعاصر أن يسمح ببيع الخمر في أرضها الطاهرة.
لا أنسى أبدا أنني عندما زرت مصر سنة ١٣٩٢هـ/ ١٩٧٢م. وكانت زيارتي الثانية. لم أكد أرى فيها امرأة محجبة، ثم لما زرتها سنة ١٤٠٢هـ/ ١٩٨٢م دهشت للفارق الكبير، ثم توالت الزيارات إلى هذه السنة فإذا بأكثر نسائها محجبات على هيئات مختلفة من الحجاب فمنه المقبول ومنه المتهاون به المردود وهذا من تقادير الله العجيبة وتصاريفه المدهشة..
وهذا يجرني للحديث عن الصحوة الإسلامية التي كانت مصر فيها رائدة فقد أتى الله بالصحوة بنيان العلمانيين من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، وهدم الله كل مخططاتهم ومخططات سائر أعداء الإسلام بهذا النور الذي بزغ شيئاً فشيئاً بعد حرب رمضان سنة ١٣٩٣هـ / ۱۹۷۳م، واتسع نطاقه بعد ذلك ليعم بلاد المسلمين، بل أزعم أنه عم أكثر بلاد العالم بعد ذلك، ولهذا دلائل كثيرة وأحداث عزيزة أرجئ الحديث عنها إلى موضع آخر إن شاء الله تعالى، لكن إنما ذكرت هذا لأدلل على ريادة مصر الإسلامية في هذا الباب وفي غيره، كما أوردت في الحلقة السابقة.
ولا بد أن أذكر أن أهل الشر والباطل فيها قد تمكنوا طويلًا وباضوا وأفرخوا وقعَّدوا لضلال وعهر لا عهد للعالم الإسلامي به من قبل، لكن هذا حقه أن يطوى فلا يروى، لأن هذه الحلقات إنما هي لبث الأمل ونفي اليأس وليس لتفصيل أحوال أهل الشر والبأس، والعزاء أن تلك حقبة أخذة في الزوال، منذ أن سقط عبد الناصر، وأن شمس القوم أوشكت على الغروب، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.
الدين والعلم
وقد زرت في مصر قومًا من الصالحين العاملين، الذين هم عُمُدُها على الحقيقة، وهم أصحاب تلك الطريقة طريقة العمل والأمل، التي لا غنى عنها في زماننا هذا. وكان على رأس أولئك، وهو فيما أحسبه من خير من هنالك أستاذنا وسيدنا الأستاذ الدكتور عبد الستار فتح الله، وقد سعدت به زمانًا مشرفًا على رسالتي في الدكتوراه لما كان مقيمًا بمكة المكرمة مدرسًا في جامعة أم القرى، وله عندي أخبار كثيرة سارة جليلة أرجئها إلى موضع آخر، لكن الذي يحزنني كلما شرفت بزيارته في مصر أو تذكرته أن البلاد لم تعرف قدره، ولم تضعه في الموضع اللائق به وبخبرته فهو من بقية الأزهر القديم الذي يجمع كثير من علمائه بين الدين المتين والعلم الغزير والصراط القويم في دعوتهم الناس وتعليمهم، والدكتور عبد الستار واحد منهم وقد حوى بين جناحيه علمًا وخبرة وتجارب كانت مصر في أمس الحاجة إليها، لكن نحن في زمن عجيب وأخباره كثيرة كما قلت وسأسوقها في مكان آخر إن شاء الله تعالى، لكني رأيت من عزته ومتانة ديانته وقوة نفسه. وشرف خصاله ما أثلج صدري وأراح نفسي، وهو من القلة الذين إذا رأيتهم ذكرت الله تعالى، أحسبه كذلك والله حسيبه.
وممن زرت في مصر وسعدت به الأستاذ فاضل سليمان صاحب مؤسسة الجسور التي من مهمتها إيصال الإسلام إلى الغرب بطريقة حديثة علمية ورأيت في مصر إمام أهل السنة محمد المختار المهدي، وهذا لقب لكل رئيس للجمعية الشرعية في مصر، وللجمعية الشرعية قصة جليلة وعمل رائع، فهي تشرف على أكثر من ثلاثة آلاف مسجد ولها مجلة ناطقة بعملها، وأعمالها وجهدها لا يمكن التعريج عليه في عجالة كهذه لكني سمعت منه ما سرني وأفرحني ولله الحمد، وعلمت أن الله رجالًا في الأرض يقيم بهم دينه، ويعلي بهم رايته، وينتصر بهم من عدوه وعدوهم.
