; أيام في تطوان | مجلة المجتمع

العنوان أيام في تطوان

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 17-نوفمبر-2007

مشاهدات 78

نشر في العدد 1777

نشر في الصفحة 42

السبت 17-نوفمبر-2007

(*) المشرف على موقع التاريخ www.altareekh.com

جامع الحسن الثاني الذي بني على شاطئ البحر.. به زخرفة مبالغ فيها وإسراف وتبذير

أهل المغرب تعودوا على قراءة حزب من القرآن بشكل جماعي عقب صلاتي الفجر والمغرب ليختموا القرآن شهريًا

أتيت المغرب في شوال من سن ١٤٢٨ هـ / أكتوبر ۲۰۰۷م من أجل المشاركة في مؤتمر للإعجاز بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان، وقد استقبلني في المطار الأخ الكريم عبد الجليل الآبار - أو لبار، كما ينطقونها على عادة المغاربة في تخفيف الهمزة - استقبالًا حافلًا كريمًا، وأخذني إلى بيته، وكان معي زوجتي أم علي حفظها الله، وأكرمني غاية الإكرام ورقدت عنده ليلة واحدة.

وهذا الأخ تاجر له مصنع حديد لكن الله تعالى وفقه لحفظ القرآن الكريم. وأتى بأحد أصحابه ممن يتقنون البلاغة العربية ويدرسونها ليدرسه إياها على مدار ثلاث سنوات، في كل أسبوع ساعتان حتى صار لديه ملكة في البلاغة العربية خاصة بلاغة القرآن، وقد تحدثنا طويلًا معًا عن هذه القضية وضرب لي من الأمثال عليها من القرآن عددًا وافرًا، ثم شرحها شرحًا ينم عن فهمه وتذوقه، جزاه الله خيرًا، وليت إخواننا التجار يقتدون بصنيعه فيدرسون القرآن ويستفيدون من الزمان.

وقبل الفجر ذهب بي إلى جامع الحسن الثاني الذي بني على شاطئ البحر، وهو من أضخم جوامع العالم مساحة وطولًا في البنيان وزخرفة، وقد بني على هيئة مغربية صرفة، وهذا المال الهائل الذي صرف في زخرفة المسجد كان ينبغي أن يصرف في غير ذلك وذلك أن من مقاصد الإسلام العظام صرف القلب والبصر إلى العناية التامة بالعبادة، وهذه الزخرفة على هذا الوجه المبالغ فيه تصرف البصر والقلب وربما العقل أيضًا عن العناية بالعبادة والإقبال عليها، هذا على ما فيها من إسراف وتبذير ولهذا -والله أعلم- نهى عنها الشارع المطهر. 

صلى بنا إمام الجامع الفجر وقرأ برواية ورش جريًا على سنة المغاربة في القراءة، ثم بعد الفراغ من الصلاة والأذكار التي كانت جماعية ابتدأ الإمام وبعض المصلين وردهم اليومي الذي هو حزب من القرآن بعد الفجر وآخر بعد المغرب، يقرؤونه جماعة فيختمون القرآن مرة كل شهر ولهم وقفات محددة يقفون عليها توارثوها كابرًا عن كابر، ويراعونها على وجه دقيق غريب وهذه الطريقة حكم عليها بعض العلماء بأنها بدعة، وأرى. والله أعلم. أنها ليست بدعة للأسباب التالية:

أولًا: أنها تحفظ على كثير من الناس حفظهم، وتشجع الآخرين على الحفظ. وهذا مشاهد ملحوظ، ولقد مر المغرب بأوقات عصيبة أيام «الاستخراب الفرنسي» لكن هذه الطريقة لم يكن لهم عليها سلطان وكثير من الناس يحفظ بهذه الطريقة.

ثانيًا: أن القرآن يتلى عندهم على وجه التعليم لأن هناك أناسًا يسمعون فيستفيدون، وما كان على وجه التعليم؛ لا يقال عنه إنه بدعة، وذلك نحو ما يعرف عندنا في المشرق بالمصحف المعلم، لكن أتمنى من إخواننا القراء هؤلاء أن يعنوا بالتجويد، وذلك لأنهم يقرؤونه سردًا بلا عناية بقواعد الترتيل، وفي هذا شيء من الإخلال.

ثم بعد الإفطار سافرنا إلى تطوان مع صهر الأستاذ عبد الجليل، وكانت مسافة طويلة تقارب الأربعمائة كيلومترًا، والطريق لا يسمح فيها بالسرعة ولو معتدلة، وهي طرق غير مهيئة لذلك. 

