; أيام في المغرب والأندلس | مجلة المجتمع

العنوان أيام في المغرب والأندلس

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 09-يوليو-2011

مشاهدات 60

نشر في العدد 1960

نشر في الصفحة 44

السبت 09-يوليو-2011

سافرت إلى المغرب للمشاركة في المؤتمر العالمي الأول لجهود خدمة القرآن الكريم الذي عقد في فاس

الأقواس العربية والبيوت القديمة وطرائق البناء التي تتميز بها المدينة تدل على عظمة حضارة الإسلام التي قامت هناك

العجيب أنهم بنوا كنيستهم الرئيسة على قواعد الجامع الطليطلي الكبير وأسوار الجامع هي أسوار الكاتدرائية

زرت طليطلة فجددت في الأحزان على ضياع الأندلس ففي كل زاوية منها وركن إشارات تذكرك بأمجاد المسلمين

قدمت المغرب في جمادى الأولى من سنة ١٤٣٢هـ/ أبريل ۲۰۱۱م، وذلك للمشاركة في المؤتمر العالمي الأول لجهود خدمة القرآن الكريم المنعقد في فاس، وهذا المؤتمر جامع كبير لكنه-في رأيي مزدحم أكثر مما ينبغي، فمن ذا الذي يستطيع أن يحيط بالجهود التي بذلت لخدمة القرآن الكريم في أربعة عشر قرنًا ؟! وقد جاءت أبحاث المؤتمر معبرة عن ذلك الازدحام فقد أعطي لأكثر الباحثين عشر دقائق وخمس عشرة دقيقة لإلقاء أبحاثهم !! وألغيت الأسئلة والمناقشات والتعقيبات في محورين من خمس محاور بسبب ضيق الوقت.

وهكذا تتكرر مشكلات المؤتمرات في هذا المؤتمر، ولما ناقشت القائم على المؤتمر ذكر لي بعض الأسباب التي حدت به إلى سلوك هذه الطريقة اقتنعت ببعضها ولم أرتض بعضها الآخر لكن حسب القائمين على هذا المؤتمر أنهم تجاوزوا المشكلات ببسماتهم ودفء عواطفهم ومشاعرهم وجمال تعاملهم، فلله درهم، وحسب المؤتمر أهمية أن يحضره رجال كبار وباحثون متميزون، وجزى الله القائمين عليه خيرًا.

خزانة المغرب

وقد جددت العهد بالأستاذ الكبير الداعية عبد السلام الهراس الذي رأيته على عادته بشوشا منطلقا في الحديث، وهو خزانة المغرب وذاكرته، وفي جعبته شيء كثير عن رجال عظماء كان لهم أثر كبير في المشرق والمغرب وقد دعوته لكتابة ذكرياته فعسى أن يستجيب. وقد عني بي في سفرتي هذه الأخوان الكريمان أحمد بن عطية ومحمد بن العربي أيما عناية، فقد أخذاني إلى «إيموزار وإفران»، وهما من المناطق الجميلة بجوار فاس، ثم أخذاني في سفر طويل مرهق لهما إلى «تطوان» وعادا في اليوم نفسه، وقد تعبا في ذلك أيما تعب، لكن أبي عليهما كرمهما ومروءتهما إلا إظهار الود والبشاشة على عادة أكثر المغاربة أينما تجدهم فجزاهما الله تعالى عني خير الجزاء.

دورات لمسلمي الأندلس

وقد سررت بشفشاون في طريقي إلى «تطوان» وجددت العهد بالأستاذ علي الريسوني الذي ذكرته في أكثر من موضع من قبل، وهو على صلة بمسلمي الأندلس الجدد ويعقد لهم الدورات في بيته الواسع الفريد في طرازه وهيئته، بل إنه يذهب إليهم إلى الأندلس ويعلمهم هنالك، وقد ساعده على ذلك إتقانه للأسبانية، ومعرفته بطبائع أهلها وخلطته بهم زمانا طويلا، وهو من أهل الكرم والمروءات، وربما استضاف الناس في بيته شهرا أو أقل أو أكثر، ويقدم لهم الفاخر من الطعام والشراب، ولا تجد في كل صنيعة تكلفا ولا ضجرا ولا إظهارا لتعب أو مشقة، على ما في هيئته وطريقة تعامله من وضوح وسهولة حتى إنك تكاد ترى براءة الأطفال الصغار في عينيه وطرائق حديثه وتعامله فلله دره. فأين مثله اليوم؟!

ولما وصلت «تطوان جددت العهد بالشيخ الفاضل العشبي أحمد بوزيان الذي أصر على أن أبيت عنده في بيته وأظهر من كرمه المعروف ومروءته التي تتناقلها الركبان شيئا كثيرا فجزاه الله خيرًا.

