; أيام في.. تونس بعد الثورة | مجلة المجتمع

العنوان أيام في.. تونس بعد الثورة

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 15-أكتوبر-2011

مشاهدات 68

نشر في العدد 1973

نشر في الصفحة 20

السبت 15-أكتوبر-2011

  • لم يكن يدور في خلدي أن أعود لزيارة تونس بعد صدمتي العنيفة عندما زرتها عام ١٩٩٥م
  • ذهبت بدعوة من عدة جمعيات قرآنية لإلقاء محاضرات فلم أترك مدينة مهمة إلا زرتها.
  • فوجئت بدعوات لاعتزال الانتخابات من قبل الجماعات السلفية خاصة فقلت لهم: إن ذلك ينتج عنه تسليم البلد لحزب «فرنسا».
  • الشعب التونسي متعطش للدين ولن يقبل إلا الإسلام حاكمًا له ومهيمنا على القوانين والأنظمة.

لم يكن يدور في خلدي، ولم أتوقع من حوادث دهري أني سأعود إلى تونس مرة أخرى بعد أن زرتها سنة ١٤١٥هـ/ ١٩٩٥م، تلك الزيارة التي كانت صادمة لي صدمة عنيفة، وقد تحدثت عنها في الحلقة الأولى التي نشرتها مجلة «المجتمع» ثم رد عليها السفير التونسي في الكويت، ثم رددت عليه، لكن الله تعالى قضى بإزاحة نظام الطاغية المخلوع وأراح منه البلاد والعباد، فعدت إلى تونس هذه السنة ١٤٣٢هـ / ٢٠١١م بين العيدين، فرأيت البلاد غير البلاد، والناس غير الناس، ولله الحمد والمنة.

وليست بي حاجة أن أذكر المآسي التي حدثت في تونس زمن الطاغية المخلوع فحسبي أني ذكرتها في حلقتين قبل هذه لكن لابد من القول: إن ما سمعته هذه المرة يفوق كل ما سجلته من قبل، وأني لم أكن أعرف من بئر الماسي إلا غطاءها، ولم أكن أدرك من الأخبار إلا أطرافها، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولولا أن سياق الحديث في البشائر لذكرت للقراء ما تبكي منه العيون وتنفطر لسماعه القلوب.

زيارات عديدة

وقد جئت تونس بدعوة من عدة جمعيات قرآنية لإلقاء محاضرات، فلم أترك مدينة مهمة إلا جئتها بفضل الله تعالى على قِصر إقامتي في البلاد؛ إذ مكثت ثمانية أيام - فزرت تونس العاصمة وجزيرة جربة وسوسة والقيروان والمنستير والحمامات وقابس، وصفاقس، ومساكن، وفي كل المدن -تقريبًا- ألقيت محاضرات تحدثت فيها عن تونس بعد الثورة، وشروط التمكين، ووجوب المشاركة في انتخابات المجلس التأسيسي القادمة، وأهمية التعاون والتنسيق بين الاتجاهات الإسلامية المختلفة، وتاريخ تونس الإسلامي وثراء ثقافتها وعظمة علمائها ومجاهديها، وغير ذلك من الموضوعات وإليكم بعض ما جرى في تلك الزيارة

أولًا: حال المساجد:

كان الرئيس المخلوع وزبانيته قد وصل بهم الطغيان إلى حد إغلاق بعض المساجد وتعطيل بعضها الآخر بمنع الدروس والمحاضرات وحلقات القرآن عنها، وتكبيل أئمتها، وتكميم أفواههم، وكتابة نصوص خطبهم، وترهيبهم، فلما جئت تونس هذه السنة وجدت المساجد قد عاد إليها بهجتها وبهاؤها وهيبتها - خاصة الجوامع العظام العتيقة - وفتحت أبوابها للدروس والمحاضرات وحلقات تحفيظ القرآن، وقد شرفت بالحديث فيها وخطبة الجمعة، فرأيت اجتماع آلاف الناس فيها في تغيير تاريخي مدهش، فسبحان مغير الأحوال، ومن أعجب ما حصل لي أني قدمت لإلقاء درس في جامع الزيتونة العتيق، وهذا كان مستحيلًا على من هو من خارج تونس في الزمن الغابر، بل كان ممنوعًا على علماء تونس العاملين في زمن الطاغية المخلوع، وقد قدمت للإمامة في عدة جوامع عتيقة وجديدة، وقد كان هذا من الممنوعات الغليظة في تلك المدة البائسة وإن أنس فلن أنسى أبدًا - إن شاء الله تعالى - تلك الجوامع العظام كـ «الزيتونة»، و«عقبة بن نافع» في القيروان، وجامع «اللخمي» في صفاقس وغيرها.

ثانيًا: الجماعات الإسلامية:

في تونس توجد كل الجماعات الإسلامية، الموجودة في سائر الدول العربية والإسلامية لكنها كانت مقموعة بقوة النظام ممنوعة بسبب الطغيان، فلما فتح الباب، وزالت الحواجز والعقبات برزت تلك الجماعات إلى السطح ومعها كل خلافاتها ومشكلاتها وأصبح هذا لا يرضى عن ذاك، وخرج من يبدع ويفسق الآخرين.

ثالثًا: الانتخابات:

فوجئت في تونس بمعارضة شديدة للمشاركة في الانتخابات، ودعوات كثيرة لاعتزالها وذلك من قبل الجماعات السلفية خاصة، فقلت للقوم إن هذه الدعوات ينتج عنها تسليم البلد لقمة سائغة لحزب فرنسا في تونس، وإن أسعد أيام أعداء تونس في الداخل والخارج هو يوم يعتزل الصالحون الانتخابات ويتركون الفاسدين يستقلون بالمجلس التأسيسي وكتابة الدستور، وسن القوانين التي ستكدر على المعتزلين حياتهم وتضيق عليهم في أمور دينهم بل دنياهم أيضًا.

