; أيام في الولايات المتحدة الأمريكية «سياتل» | مجلة المجتمع

العنوان أيام في الولايات المتحدة الأمريكية «سياتل»

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2013

مشاهدات 59

نشر في العدد 2055

نشر في الصفحة 44

السبت 01-يونيو-2013

  • سافرت إلى «سياتل» بواشنطن للتدرب على قيادة طائرتي «بوينج» اشترتهما الخطوط السعودية
  • ألقيت عدة محاضرات في عدد من المراكز الإسلامية بواشنطن وولايات أخرى
  • فتحت نقاشًا جادًا مع مجموعة من الطلبة السعوديين المبتعثين في عدد من المسائل وعلى رأسها قضية نقل التقنية إلى بلادنا وتوطينها فيها
  • أليس في الطلبة المسلمين من يشمر ويجتهد ويخترع ويكتشف ليقي بلاد الإسلام ذل وهوان التبعية للغرب في شؤون الحياة كلها من طعام وسلاح ودواء؟
طال العهد بأمريكا؛ إذ لم أتها منذ اثنتي عشرة سنة تقريبا، وذلك قبيل أحداث سبتمبر الشهيرة وجئتها هذه المرة أريد مدينة «سياتل» في ولاية واشنطن، وذلك لأن الخطوط السعودية اشترت طائرتين للبضائع، وأرادت من بعض الطيارين أن يتدربوا على قيادتها فكنت فيمن ذهب.

وأتيت في بداية الرحلة العاصمة واشنطن فمكثت فيها ثلاث ليال جددت العهد فيها بـ«دار الهجرة»، ذلك المركز الإسلامي الجميل النموذجي الذي أتيته مرارًا قبل الأحداث فخطبت فيه وحاضرت ولي فيه ذكريات جميلة، فأتيته هذه المرة فرحب بي القائمون على الدار ومنهم الأخ أبو عيسى مدير المركز والطبيب محمد حلمي، رئيس مجلس الإدارة وأخونا الفاضل شاكر السيد الأب الروحي للمركز، ود. أكرم الزند، والأستاذ أبو شرخ ورأيت منهم جميعا اللطف والعناية.

دروس ثلاثة

وقدموني في دروس ثلاثة ودعاني الأستاذ شاكر السيد إلى بيته لأفطر عنده مع جماعة من أصحابه، وكان على ما عهدته من كرم ولطف، وكذلك أولم لي د. أكرم الزند، فجزاهم الله تعالى خيرًا.

ورأيت في واشنطن بعض الطلبة السعوديين المبتعثين أو المرافقين لزوجاتهم المبتعثات، وجرى الحديث عن بعض المسائل التي تهم المبتعث وحضضتهم على أن يكونوا قدوات فيهتموا بأمر دينهم ويحافظوا على شرائعه وشعائره وألا يفرطوا فيه بوجه من الوجوه، وتحدثت معهم عن أهمية نقل التقنية إلى بلادنا وتوطينها فيها، وأجبتهم عن أسئلتهم، وقد أكرموني ورحبوا بي فجزاهم الله تعالى خيرا، وأخص بالشكر الأخ عيضة المطرفي، وإبراهيم السناني وغسان باتي.

مسجد الجامية

وكان مما قاله لي أحد المبتعثين السعوديين إنه صلى في مسجد للجامية صلاة الجمعة، فإذا بإمام المسجد المصري يكثر من التثريب على المجاهدين السوريين ويصفهم بالخوارج، ويصفهم بأنهم كلاب النار فإنا لله وإنا إليه راجعون، أفإن قام أهل سورية على طاغية الشام الذي حال بين الشعب ودينه، والشعب وقرآنه والشعب وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبطش هو وأبوه الهالك تلك البطشات المشهورات هو ونظامه. سرقوا الشعب السوري وأذلوه، وكانوا عملاء لليهود وعملاء لإيران و«حزب الله»، أفإن قام الشعب على هذا النظام يوصف بأنه خارجي، وأنه من كلاب النار؟! ما هذا التفكير السقيم ثم إن الأمر من ذلك والأدهى منه أن أولئك الجامية ينسبون هذا الفكر السقيم إلى السلف العظيم، وهم منه براء، هذا وقد صح عندي-أن «بشارا» ليس على دين الإسلام فخلعه واجب بإجماع المسلمين، فاللهم سلمنا من هذه الأفهام السقيمة المعوجة.

محاضرة بالمركز الإسلامي

وتحدثت في المركز الإسلامي بشارع السفارات، وهو مركز رسمي تقوم عليه وترعاه الدول الإسلامية خاصة المملكة وتحدثت باللغة الإنجليزية، وقد أوتيت شيئًا من القدرة على الحديث بها في المحاضرات لكني أكره ذلك ولا أفعله إلا إذا سألني القائمون على المركز أن أصنع ذلك وبينوا لي أهميته؛ وذلك لأني لا أنطلق في حديثي باللغة الإنجليزية انطلاقي في حديثي باللغة العربية، وأكره أن أتفكر في الكلام كيف أخرجه، وكيف آتي به سليما من الخلل، لكن لابد مما ليس منه بد وحاضرت بالإنجليزية أيضا في مركز إسلامي آخر، وختمت بذلك ما رأيته في مدرسة التدريب التابعة المصنع «بوينج» من تقدم هائل جعلني أتحسر على ما نحن فيه من تخلف تقني المحاضرات والدروس في واشنطن.

