; أيام في الأندلس «٥» | مجلة المجتمع

العنوان أيام في الأندلس «٥»

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 03-نوفمبر-2007

مشاهدات 49

نشر في العدد 1775

نشر في الصفحة 38

السبت 03-نوفمبر-2007

(*) المشرف على موقع التاريخ

www.altareekh.com

«بنبلونة» عاصمة إقليم «نافار» التي كانت تحت إمرة المسلمين زمانًا طويلًا صارت اليوم مركزًا لحركة نصرانية كاثوليكية عنصرية.

التحرك النصراني في إسبانيا يرد على العلمانيين العرب الذين يزعمون أن أوروبا قد دعت الدين منذ زمن بعيد.

في أوروبا.. هُدمت أركان الأسرة وضاعت حقوق الرجال ففضلوا عدم الزواج هربًا من المسؤولية.

إن الله تبارك وتعالى تكفل للإنسان أنه إذا اتبع شريعته هداه إلى صراط مستقيم، فصحت تصوراته عن الكون والحياة، وصحت عقيدته، وسعد في دنياه وأخراه، وسهلت حياته، واتسقت مع سائر ما في الكون من قوانين إلهية وسنن ربانية.

وأما من خالف هذا كلًا أو جزءًا، فقد انقلبت حياته رأسًا على عقب، وصار يمشي في الحياة معاكسًا للسنن والفطرة الربانية، فاستحالت حياته جحيمًا يصلاه كل آن، ويتبين له سوء عواقبها في كل زمان ومكان.

انهيار الأسرة:

وإن مما رأيته في أوروبا عامة وفي رحلتي هذه إلى الأندلس ما يوضح هذا تمامًا، فالمرأة -على سبيل المثال- لما أعطيت حقوقًا ليست لها. وفُضلت على الرجال تمامًا ضاعت حقوق الرجال، وذلوا وهانوا حتى إن بعضهم اقترح جمعيات للمطالبة بحقوق الرجال، وانهدت أركان الأسرة حتى فضّل الرجال عدم الزواج، وصار الرجل والمرأة يجتمعان بدون عقد، ويأتيان بالأولاد الذين يلحقون بأبيهم تارة أو بأمهم أخرى، أو يجمع لهم اسم الأم والأب معًا مع أسمائهم الأولى!! وذلك الانصراف عن الزواج إنما هو بسبب المغالاة في صيانة حقوق المرأة المزعومة؛ بحيث إنه إذا طلقها الرجل طردته من شقته، واستولت على أكثر ماله، وحرمته من رؤية أولاده... إلى آخر منظومة الذل والهوان، ففضل الرجل العيش بدون عقد حتى يرتاح من تبعات العقد الذليلة.

ثم إنهم زهدوا في الأولاد، وهذا أدى بهم إلى احتياج للشعوب الأخرى ليسدوا خلتهم ويقضوا حاجتهم في ميادين العمل المختلفة.

ثم إن لكلا الزوجين أخدانًا وعشيقات، وكلاهما يعلم عن صاحبه ذلك لكنهم لا يأبهون، فتكون النتيجة أن الأولاد لا يعرفون آباءهم الحقيقيين، وهناك إحصائية رسمية في إسبانيا تبين أن عددًا كبيرًا من الأولاد ليست نسبتهم إلى آبائهم حقيقية. وقد عرفوا ذلك عن طريق حمض DNA . نسأل الله العافية والسلامة.

أما ترتيب الرجل في الأسرة فهو بعد المرأة والأولاد والكلب!! وهكذا إذا نوزع شرع الله وحل مكانه زبالات أفكار البشر فحدّث عن الهوان الذي يصيب الناس ولا حرج.

انتكاس الفطرة:

هذا الذي ذكرته، كان مثالًا واحدًا من عشرات الأمثلة التي توضح معنى من معاني قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾ «طه: ١٢٤، ١٢٥، ١٢٦».

ومما عجبت له أن عرفهم السائد أن الرجل يعطي راتبه لزوجته وهي تعطيه ما يحتاجه لتبغه. إذا كان يدخن -وللخمر الذي يشربونه مثلما نشرب نحن الماء، أما ما عدا ذلك فلا يكاد يحوز شيئًا، وفي هذا إذلال للرجل ومهانة وهوان، وإخلال بمهمته التي أناطها الله تعالى به، لكن الفطرة إذا انتكست وكست ونكست وجمعت ودمرت.