ويتكى الممانعون الداعون للاعتزال على أقوال قالها بعض زعماء الإسلاميين فيها مخالفات شرعية حقيقية أو متوهمة، فقلت لهم إنا لا ندري لماذا قالوا تلك الأقوال؟ على أننا لا نقبلها لكن قد نعذرهم في بعضها ونخالفهم في بعضها الآخر، لكن لابد من المشاركة والمغالبة وإيصال الأصلح إلى المجلس التأسيسي.

هذا وقد شكى لي بعض الذين حضروا المحاضرات بأن هنالك قوانين تسن الآن في تونس مخالفة للشرع، وهناك تعيينات وظيفية الملحدين وفاسدين، فقلت لهم: إن هذا حجة لي في وجوب المشاركة وعدم الاعتزال؛ فإن هذه الاستفزازات لجمهور المسلمين إنما هي مقدمة السيل الذي سيدهم البلاد والعباد بقوانين الفساد إذا اعتزل الصالحون الانتخابات.

وأظن -والله تعالى أعلم- أن بعض الأئمة والخطباء ووجهاء القائلين بالاعتزال من بعض الدعاة والمثقفين قد راجعوا عزمهم هذا، وقد أفصح لي بعضهم عن هذه المراجعة فلله الحمد والمنة على هذا الذي جرى من اقتناعهم فإني أرى - والله أعلم - أن هذا هو الأصلح للبلاد والعباد في هذه المرحلة. 

ولقد ضربت للقوم مثلًا مصر التي حدثت فيها تنازعات شديدة جدًا في الأربعين سنة  الماضية - تقريبًا - في قضية المشاركة في الانتخابات في الأنظمة الفاسدة، وكان على رأس الممانعين المشايخ السلفيون، أما الآن وفي هذه السنة فقد تغير رأيهم، وأطبق أكثرهم على وجوب المشاركة في الانتخابات بل تعدوا ذلك إلى إنشاء أحزاب سلفية للدخول في المعترك الانتخابي، فهل يبدأ الإخوة في تونس من حيث انتهى المصريون أو سيبدؤون من حيث بدؤوا ويعيدون تلك المناقشات الطويلة، والمنازعات الكثيرة، والجدال العقيم؟!

تونس عن قرب

وأختم ببعض الجوانب عن تونس وزيارتي لها:

أولًا: تونس أصغر بلد عربي إفريقي، لكن أثرها في أفريقيا والعالم الإسلامي عظيم، فلا يدري إلا الله تعالى كم كان فيها من علماء ومجاهدين وزهاد وعباد ومرابطين وقد كان لعلمائها يد بيضاء على الشريعة والثقافة الإسلامية، وفي تونس من آثار الحضارة الإسلامية شيء كثير، ولهذا تتبوأ تونس المرتبة الثانية في أفريقيا الإسلامية بعد مصر وقبل المغرب في الأيادي البيضاء التي لها على المسلمين وشريعتهم وثقافتهم وعمارتهم.

ثانيًا: في تونس أربطة للجهاد رائعة وعلى رأسها رباط «المنستير» الذي لا ينسى أثره في الجهاد وصد أعداء الإسلام، وقد شرفت بزيارته، وأصابني خجل لما درت فيه وتذكرت سير العظماء الذين كانوا يسكنونه فإني - والله - لست جديرًا بدخول ذلك المكان.

ثالثًا: الشعب التونسي متعطش للإسلام فقد خرج من نفق مظلم من التجهيل، وحيل بينه وبين إسلامه وشريعته طويلًا، ولن يقبل هذا الشعب إلا الإسلام حاكمًا له ومهيمنا على القوانين والأنظمة، ولن تستقر تونس ولن يستقيم أمرها إلا بهذا، وقد أدهشني حقًا ذلك الإقبال الرائع على المساجد والدروس، هذا وإن حبهم الشديد للإسلام وأهله ظاهر لائح لا يحتاج إلى برهان، لكن المشكلة الكبرى التي يعاني منها الشعب هي قلة الموجهين والمرشدين خاصة من الراسخين في العلم الشرعي وفقه الوقت.

وفي الختام، ومن باب «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»، فإني أشكر من كان سببًا في مجيئي إلى تونس، وهما الأخ عصام الشيخي المقيم عندنا في جدة، وهو مهندس دمث الأخلاق، والأخ أيوب بن درويش من مدينة الحمامات، وأشكر كذلك الأخ محمد فوزي العيساوي الذي سعدت بمرافقته في أيامي الثمانية في تونس، فقد أجهد نفسه وأهله في سبيل إرضائي وإسعادي وأهلي بكل وجه ممكن فجزاه الله عني خير الجزاء، وأعانني على مكافأته. 

وأشكر كذلك كل الإخوة في المدن العديدة الذين أحسنوا استقبالي إلى الغاية، وجهدوا في تذليل كل عقبة أمامي من أجل إلقاء المحاضرات أو الاطلاع على آثار الإسلام في الديار التونسية، ومنهم الإخوة فتحي السعيدي، والداعية القارئ بشير بن الحسن، وإخوة القيروان وسوسة الذين أنسيت أسماءهم وأرجو ألا أنسى فعالهم، وكذلك إخوة جربة وقابس وصفاقس، فجزاهم الله خير الجزاء.

الرابط المختصر :