خطبة الجمعة: ثم إني ذهبت إلى ولاية بنسلفانيا المجاورة لواشنطن، وخطبت الجمعة في مسجد الهداية التابع للجمعية الإسلامية الأمريكية «mas»، وكانت الخطبة عن العزة وألقيت بالمسجد محاضرتين، وعني بي مدير المركز الشيخ نصر خطيب-وهو فلسطيني غاية العناية، ورحب بي أحسن ترحيب وأخذني من واشنطن بسيارته إلى فيلادلفيا وتلك ساعات ثلاث، وفعل بي كل ما يستطيع من إكرام فجزاه الله عني خيرًا.

والتقيت بالطلبة السعوديين المبتعثين وجرى حوار قريب من الحوار مع الطلبة في واشنطن وسررت بهم وبإكرامهم لي وعنايتهم بي وأخص بالذكر منهم الأخوين الكريمين عمر حبيب الله، ومحمد الزهراني فجزاهما الله تعالى خيرًا.

دورة تدريبية

ثم شددت الرحال من واشنطن إلى سياتل في رحلة طويلة، وذلك لحضور دورة الخطوط الجوية السعودية آنفة الذكر، فمكثت خمسة أيام، واجتمعت بالطلبة السعوديين في جامعة واشنطن هناك، وتكلمت معهم بأمور قريبة مما تكلمت مع الطلبة السعوديين في كل مكان حللت فيه، وأجبت عن أسئلة الطلبة العديدة، وجرى نقاش جاد قوي في عدد من المسائل، وعلى رأسها قضية نقل التقنية إلى بلادنا وتوطينها فيها، وحاضرت في مسجد سياتل أيضا.

تقدم هائل: لكن ما أهمني حقًا وأقلقني هو ما رأيته في مدرسة التدريب التابعة لمصنع «بوينج» من تقدم هائل، والطائرة التي أرسلت للتدريب عليها قد بلغت من التقنية المدهشة مبلغا جعلني أتحسر على ما نحن فيه من تخلف تقني، وفي حاجة للغرب والشرق في كل أمور حياتنا الدنيوية تقريبا، فنحن نكاد نكون عالة عليهم في كل شيء، وهذا الذي يجعلني أتحدث مع المبتعثين دائما في هذه القضايا الحيوية المهمة، وأريدهم دائما أن يتقنوا طرائق التقنية الحديثة وينقلوها إلى بلادنا لنكسر حلقة التخلف التي ندور فيها من أربعمائة سنة تقريبًا، وإنا لله وإنا إليه راجعون، أليس في الطلبة المسلمين الدارسين في الغرب من يشمر ويجتهد ويخترع ويكتشف ليقي بلاد الإسلام ذل وهوان التبعية للكفار في شؤون الحياة كلها من طعام، وسلاح، ودواء، ووسائل مواصلات واتصالات وأدوات البحث العلمي، ووسائل الترفيه والتحسينيات، والحاجيات إلى آخر ما هنالك من تبعية معلومة للقاصي والداني تورث المسلم المتفكر في شأن هذه الأمة ألوانًا من الحزن والقهر؟

وقد قام على راحتي ورعاية شؤوني الأخ بدر الدوسري، وهو طالب مبتعث من جامعة الملك عبد العزيز من قسم الدراسات الإسلامية، وكنت قد درسته مادة الحديث المستوى الثالث لما كنت أقوم بالتدريس في الجامعة قبل سبع سنوات، فجزاه الله تعالى خيرًا.

ولقيت الأخ فهد البشري وهو متزوج من ابنة أخت زوجتي، وقد جهد هو وزوجه في خدمتي وخدمة أم علي التي صاحبتني في سفري هذا فجزاهما الله تعالى خيرا.

زيارة سان أنطونيو

ثم شددت الرحال من سياتل إلى سان أنطونيو في ولاية تكساس فجئتها ليلا وكان لي فيها عدة محاضرات ودروس أيضًا، منها محاضرة بعنوان «ماذا قدم المسلمون للعالم؟»، وأوضحت أنهم قدموا العقيدة الصحيحة في وقت ضل فيه كل أهل الأرض وابتدأت بالحديث الصحيح: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا غيرات من أهل الكتاب»، ومعنى «غيرات» بقايا، وأوضحت أن المسلمين قدموا التصور الصحيح لعلاقة الدنيا بالآخرة، وأنهم قدموا قيم العدل والرحمة والمساواة وجعلوها عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى، وصنعوا للعالم حضارة رائعة سادت الدنيا ألف سنة من الزمان، وغير ذلك كثير مما قدموه للعالم ورحموه به من ضلال بعيد وظلم فاش.