حركة نصرانية عنصرية:

وهناك في الأندلس إقليمان مهمان تاريخيًا: إقليم قشتالة ويسمى عندهم كتاليون، وإقليم نافار، وكان هذان الإقليمان مملكتين زمان الوجود الإسلامي في الأندلس، وهما اللتان تولتا كبر إخراج المسلمين من الأندلس، وقد حدثني الإخوان أن عاصمة إقليم نافار هي «بَنبلونة» هذه اليوم مشهورة، وقد كانت تحت إمرة المسلمين زمانًا طويلًا، وبنبلولة اليوم هي مركز لحركة نصرانية كاثوليكية عنصرية متعصبة قوية، تؤمن بأن النصرانية لا بد أن تدعم اليوم بأمرين: النفوذ والمال، ولذلك حازوا مصانع ومدارس وجامعة هي من أهم جامعات أوروبا ومن أقواها علميًا، وعندهم معهد لتخريج الرهبان وتصديرهم إلى إفريقيا وأمريكا الجنوبية، ولهم نفوذ قوي في الدولة، فمنهم «أزنار» اليميني المتعصب الذي كان رئيس وزراء إسبانيا، وساعد أمريكا وبريطانيا على غزو العراق، ومنهم وزراء لوزارات مهمة ووكلاء وزراء، وحركتهم النصرانية هذه من أقوى الحركات في أوروبا، وقد كان الدكتاتور الإسباني السابق الجنرال «فرانكو» هو من سائد هذه الحركة، لأنه كان يريد كسب الفاتيكان إلى جواره حتى يخرج من العزلة التي وجد نفسه فيها بعد الحرب العالمية الثانية، ففتح لهذه الحركة الأبواب وأعطاها كل ما أرادته، وهذا التحرك النصراني في إسبانيا يرد على العلمانيين العرب وغيرهم الذين يزعمون أن أوروبا قد ودعت الدين منذ زمن بعيد، فهذه الحركة ومثيلاتها في أوروبا تسعى بقوة لإعادة مجد النصرانية من جديد، نعم إنه لا سند شعبيًا لمثل هذه الأعمال، لكن هذا ما يحدث بين خواص في هذه الحركة وفي غيرها من الأحزاب النصرانية الحاكمة والمعارضة في بعض بلدان أوروبا.

ست عمليات: وقد حدثني الشيخ المصري الفاضل علاء سعيد إمام «مركز لوجرونيو» أنه عاش في «بنلبونة» هذه ثلاث سنوات، ووجد المدينة منصبغة بصبغة نصرانية متعصبة على إثر تمكن هذه الحركة من مقاليد الأمور فيها، وأن لهم مستشفى فاخرًا جدًا تعمل فيه ثلاثمائة ممرضة تطوعًا وهن أشبه براهبات منهن بممرضات، وأن أحد الإخوة المسلمين أصيب في حادث في مصنع حيث دخلت كلتا ذراعيه في آلة، واتفق الأطباء على وجوب بترهما، لكنه ذهب به إلى هذا المستشفى الذي أجرى له ست عمليات في شهرين فسلمت يداه بفضل الله تعالى ثم بمهارة أطباء هذا المستشفى، وقد زار الشيخ المريض في المستشفى، فلما رآه بكى بكاء شديدًا، وأخبره أن الممرضات عرضن عليه النصرانية مرارًا، فأعطاه الشيخ جهاز تسجيل وأشرطة قرآن فلما سمعن القرآن في غرفته تغيرت معاملتهن له إلى الأسوأ، هذا والصلبان وصور المسيح المزعومة في كل مكان في هذا المستشفى على وجه غير مألوف ولا مسبوق.

درس للعلمانيين العرب: ومن المعلوم أن هناك بعثًا للنصرانية في أمكنة كثيرة في الغرب اليوم كما يحصل في الطغمة اليمينية الأصولية الإنجيلية الحاكمة في أمريكا اليوم، وما يجري في إسبانيا والكثلكة فيها تحاول إعادة أمجادها من جديد على الوجه الذي ذكرت، وأيضًا هذا ظاهر في صيحات أوروبية على مستوى القارة تذكر بأن أوروبا ناد مسيحي، وعلى رأس هؤلاء ساركوزي المعارض بقوة دخول تركيا للاتحاد الأوروبي لهذا السبب، والفاتيكان بالطبع معارض أيضًا، وقبرص معارضة أيضًا، وميركل في ألمانيا معارضة بقوة، والنمسا معارضة، وهكذا القوم ابتدؤوا يتذكرون نصرانيتهم التي هجروها قرونًا، فهل يتذكر العلمانيون العرب دينهم فيعملوا من أجله ويكفوا عن توهماتهم الفاسدة وأقوالهم المريضة في قضية فصل الدين عن الدورة؟

الرابط المختصر :