ومررت في طريقي إلى تطوان قريبًا من مدينة العرائش ومدينة القصر الكبير، وعلى مقربة منها جرت معركة وادي المخازن، وهي معركة شهيرة فاصلة في تاريخ المغرب بل شمال إفريقيا كله، وقد جرت بين سلطان الدولة السعدية في المغرب عبد المالك السعدي وبين البرتغاليين والإسبان، ويعاونهم عدد من فرسان أوروبا الصليبية من إيطاليا وألمانيا وغيرها، وجاء ملك البرتغال «سباستيان» على رأس جيش كبير يزيد على 40 ألف مقاتل - وأوصلته بعض التقديرات إلى أكثر من ضعف هذا العدد - وكان الذي حرض الأوروبيين على المجيء إلى المغرب وقاتل معهم هو ابن أخ السلطان السعدي الذي كان سلطانًا وطرده عمه بمساعدة العثمانيين بسبب قسوته وإتيانه المنكرات، وهو المتوكل السعدي، وأقبل البرتغاليون والأسبان من ميناء لشبونة واحتلوا مدينة أصيلة، ووجدوا أن جيش عبد المالك قليل جدًا. وكانت هذه خطة مبيتة لإغرائهم بالتوغل في الصحراء. فتوغلوا في الصحراء حتى وصلوا نهر اللوكوس، فعبروا النهر إلى وادي المخازن، فهدم المسلمون الجسر حتى يقطعوا على الكفار طريق العودة لو هزموا، وجرت معركة شديدة بقيت تدور رحاها أكثر من أربع ساعات، وكان السلطان عبد المالك آنذاك مريضًا جدًا وقيل إنه سم، وأوصى أتباعه إن مات أن يكتموا أمره حتى تظهر نتيجة المعركة. وابتدأت بشائر النصر تلوح في سماء المسلمين، وهرب البرتغاليون فلم يجدوا الجسر فسقطوا في النهر وغرق كثير منهم بسبب ثقل الحديد الذي على أجسادهم وكان منهم ملكهم المغرور سباستيان وهرب منهم قسم في البحر فأسرت منهم سفن القوات العثمانية التي كانت في الجزائر خمسمائة ونصر الله المسلمين نصرًا مؤزرًا على البرتغاليين المغرورين الذين قدموا إلى المغرب بالصلبان التي سيعلقونها في المساجد المغربية الكبيرة في فاس ومراكش!! بل وضعوا تصميمات لتحويل قبلة جامع القرويين إلى مذبح كنسي!! وكان معهم بعض النساء البرتغاليات من الطبقة التي تدعى بالراقية، ومعهم بعض البرتغاليين ممن يرتدي الثياب المزركشة وكأنهم ذاهبون إلى حفلة!! وسميت المعركة بمعركة الملوك الثلاثة عبد المالك السعدي والخائن المتوكل السعدي الذي نزع من العرش، وسباستيان، وقتلوا جميعهم ولم يبق من بيت الملك سباستيان إلا واحد، فاستغل فيليب الثاني ملك إسبانيا الفرصة وضم البرتغال إلى تاجه، هذا وقد جرت المعركة في جمادى الأولى سنة ٩٨٦ هـ / ٤ أغسطس ١٥٧٨ م. فاللهم لك الحمد على هذا النصر الكبير الذي سلمت فيه المغرب بل الدول المجاورة له وبقي الإسلام وحطمت الصلبان.

ثم مررت بطنجة فتطوان التي وصلتها بين العشاءين يوم السبت وذهبت مباشرة إلى المؤتمر الذي كان قد ابتدأ يوم الجمعة. وعقد في جامعة عبد المالك السعدي وهو السلطان المغربي البطل الذي انتصر على البرتغاليين كما بينت أنفًا، وهي جامعة علمية طبيعية صرفة ليس فيها علوم إدارية أو أدبية أو شرعية، والحضور قد وزع على قاعات ثلاث لضخامة عدده، ولله الحمد.

فقدمت لإلقاء كلمة المحاضرين من الأساتذة الضيوف، وكنا مجموعة؛ العبد الفقير، وخمسة من مصر، منهم الأستاذ الدكتور زغلول النجار حفظه الله ونفع به. فأثنيت على المؤتمر خيرًا، وقلت فيما قلت إن الإعجاز أمره مهم في هذا العصر. والإعجاز العلمي خاصة هو سلاح بين أيدينا، وإن عقد المؤتمرات حول الإعجاز يعمق اليقين والإيمان في نفوس المسلمين وطريق إلى دعوة غير المسلمين، وأثنيت على السلطان عبد المالك السعدي الذي سميت الجامعة باسمه رحمه الله تعالى، وبينت للحضور عمله وجهاده واستشهاده.

وكان الحضور في القاعة الأخرى قد ألحوا على أن أحضر إليهم على أنهم يرونني في الشاشة لكنهم أبوا إلا الرؤية الحقيقية فجئتهم وقلت لهم نحوًا مما قلته آنفًا وزدت عليه أن حثثتهم على الدعوة إلى الله تعالى. وبينت لهم أن الصحوة في العالم العربي قامت على أكتاف طلاب العلوم والهندسة والطب وليس على جهود طلاب الشريعة التي كانت ضئيلة نسبيًا، وهذه حقيقة معروفة، وبينت لهم أهمية أن يكملوا عمل أسلافهم، وأن يجتهدوا في إيصال الحقائق العلمية في كتاب الله تعالى للمسلمين ولغيرهم... نستكمل الحديث العدد القادم بإذن الله.

الرابط المختصر :