مجمع إسلامي

 ولقد كانت المحاضرة والدروس في جامع جليل بل هو مجمع إسلامي متكامل فيه الجامع، وفيه المدرسة النظامية، وهو على مساحة كبيرة في موقع مهم، ويرأس المجمع ويؤم الناس في مسجده الشيخ د. يوسف سعيد الأردني الذي سخر جهده الإدارة المجمع على وجه حسن جدا-أحسبه كذلك-وقد أعجبتني طريقته في توجيه الناس وإرشادهم قبل الصلاة وبعدها وفي المحاضرات والدروس، ويمتد أثره إلى الصبيان والغلمان فيوجههم على رؤوس الأشهاد قبل الصلاة وبعدها، وينبههم على كيفية الاصطفاف للصلاة، وكيف يذكرون الله تعالى عقب الصلاة، وفي الدروس التي القيتها كان يحرص على البقاء في الجامع في الصف الأخير ليتمكن من استيعاب الجامع نظرا وإشرافا، وله دروس متعددة آناء الليل وأطراف النهار في أيام الأسبوع كلها، فلا جرم أن تعلق الناس به وأحبوه وأجلوه، ولقد دعاني إلى بيته لطعام الإفطار مع بعض الطلاب السعوديين فجزاه الله خيرا.

عزة المسلم

وقد خطبت الجمعة في جامعه، وكانت الخطبة تدور حول عزة المسلم وآثار تلك العزة في العمل والسلوك.

والتقيت ببعض الطلبة السعوديين المبتعثين في صالة ملحقة بمطعم القدس وكلمتهم بنحو ما كلمت به الطلبة من قبل وكان لقاء جيدا جرت فيه مناقشات مفيدة.

 ولقد قام بتفقد شؤوني إخوة فضلاء منهم الأخ علي القرني، والأخ ماجد الغامدي وأخص بالشكر الأخ عبد الله الأحمري، فقد أتعب نفسه في سبيل راحتي، فجزاه الله خيرًا.

محطة أخيرة

ثم شددت الرحال إلى محطتي الأخيرة في أمريكا وكانت إلى شيكاغو، وسعدت بزيارة مركز إسلامي يقوم عليه الشيخ الأردني أمين العلي، وتحدثت في المسجد في موضوع «أثر المرء في دنياه».

وزرت أيضا مؤسسة الجامع وهو مرکز شهير يقوم عليه الشيخ جمال سعيد الأردني، وهو أخ أكبر للشيخ يوسف سعيد الذي ذكرت آنفًا أني جئت جامعه في سان أنطونيو، ومؤسسة الجامع هذه مؤسسة ضخمة فيها جامع كبير ومدرستان نظاميتان وصالات للمحاضرات، والشيخ جمال له من العمل الجيد في المسجد شيء يقارب عمل أخيه في مركز سان أنطونيو، وطريقتهما في إدارة الجامع متقاربة، وقد درس في جامعة الإمام في الرياض، وجاء أمريكا منذ أكثر من ثلاثين عاما، وجاء بتوجيه المشايخ ورغبتهم فكان له أثر جيد، أحسبه كذلك والله تعالى حسيبه.

مناقشات مفيدة

وكان لي في شيكاغو لقاء ببعض الطلبة السعوديين المبتعثين وكان لقاء حسنا جرت فيه مناقشات مفيدة، وقد حضر في أثناء اللقاء طبيب عيون سعودي اسمه وليد الطويرقي، وشاركني في بعض التوجيهات والإرشادات، فجزاه الله خيرا، وقد قدم إلى أمريكا لتفقد شؤون ولده الذي يدرس الطب هناك.

ومما آلمني حال كثير من المبتعثين من الطلاب والطالبات، فقد سمعت من الطلبة السعوديين الذين لقيتهم وبعض المشايخ غير السعوديين أخبارا لا تسر، ولا أدري لماذا نبعث الطلاب دون عناية جادة باختيار الجيدين منهم خلقا وعلما، لأن هؤلاء سفراء لدينهم ودولتهم شئنا أو أبينا، فإن كانوا على الحالة التي ذكرت لي فلا يصح أن يبتعثوا إلى ديار الغرب؛ ففي ذلك تضييع لدينهم وأخلاقهم، وفيه مس كبير بسمعتنا في ديار الكافرين.

ولقد قام على شؤوني طلاب أخيار منهم الأخ أحمد القرني، وعيسى الحازمي فجزاهما الله تعالى خيرا ونفع بهما وبسائر المبتعثين بفضله ومنه.

وبقيت ليلتين في شيكاغو ثم شددت الرحال إلى الوطن حامدا الله تعالى على ما يسره لي من أمور هذه الزيارة التي استغرقت خمسة عشر يومًا.

الرابط المختصر :