السفر إلى مدريد

ثم شددت الرحال إلى «طنجة» ومن مطارها سافرت إلى «مدريد»، لأمكث فيها ليلتين، وكان في استقبالي الأستاذ أحمد حسين المصري الذي استوطن أسبانيا منذ ثلاثين عامًا، والأستاذ أحمد العلمي المغربي التطواني الذي استوطن أسبانيا منذ ثنتي عشرة سنة، وكلاهما بذل جهدا في إكرامي وخدمتي فلا أنسى لهما ذلك، أما الأول فيعد من رؤساء الجالية المسلمة، وأخذني بسيارته إلى مسجدين لألقي فيهما محاضرتين، وسافر بي إلى «طليطلة»، وأتعب نفسه فجزاه الله خيرا، وأما الآخر فقد أكرمني غاية الإكرام أيضا وأنزلني في بيت أخيه، وكانت زوجه هي التي تعد الطعام والشراب فجزاهما الله خير الجزاء.

زيارة طليطلة

وأما زيارتي «طليطلة» فقد جددت في الأحزان على ضياع الأندلس، ففي كل زاوية منها وركن إشارات تذكرك بأمجاد المسلمين والعجيب أنهم بنوا كنيستهم الجامعة على قواعد الجامع الطليطلي الكبير، وأسوار الجامع هي أسوار الكاتدرائية، وزرت كنيسة صغيرة بنيت على قواعد مسجد، فإذا ولجت الكنيسة ساقك درج فيها إلى المنارة!! وساقك درج آخر إلى منطقة تحت أرض الكنيسة لتجد آثار الجامع واضحة كل الوضوح، ووجد القائمون على التنقيب عن المسجد رفات سبعين جثة !! واتفق الباحثون في الحضارة الإسلامية على أنها جثث أشخاص قتلوا في المسجد لما لجؤوا إليه أثناء اقتحام النصارى للمدينة؛ وذلك لأن المسلمين في الأندلس لم يكن من طرائقهم أن يدفنوا موتاهم في المساجد، والله أعلم. وقد مررت بمسجد آخر اكتشف في عمارة قديمة!!

حضارة الإسلام

أما الأقواس العربية والبيوت القديمة وطرائق البناء التي تتميز بها المدينة فلا تترك لامرئ أن يشك في عظمة حضارة الإسلام التي قامت في الأندلس، وتمثلت بأبيات الشاعر المصري الكبير محمود غنيم حين قال:

إني تذكرت والذكرى مؤرقة *** مجدا تليدا بأيدينا أضعناه

أني اتجهت إلى الإسلام في بلد *** تجده كالطير مقصوصا جناحاه

وقد أشار على الأخ أحمد حسين بزيارة هذه المدينة القديمة التي تمتاز بموقع عجيب على هضبة منيعة يحيط بها نهر من ثلاث جهات، وهي تستحق الزيارة لولا ما أجد في نفسي من مشاعر لا أستطيع وصفها تأبى علي أن أدخل في أي مكان كان للمسلمين فيه مجد قديم وعز تليد، لكن هذه المدينة لا تستطيع مقاومة إغراء المشي في أزقتها الضيقة التي لا يتسع بعضها إلا لمرور شخص واحد فقط وهي تدلك بكل زاوية منها وركن أن المسلمين هم الذين بنوها مهما حاول النصارى طمس معالمها الإسلامية، أو هدم ما استطاعوا من مبانيها العربية.

والمغاربة في أسبانيا كثر لكنهم يعانون من الأحوال الاقتصادية السيئة في أسبانيا هذه الأيام، والمساجد والمراكز الإسلامية لا تكاد تجد ما يسد حاجتها «مطلوب من المسلمين دعم هذه المساجد والمراكز الإسلامية في بلاد الغرب»، وهذا دفع بكثير من المغاربة للخروج من الأندلس بحثا عن الرزق في أماكن أخرى في أوروبا، كان الله في عونهم. وقد شددت الرحال من «مدريد» إلى «كوبنهاجن عاصمة الدانمرك للمشاركة في مؤتمر عقد فيها، ولم يكن لي رغبة في الذهاب إلى تلك البلاد بسبب ما حصل منها في قضية الصور المسيئة لكن الأستاذ علي الريسوني طلب مني أن أذهب إلى هنالك في السنة الفائتة، وذكر لي أهمية ذلك فلم أملك إلا أن أستجيب له لمنزلته في نفسي، ولذكر الدانمرك وما جرى فيها مكان آخر، والله الموفق.

(*) المشرف على موقع التاريخ www.altareekh.com

الرابط المختصر :