معرض الكتاب: ومما أحمده لمصر معرض كتابها الكبير فهو معرض ضخم يقام كل سنة، وقد زرته مرارًا، وهو جامع الملايين الكتب، ومن أهم ما أجمع عليه البائعون للكتب والمراقبون أن الكتاب الإسلامي هو المتصدر للكتب المباعة بل ليس بينه وبين الكتب الأخرى أفعل تفضيل وهذا من فضل الله تعالى علينا، وهو من أقوى الأدلة على تمكن الإسلام وثقافته من نفوس المصريين، وأن كل محاولات أعداء الإسلام في ذلك البلد الجليل للنيل منه مآلها إلى إخفاق واجتماعهم على كيده إلى فراق وعلاقتهم به إلى طلاق!! وأنقم من المعرض السماح ببيع الكتب المخالفة لعقيدة الإسلام وقيمه، وتلك الفوضى الضاربة في أنحائه. مما هو شأن الحياة اليومية في كثير من أرجاء مصر. وذلك الاختلاط المحرج بين الرجال والنساء في كثير من جنباته.
ولا يليق بمصر ولا بمكانتها الرائدة في التاريخ والواقع المعاصر أن يظل الخمر مسموحًا بيعه في أرضها الطاهرة فهي سبة وأي سبة وعار وأي عار. فهي أم الخبائث فلا يجوز أن تباع في أم الدنيا!! ولا يليق بمصر ومكانتها أن تبقى فيها أماكن المنكرات قبلة لكل عاهر وداعر فأرض عمرو بن العاص – رضي الله عنه – وأرض الصالحين تئن من هذا الحمل الثقيل والواقع المرير، فهل من تغيير؟!
خضرة دائمة
ولا يليق بمصر أن تبقى معتمدة في غذائها على فتات موائد الغرب وفيها نيلها الجاري، وهو نعمة الباري، وهو متعة الناظرين ونزهة النازلين عليها والمستوطنين، وقد سلكت الطريق الزراعي على النيل من القاهرة إلى الإسكندرية مراراً فلم أجد إلا نعمة ظاهرة، وخضرة دائمة، وبقرًا وغنمًا رائعة وحبوبًا وثمارًا يانعة، فهل بعد هذه النعمة نعمة؟ هذا ونيلها يجري في أرضها قرابة ستمائة وألف كيلو، والله حسبهم وهو نعم الوكيل، فهل يجوز بعد هذا أن يأخذوا من أحد شيئًا خاصة أن المساعدات الغربية مشفوعة بالذل محاطة بالهوان والشروط الذليلة ماثلة في الأذهان.
وقد جلست إلى أساتذة مصريين مهرة في العلوم، متقنين للتقنية يندبون أوضاع بلادهم، ويتمنون لو تتاح لهم الفرصة ليرفعوا من شأنها ويعلوا من قدرها لكن قد حيل بينهم وبين ذلك، ولا يمكنني تفصيل ما هنالك، هذا وعلماء مصر من أطباء وتقنيين ومهندسين وأصحاب العلوم الطبيعية قد غربوا وشرقوا، ولهم مآثر في بلاد الله ومفاخر.
ضوء بين ظلام: وأثني على قناة الناس، فهي ضوء بين ظلام قنوات كثيرة مصرية لا تجلب للبلاد إلا مزيدًا من الخراب، وزيادة في الهوان، وأكثرها مشبوه ضال، فاسق محتال يحتال ليجلب للناس التسلية وهي تسلية مخزية، لكن قناة الناس على قلة في إمكاناتها أثبتت أن أكثر أهل مصر متعطشون للإعلام الإسلامي راغبون فيه كارهون لغيره، وهذا أيضًا يثبت أن المستقبل للإسلام في تلك الأرض. وأثبت أيضًا أن أي قناة جادة يمكن أن تنجح بدون عري وموسيقى.
ومما أحمده لمصر وأعجب منه نزاهة كثير من قضاتها وجلال مواقفهم.
وأيضاً أحمد لمصر بعض الجرائد والمجلات التي أظهرت كلمة الحق وقارعت أهل الباطل، فلله الحمد والمنة والحديث عن مصر وأهلها لا ينتهي، لكن فيما ذكرت كفاية ومقنع، ولله الحمد والمنة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل